30 يوم
الدراما

“30 يوم” من العذاب لبطل الرواية، وللمشاهدين أيضا!!

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

لا نكون مبالغين حينما نضع مسلسل “30 يوم” للمخرج المتألق حسام علي، على قمة أعمال التشويق والإثارة التي عرضتها الدراما المصرية في أخر عشرين عاما مضت. فمن شاهد المسلسل يلمس ولا شك انه نجح في اجتذابه للمتابعة حتى المشهد الأخير على مدار 30 حلقة كاملة، تسير بانتظام وعلى وتيرة واحدة دون توقعات ولا ايه اجتهادات من المشاهد للأحداث المتعاقبة ولا النهاية.

مسلسل 30 يوم

تدور أحداث المسلسل حول د. طارق حلمي الطبيب النفسي الشاب، والذي كان يستعد للاحتفال بعيد ميلاد ابنته الأول، ولكن دخول توفيق (أو سامح) في حياته في لحظة خاطفة مفاجئة كان كفيلا بأن يقلبها رأسا على عقب. فكرة جديدة نوعا ما لمؤلف العمل مصطفى جمال هاشم، تناولها الكاتب أحمد شوقي في ورشة للكتابة تحت اشرافه كما تقول تترات العمل ولكن تمنينا لو أضيفت أسماء المشاركين فيها تتويجا لمجهودهم العظيم. أخبر توفيق غريمه د. طارق انه سيضعه كل يوم في اختبار أو محنة متعلقة برقم اليوم، وتحداه ان يوقفه أو يتهرب منها مما اضطره لأن يخوض التجربة للنهاية محنة وراء الثانية دون هوادة أو راحة، منها ما عرضه للقتل ومنها ما يعرض أحد اقاربه او اصدقائه لمشاكل عديدة، كان على طارق أن يؤدي عمل ما (غالبا مخالف للقانون أو لآداب مهنته) لقاء تحريره أو زوال الخطر عنه، وحين يكون الخطر محيطا بطارق نفسه، يتدخل توفيق في اللحظة الأخيرة لإنقاذه ولكن بعد أن قضى المشاهد معه وقتا على شفا حفرة من الهلاك!..

سامح (أو توفيق) أحد أهم اسرار نجاح العمل

توفيق 30 يوم

وكان المشاهد يلهث وهو يتابع تلك الأحداث، تجذبه تفاصيلها الدقيقة والتي اجتهد السيناريو في ان تكون أحد أسرار نجاح العمل، ولا تكون مدخلا لانفصال المشاهد عن المتابعة. فمن الواضح ان الكاتب درس شخصية د. طارق حلمي جيدا، وليس فقط توفيق حين تعقبه وأوقعه في الأخطار، ورسم تفاصيلها مستعينا بمعلومات دقيقة وعميقة في مجال علم النفس البشرية، وهو نفس تخصص د. طارق. أما سامح (أو توفيق) فرغم انه لم يكن الشخصية المحورية في احداث الرواية، ولكنه الشخصية الأهم والأغرب والأعمق على الإطلاق من أي شخصية أخرى من الشخصيات الكثيرة التي ضمها العمل. لاعب الساكسفون المحترف والمتحدث اللبق ذو الشخصية القوية التأثير فيمن حوله، المقاتل الشرس عالي اللياقة متعدد المهارات في القنص والرماية والقتال بالأسلحة البيضاء والمسدسات واليد، قادر على اغتيال اقوى الشخصيات وأكثرها حذرا بسهولة وان يترك مسرح الجريمة دون أي دليل خلفه. يتعالى صوته في التليفون ليخترق أسماع منافسيه بلا هوادة، مصحوبا بصوت ضحكاته المستفزة التي سمعناها مرارا فكانت سببا في زيادة إفراز هرمون الأدرينالين عند كثير من المشاهدين.

كواليس 30 يوم

جسَّد الشخصية الفنان السوري المتألق باسل خياط، فمنحته عديدا من صفاتها، ولعله هو الذي منحها قدرا من ملامحه الحادة والغامضة فجاءت مكمله لما رسمه قلم الكاتب، فجاء في موقعه الإيجابي بين شخصيات العمل، بينما لم يتعدى دور د. طارق حلمي سوى ان يلاقي الضربات واحدة تلو الأخرى فقط (مجرد رد فعل) ليظهر بشكل سلبي طوال الأحداث. ورغم انه طبيب نفسي ألا أنه فشل مراراً في تحليل شخصية غريمه والتنبؤ بتصرفاته المستقبلية. أما آسر ياسين فكان مثالا للشاب الوسيم الثري الناجح في حياته، ولكن الصورة الجميلة يتم هدمها شيئا فشيئا أمام المشاهد بفعل التصرفات الخاطئة والأفعال المشينة.

الإخراج المدروس.. عامل هام للنجاح

وجاء الإخراج سينمائياً تحمل كادراته المهتزة كثير من الديناميكية للأحداث، والتوتر للمشاهدين الذين يتابعون بتحفز وترقب للتالي، نقلت الكاميرات عديدا من الأحداث المتوازية في آن واحد بطريقة مشهد من هنا ومشهد من هنا يتنقل بينهما المونتير برشاقة دون ان يفقد المشاهد خط المتابعة المشدود بقوة.

أسر ياسين 30 يوم

وكان الانتقال حادا في كثير من المشاهد في حين ان “قفلة” كل حلقة تكاد تكون واحدة ولكن التنوع في بفعل الأرقام والتي تم توظيفها في الأحداث بشكل مدروس وبحرفية عالية. اعتمد السيناريو على عدد كبير من المشاهد السريعة التي كانت اقل من دقيقة وهذا يخدم عنصر التشويق ويبعد الملل عن المشاهد، في حين طال زمن عدد من المشاهد بشكل تخطى العشر دقائق وهذا في عُرف الدراما كثير، ولكن المخرج تغلب على ذلك بتنوع زوايا التصوير والتنقل بينها بمنتهى الرشاقة، فرأينا عدد من الكاميرات تتابع نفس الممثل من زوايا مختلفة بل وتركز على حركات يده بلقطات total تتباعد وتقترب بشكل يزيد التوتر وهو ما يخدم الدراما بصورة كبيرة. أيضا تم توظيف الموسيقى عنصرا هاما في الأحداث ولاسيما مقطوعات مطولة من موسيقى “الجاز” والتي ارتبطت في ذهن المشاهد بالمزيد من المشاكل أو المصائب التي تعاقبت على رأس بطل العمل، عرض المشاهد تفاصيله اثناء انخرط سامح في عزف مقطوعة موسيقية على الساكسفون، او على موسيقى المطرب الشهير أرمسترونج، فكانت مرتبطة بالأحداث بشكل ممتاز.

مسلسل 30 يوم

وجاء العنصر النسائي او نقول الوجود النسائي قويا خلال أحداث مسلسل “30 يوم”، فكانت شخصيات كلا من نجلاء بدر وانجي المقدم وهند عبد الحليم ونورهان ودعاء طعيمة (أو سلمى كما تخيلها توفيق) فاعلة وأساسية ومغيرة في الأحداث ولم تكن مجرد ظهور استعراضي لملء أحداث مسلسل مدته تفوق النصف ساعة على مدار 30 حلقة، كما ظهرت بعض بطلاته بلا مساحيق ولا مكياج بشعر منكوش كما تتطلب الأحداث، ولم ترفض كبعض بطلات الأعمال الأخرى التي تصر على وضع الأصباغ رغم طبيعة الشخصية لا تتطلب ذلك. فيضاف ذلك أيضا لعوامل النجاح الكبير للعمل ككل.

النهاية السريعة لـ”30 يوم” عذاب!!

وبعد ايقاع سريع جدا لعدد كبير من الحلقات ومشاكل حقيقية خاضها البطل دون ادنى توقعات لأحداثها ومسارها من المشاهد، جائت النهاية فكانت مثار اعتراض عديد من المشاهدين، فعلى مدار 29 حلقة ذاق خلالها البطل العذاب جاء الحل أو توضيح الحقائق بشكل سريع، والانتقام بشكل مفاجئ وغير مقنع في كثير من احداثه، فلو توزعت تلك الأحداث على حلقتين (29 و30 مثلا) لكانت أفضل وكانت أكبر فائدة للدراما وأكثر اقناعا للمشاهد.

تحدي 30 يوم

ويقترب المسلسل من تصنيف الدراما التشويقية والأثارة أكثر منها عن الدراما النفسية، راهن فيها صناع العمل من ممثلين ومؤلفين ومخرج وخلافه على تقديم عمل جيد، وبعد عرض أكثر من ثلثي الحلقات في موسم رمضان 2017 ودراسة ردود أفعال الجمهور وتفاعله مع الأحداث على السوشيال ميديا وجدوا انهم كسبوا الرهان، فالعمل يقدم للجمهور عددا كبيرا من الألغاز كل حلقة، على المشاهد ان يتوقع تفاصيلها قبل ان يشاهدها أمامه وينتهي بنهاية الحلقة لينتظر الحلقة التالية او اللغز التالي. يقول بطل العمل آسر ياسين انه استعان بطبيبة نفسية صديقة لتمنحه مزيد من التفاصيل التي تمكنه من تقمص شخصية الطبيب النفسي بشكل أكثر واعمق، هذا غير المستشارة النفسية التي استعان بها المخرج والمؤلفين، ليخرج العمل بشكل اقرب للاحترافية العالية في الأداء والتي نفتقدها كثيرا في عديد من الأعمال الدرامية والسينمائية المماثلة.

كواليس مسلسل 30 يوم

نعم لا نكون مبالغين حين نعتبر المسلسل بشكل عام نقلة كبيرة في الدراما المصرية، لتدخل عالم الاحترافية وتقديم اعمال بمستوى عالي يليق للعرض أكثر من مرة في أكثر من لغة أو ثقافة، تجده يجذب المشاهد في عروضه التالية كما كان الحال أول مرة، ومن شاهده من قبل يشاهده مرة تالية ليكتشف مزيدا من التفاصيل التي غابت عنه من قبل. ولنبتعد عن الأعمال التجارية التي تعرض لموسم واحد لتدخل العلب بعدها وإلى الأبد.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.