هاتولي راجل
أراء عامة الفن السابع

“هاتولي راجل”.. ناقوس إعلان تغير الأوضاع بين الرجل والمرأة!!

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

مع بداية الخمسينات من القرن الماضي، بدأت السينما المصرية ترصد تحولا في المجتمع ينبئ عن تقلد المرأة عدد من المناصب الهامة، والتي لم تكن لتتقلدها منذ فترة قريبة وقتها، مثل المحاماة والقضاء والشرطة والجيش، غير العمل كسفيرة ووزيرة ونائبة في البرلمان، وسط اندهاش المجتمع الذي كان يظن ان تلك المناصب قاصرة على الرجال فقط!.. فألهب ذلك قريحة عديد من صناع الأفلام، فتناولت عديد من الأفلام الكوميدية فكرة تحول الرجال الى نساء، مثل فيلم “الآنسة حنفي” الذي قدمه المخرج الكبير فطين عبد الوهاب عام 1954 والذي قدم بشكل ساخر فرضية لو تحول الرجل “الحِمِش” قوي الشكيمة الى امرأة، فكيف يكون الوضع مع من سبق له التعامل معهم من الجنسين؟.. وفي ” للرجال فقط” عام 1964 قدم المخرج محمود ذو الفقار فكرة تحول المرأة الى رجل شكلا وليس موضوعا، لمناقشة نفس الفكرة او لمعالجة ذات المشكلة. وفي “السادة الرجال” عام 1987 قدم المخرج المبدع رأفت الميهي فاصلا اخر من تبادل الأوضاع بين الجنسين حين تحولت فوزية إلى فوزي شكلاً وموضوعاً.. كلها أفلام تكلمت عن تبادل الأوضاع في المجتمع بين الرجل والمرأة، ولكنه أيضا كان تبادلا حقيقيا وإن تم في إطار كوميدي فنتازي.

كيف تبدلت الأوضاع؟؟

وفي “هاتولي راجل” للمخرج محمد شاكر خضير في اول تجربة له مع الأفلام الطويلة عام 2013، احتفظ كلا من الطرفين بجنسه أو بموقعه الطبيعي وان كانا تبادلا الأوضاع الاجتماعية، فالرجال مازالوا يحتفظون بتركيبهم الفسيولوجي المعهود وأيضا النساء، ولكن القيادة والسيطرة والهيمنة والظهور المجتمعي قد تحول للنساء بعد ان كان للرجال!.. وتعرض الدقائق الأولى من الفيلم تفسيرا بدا وان كان علميا ومقبولا، ولكنه بطبيعة الحال مستحيل.

هاتولي راجل

ويبدأ المخرج في مداعبة عقل المشاهد منذ اللحظة الأولى، بدءاً من اسم الفيلم والذي كان “إفيه” كوميدي لأحد الإعلاميين المحسوبين على تيار الإسلام السياسي، ليظن الجميع انه تهكما عليه ولكنه بعيد تماما عن ذلك!.. لتتوالى المواقف الكوميدية في اطار فنتازي، تحكي لنا عن الفتيات اللاتي يتحرشن بالشباب في الشوارع بمنتهى الوقاحة، أو للرجل الذي يتاجر بجسده في مهنة الدعارة دون تحديد كيف ستتم العلاقة بينهما حينما تتصيد النساء ذلك النوع من الرجال من الشوارع وهم يقفون بجوار أعمدة الإنارة وتتفقن معهم على أجرٍ مُحدد!.. والعريس الذي يخفي بدلة الفرح عن عروسه كي لا تراه قبل الزفاف، ويلقي الورود بظهره ليلتقطها واحدا من أصدقائه ويفرح بذلك إيذانا باقتراب زواجه! وبعد الحفلة نجد زمام العلاقة الحميمة في يد الزوجة لا الزوج على غير المعروف، والتي يبدو انها تعاني من فشل العلاقة لقلة الخبرة!

هاتولي راجل

وقبيل النهاية، تأتي كلمات المُعلم المُحفز للفتيان الثلاثة بمثابة نقطة التحول في الأحداث، والتي كانت سببا في إعادة تأهيلهم من جديد او إعادة الأمور الى نصابها الطبيعي، حينما يتصرف كلا منهم بصفته الأصلية والأصيلة.. بأنه رجل يستطيع الزواج مثنى وثلاث ورباع، ويستطيع حتى ان يتحرش ويصاحب أي فتاة ان أراد، وليس هو من يبيع المتعة مقابل المال. شكل ساخر، وتجربة جديدة وجريئة تؤكد أنه مازال هناك العديد من الأعمال الفنية التي تقدم رسالة جيدة وجادة تستحق التقدير، دون اي إسفاف أو إقحام لمشاهد مخلة، أو الاعتماد على إيحاءات جنسية، أو أغاني هابطة وشعبية وراقصات.

“هاتولي راجل” .. فكرة قديمة في ثوب جديد

الفكرة وإن كانت قديمة كما قلنا، ولكن تناولها السيناريو تم بشكل جديد للغاية، يكاد يكون لا يخطر على بال أحد، ويفاجأ به المشاهد حينما يبدأ في متابعة أحداث الفيلم، ولا شك أنها براعة للاستهلال تحث على المتابعة للنهاية.. ولو من باب “لما نشوف ها يحصل إيه”! ولكن تتابع المَشَاهد أو نقول المواقف الغريبة تحث على مزيد من المُشاهدة، وتساعد على الاندماج في الأحداث حتى وان سارت في ثلاثة خطوط متوازية تنقل السيناريو بينهما بخفة ورشاقة غير معهودة في مثل هذا النوع من الأفلام. مما يجعل السيناريو متماسكا وقويا، وهذا منحه القبول عند المشاهد وإن كان الإطار العام فنتازي غير معقول.

هاتولي راجل

السيناريو لكريم فهمي كما تعلن تترات الفيلم، ولكنه قال بأنه “تأليف” دون ان يحدد أهو الذي كتب السيناريو والحوار بهذا الشكل الاحترافي الجميل، أم أنه وضع الفكرة فقط وترك تلك التفاصيل الاحترافية لأهلها من الكتاب والمؤلفين. حقا لو تناول هو العملية من الألف للياء لكان ذلك رائعا في أولى تجاربه مع الأفلام الطويلة، ولكن إن كان استعان ببعض المتخصصين، فلم لا يذكرهم على تترات الفيلم ويحرمهم من حق أصيل لهم قد يكون أهم عند أي كاتب من أجره المادي في كثير من الأحيان.

الإخراج وأداء الممثلين

هاتولي راجل

الإخراج كان أيضا احترافيا لمحمد شاكر خضير في أولى تجاربه، ويبدو ان هذا الفيلم أو “حقل التجارب” ان صح التعبير قد أفرز لنا منتجا جيدا قد لا يتوافر في عديد من التجارب المشابهة، حتى في مشاهد الأكشن ومطاردات السيارات نقلها لنا خضير باحترافية ومهارة، لا تقل عن السيطرة على شخصيات ستة تقاسموا بطولة الفيلم لم يكن لأحدهم تميز عن الأخر حتى النهاية. رسم الفيشاوي ببراعة شخصية الشاب الخجول المعقد من الجنس الأخر، والذي يعمل معلما في دار حضانة ويخشى المشي وحيدا في الشوارع خشية التحرش، ويحرص في ركوب المواصلات ويرسل لخاله رقم التاكسي قبل ان يركبه في رسالة. كلها صفات نسائية تخلت عنها الفتيات واكتسبها الرجال للأسباب التي عرضتها الدقائق الأولى من الفيلم، أما كريم فهمي فكان الزوج السلبي الذي يطمح ان توافق زوجته على عمله بعد الزواج ويطلب منها أقل حقوقه في خجل وتردد. أما شريف رمزي فإن أكثر مشاهده تميزا حين قدم فاصلا راقصا أمام دينا الراقصة مقلدا إياها في احدى رقصاتها مع سعد الصغير.

هاتولي راجل

ولا يقل أداء البطلات الثلاث يسرا اللوزي وإيمي سمير غانم وميريت عن أداء الابطال الثلاثة، بل تفوقت يسرا اللوزي بجمالها الأخاذ ورونقها على الفيشاوي في عدد من المشاهد التي تمت بينهما، وكذلك سرقت إيمي الكاميرا من كريم في مشاهد الفرح، وكانت ميريت حقا مفاجأة الفيلم لأدائها مشاهد الأكشن بكل ما تحمله من عِراك وتَبادل لأطلاق النار ومطاردات بالسيارة وحتى القفز في الشلال في محاكاة ساخرة لمشهد السقا والذي كان أحد أكثر مشاهد الألفينات شهرة وانتشارا. وكانت الموسيقى التصويرية التي وضعها هاني عادل موفقة الى حد كبير في المشاهد، حتى اغنية الفيلم التي لحنها وغناها هاني بنفسه، عرضها المخرج مع فوتومونتاج جميل ضمن أحداث الفيلم لا مقحمة أو دخيلة.

هاتولي راجل

وكان الظهور الخاص لعدد من الشخصيات شيئا مكملا لعديد من أحداث الفيلم، كريم محمود عبد العزيز والذي قدم شخصية صديق العريس “المنفسن” منحها بعدا كوميديا خفيفا، والفنان أحمد عز الذي ظهر بشخصيته يعلن أنه وغيره من الفنانين لن يقبلوا القيام بأدوار ثانوية لصالح باقي الممثلات اللاتي استحوذن على المشهد وعلى اهتمام المنتجين ليكمل الصورة الفنتازية الخاصة بالفيلم، باستثناء المشهد الأخير والذي ظهر فيه سمير غانم بشكل مقحم الى حد ما، ولكن المُشاهد قد يغفر له ذلك لحُبنا الشديد لسمورة، ولكنه فعلا يشعر معه المشاهد بالفصلان لأول مرة منذ بداية الفيلم!..

عمل يستحق الإشادة

هاتولي راجل

عرض فيلم “هاتولي راجل” في شهر أكتوبر في موسم عيد الأضحى لعام 2013 وحقق إيرادات تتخطى 6.8 مليون جنيه وهو مافاق توقع كثير من النقاد، خاصة حين عرض مع أفلاما قوية تجاريا مثل “القشاش” و “قلب الأسد”.. ولكنه تفوق على عديد من الأفلام مثل “نظرية عمتي” و “8%” و” توم وجيمي” و “كلبي دليلي” وغيرها.. حقا هو واحدٌ من أفضل الأفلام الكوميدية التي طرحت خلال العشر سنوات الأخيرة، كوميديا شبابية وتجربة تستحق التشجيع ونتمنى أن نرى مثلها كثيرا من نفس الفرق العمل او غيره.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.