أخبار فنية أراء عامة الفن السابع

نص ساعة جواز.. حينما سبقت السينما المصرية مثيلتها العالمية

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

وردت في رسائل الخاص على صفحة غاوي سينما على فيسبوك تلك الرسالة: “بالامس شاهدت فيلم “Just Go with It” من بطولة آدم سندلر وجينفر أنستون والفيلم مره حلو بس يوم شفته كثير ذكرّني بالفيلم المصري الجميل جداً جداً جداً “نصف ساعة جواز” اللي من بطولة رشدي اباظة وشادية وفيه الأغنية الظريفة اللي أحبها كثير “سكر حلوه الدنيا .. سكر”… إستغربت كيف ياخذون قصة فيلم مصري بدون أي إشاره على تيتر الفيلم.. فهل الفيلم مقتبس عن فيلم نص ساعة جواز؟”

واقع الامر ان الفيلم المصري والذي ظهر خريف عام 1969 أصلا مقتبس عن مسرحية فرنسية اسمها زهرة الصبار – Fleur de cactus كما ورد بالتفصيل في تتر بداية الفيلم، ودعونا نتناول الموضوع من بدايته..

الأصل والتقليد..

fleur de cactus

في سبتمبر عام 1964 قدم المسرح الكوميدي الفرنسي رواية بعنوان زهرة الصبار Fleur de cactus من تأليف جان بيير جريدي و بيير بارييه، وتحكي عن جوليان طبيب الأسنان الذي يحب أنتونيا والتي تصغره بفارق كبير، ويخبرها كذبا انه متزوج وولديه 3 اطفال، ولذا اقبلت انتونيا على الانتحار، فتعاطف جوليان معها ووعدها بالزواج، ولما رفضت ان تفرق بين زوجين يخبرها ان زوجته امرأة سيئة السمعة وهذا مبرر للانفصال، ولما تطلب انتونيا مقابلتها.. يتمادى جوليان في الكذب ويقدم لها مساعدته ستيفاني والتي تحبه من طرف واحد بصفتها زوجته، لتخبرها انهم فعلا اتفقا على الانفصال، ويكون هذا الموقف مسئولت عن سلسلة من المفارقات الكوميدية التي تقرب من ستيفاني، فيشعر تجاهها بالود .. نحجت الرواية بشكل ملحوظ، واعيد تقديمها أكثر من مرة في باريس عام 1987 و 2015 في عروض ناجحة.. الى جانب تقديمها باللغة الأنجليزية على مسرح مانهاتن في نيويورك عام 1965 في عروض استمرت لأكثر من عامين.

مسرحية زهرة الصبار

وفي صيف عام 1967 قدمها المسرح الكوميدي المصري، بعنوان (زهرة الصبار) كتب الحوار د. يوسف ادريس، واخرجها الفنان الكبير كمال يس، لعب دور البطولة عبد الرحمن أبو زهرة مع القديرة الراحلة سناء جميل في دور المساعدة، ولعبت دور الحبيبة ماجدة الخطيب والشاب الصعلوك جارها صلاح السعدني في بداية شبابه، وجمال إسماعيل في دور صديق البطل، بالإضافة لعدد قليل من الشخصيات المساعدة.. وكان نصيب المسرحية من النجاح لا يقل عن الأصل الفرنسي، تم عرضها في القاهرة لموسمين مسرحيين متتاليين بالإضافة لموسم صيف عام 1968 في الإسكندرية..

فيلم نص ساعة جواز

وهذا ما شجع المخرج فطين عبد الوهاب على تقديم فيلم سينمائي مقتبس عن نفس الرواية “نص ساعة جواز”.. السيناريو كتبه واحد من اشهر رواد الأدب الساخر في مصر، الكاتب احمد رجب، والذي قدم عديد من الكتب والروايات التي تصور الواقع المعاصر من منطلق ساخر، ورغم قلة الاعمال السينمائية التي قدمها رجب كسيناريست الا انها تعتبر علامات في تاريخ الكوميديا مثل (شنبو في المصيدة) لفؤاد المهندس وشويكار عام 1968 وفيلم “نص ساعة جواز”.. والذي تخطى نحاجه في مصر نجاح المسرحية بكثير، حينما أضاف رجب لمساته على الرواية الفرنسية، قدم دور البطولة رشدي اباظه وشادية وماجدة الخطيب في نفس دورها بالمسرحية، بالإضافة لعدد من الشخصيات الكوميدية الجميلة.. عرض الفيلم في خريف عام 1969 وظل في دور العرض بالقاهرة واسكندرية لموسم ربيع عام 1970.

cactus flower

وفي نفس العام، وبعد الفيلم المصري بشهور قليلة، قدمت هوليود اول معالجة سينمائية أمريكية لرواية زهرة الصبار، فيلم Cactus flower من اخرج جين ساكس وكان عرضه الأول في ديسمبر عام 1969 لعب دور البطولة وولتر ماثيو وانجريد بريجمان وجولدي هُون.. السيناريو اخد نفس خط الحبكة للأصل الفرنسي، وتقريبا نفس الشخصيات الأصلية.. نجاح الفيلم الأمريكي كان كبيرا.. نالت جولدي هون اكتر من جائزة عن دورها، اوسكار افضل ممثلة مساعدة وجائزة الجولدن جلوب الى جانب إيرادات تخطت 25 مليون دولار عام 1970..

maine pyaar kyun kiya

وفي عام 2005 قدمت السينما الهندية نفس القصة بعنوان maine pyaar kyun kyia मैंने प्यार क्यूँ किया  او (لماذا وقعت في الحب).. لعب دور البطولة سلمان خان، مع كاترينا كايف وسوشميتا سين. القصة اخذت نفس خط حبكة الرواية الأصلية ولكن بروح السينما الهندية والتي بتتسم بالمبالغة في كل شئ حتى في الأفلام الرومانسية.. نجاح الفيلم تخطى حدود الهند الى سينما الخليج، حين عرض الفيلم بها في اكتر من دولة، واضافة الى قنوات الأفلام الهندية والتي نقلت الفيلم للمشاهد العربي وعرضته اكثر من مرة..

Just go with it

وأخيرا في عام 2010 قدمت هوليود معالجة اخرى لنفس القصة الفرنسية بعنوان Just go with it ولكن بروح أكثر عصرية عن فيلم عام 1969 اخرجها دينيس دوجان ولعب دور البطولة آدام سيندلر وجينفر أنستون ونيكول كيدمان. وكانت جرعة الكوميديا في هذا الفيلم اعلى بكثير من نسخة عام 1969 الى جانب أنه قدم كادرات سينمائية جميلة، لا سيما المشاهد التي تم تصويرها في هاواي، ولكن نصيبها من النجاح لم يكن على مستوى مثيله القديم ابدا.. تقييماته الى حد ما متوسطة على اغلب مواقع السينما وان كانت ايراداته تخطت 200 مليون دولار ..

اسرار نجاح النسخة المصرية

أما عن الفيلم المصري، فهو ولا شك واحد من انجح الأفلام الكوميدية في سينما الخمسينات والستينات، الإخراج لواحد من أفضل مخرجي الكوميديا في السينما المصرية بوجه عام، المخرج فطين عبد الوهاب، والذي يكفي مجرد وضع اسمه على أي فيلم ليعلم المشاهد انه على موعد مع وجبة دسمة من الضحك والبهجة من اول مشهد وحتى كلمة النهاية..

عادل امام نص ساعة جواز

عبقرية فطين عبد الوهاب ولا شك تعتبر سر من اسرار نجاح الفيلم، والتي تبدأ في مهارته في تسكين الشخصيات، رشدي اباظه وشادية كانا ثنائي فني ناجح جدا في سينما الستينات، ورغم انهم ليسا ثنائيا كوميديا لكن فطين عبد الوهاب استطاع ان يولد منهما الكوميديا، ماجدة الخطيب والتي كانت لم تبدأ بعد مرحلة البطولة في مشوارها الفني، دورها في فيلم “نص ساعة جواز” كان نقلة كبيرة في مشوارها الفني، الى جانب وجود عدد من الشخصيات الكوميدية المساعدة اشهرهم عادل امام، والذي كان في ذلك الوقت يعد “صاروخ الكوميديا” الصاعد بقوة، قدم عدد من الأفلام الناجحة قبل ذلك مثل “مراتي مدير عام” 1966 و”لصوص لكن ظرفاء” و”كرامة زوجتي” 1968 .. تلك الأفلام التي رفعته من خانة الأدوار البسيطة للأدوار المؤثرة، حسن مصطفى والذي رغم مشاهده القليلة كانت بصماته الفنية واضحة، سمير صبري والذي كان في ذلك الوقت وجه جديد، ولكن لمسته الاستعراضية في الفيلم كانت جميلة..

ولأن سر نجاح أي فيلم يبدأ من الورق، نجح سيناريو احمد رجب ولمساته الفنية، في توليد عدد من المواقف الكوميدية غير موجودة في الأصل الفرنسي، رغم اعتماده بالأساس على كوميديا الموقف.. مثلا شخصية الجار الصلعوك التي قدمها عادل امام كانت في الأصل الفرنسي عبارة عن موديل إعلانات وكاتب مغمور لا يجد فرصته، حوله احمد رجب لدوبلير يعمل في السينما، شخصية الدوبلير الذي يقوم بالمشاهد الخطر بدلا من البطل، ولا سيما مشاهد الضرب العنيف، ولا يرتفع اجره عن بضعة جنيهات، ويرى في نفسه نجم كبير يحتاج لفرصه. تلك الشخصية اضافت للفيلم عديد من المواقف الكوميدية، والتي كانت بمثابة الفواصل بين احداث الفيلم الرئيسية، ايضا شخصية صديق البطل في القصة الأصلية، قدمها احمد رجب في صورة شخصيتين، حمدي وسعيد او حسن مصطفى وسمير صبري ووزع عليهم عدد من المشاهد الكوميدية، زودت من الجرعة البهجة في الفيلم اكثر من الأصل الفرنسي وكذا اي معالجة ثانية مأخوذة عنه..

ايضا ظهرت احترافية احمد رجب في صياغة أو (رسم) الشخصيات، ليس فقط الرئيسية ولكن أيضا المساعدة او الثانوية، لدرجة انه في بعض المشاهد لا تشعر بوجود بطولة مطلقة في الفيلم، كل الممثلين ابطال، ولا تستطيع ان تستغنى عن أي شخصية منهم.. وهذا امر هام في أي سيناريو ويكون ولا شك عامل من عوامل الجذب للمشاهد ليبعد عنه الملل ويجبره على المتابعة للنهاية..

شادية نص ساعة جواز

اما الحوار فكان على درجة عالية من الإتقان، اعتمد على اللزمات المميزة لكل شخصية، مثلا (بام) والتي تميزت بيها شخصية حمدي أو سمير صبري، و(يا أوحي) واللي تميز بيها سعيد أو حسن مصطفى، ورغم انه كررها اكثر من مرة، ولكن بدون أي ملل مش المشاهد، اما (تكيلام تكيلام) والتي كانت من نصيب سامح الدوبلير او عادل امام، هذه الكلمة تحديدا دارت على عدد من شخصيات الفيلم في تتابع جميل او مشاهد متتالية، ولدت عدد من المواقف الكوميدية في مشاهد ليست كوميدية أساسا، وهنا نرى بوضوح الفرق بين الكوميديا الراقية وغيرها المصطنعة او المزيفة، ويتجلى جمال كوميديا الموقف عن أي نوع اخر. الى جانب بعض اللزمات الأخرى مثلا زي (الاستبحس) او اسم المرض الغريب الذي كان حسني يحكي عنه لحبيبته داليا، تلك الكلمة التي تعتبر من منشأت أحمد رجب، مثل كتير من افيهات فيلم “شنبو في المصيدة”، لاحقا دخلت القاموس اللغوي في الشارع المصري للتعبير عن اي حالة او تصرف غريب.. وهنا نرى جيدا أثر النجاح الملموس للفيلم والمؤثر في الجمهور، والذي لايزال مستمر معانا الى اليوم..

الى جانب وجود عدد من الفنانين كـضيوف شرف بيقدموا شخصياتهم الحقيقية في احداث الفيلم مثل يوسف شعبان ونجلاء فتحي وعبد المنعم إبراهيم.. ظاهرة ضيوف الشرف والتي يعتبرها بعض النقاد مستحدثة في سينما الألفينات، كلام غير صحيح بالمرة، فهو موضوع قديم ويعتبره الممثل إضافة لنجوميته باعتباره نجم كبير، حتى لو لم يكن كذلك، يستعينوا به ليساعدهم في التوزيع، في نفس الوقت يكون من المواقف الطريفة في أي فيلم حينما يجد المشاهد احد الممثلين يقدم شخصيته الحقيقية..

ايضا لعبت أغاني الفيلم دور في النجاح التجاري، شادية في الفيلم يلزم على الأقل اغنية او اثنين، وفي “نص ساعة جواز” قدمت شادية اغنيتين (قالي كلام) و(سكر حلوة الدنيا) وهما من كلمات محمد حمزة والحان بليغ حمدي.. اما الموسيقى التصويرية قدمها فؤاد الظاهري والتي تعتبر إعادة توزيع لأغنية انشالله ماعدمك للفنان محمد قنديل، استخدمها المخرج بأكثر من توزيع في عديد من المشاهد الرومانسية للفيلم.

ومن طرائف حكايات الكواليس للفيلم كما وردت في موقع جولولي هو ما حدث مع مخرج الفيلم فطين عبد الوهاب، حينما تمزع قميصه وهوا مشغول بتصوير احد المشاهد، فطلبت منه مدام شاية انه يخلع القميص لتصلحه، ومثل أي “ست بيت شاطرة” في ذلك الوقت، أخرجت شادية عدة الحياكة من شنطتها وبدأت تصلح قميص المخرج الذي جلس في البلاتوه بالملابس الداخلية بمنتهى الأريحية، في حين اقترب منه رشدي اباظة وقال: “اظن الفيلم دا هايبقا اهم فيلم في حياتك.. شادية بنفسها بتخيطلك قميصك يعني مافيش بعد كدا..” ولعله كان المشهد الختامي الذي غنت فيه اغنيتها الجميلة “سكر حلوة الدنيا سكر”.. لأنها في الصور كانت ترتدي نفس الفستان..

كلمة أخيرة

ونعود مرة أخرى للسؤال الذي بدأنا به التدوينة، هل فيلم Just go with it الأمريكي يعتبر اقتباس من فيلم “نص ساعة جواز” المصري؟.. واقع الأمر انه هوليود او السينما الأمريكية لا تعرف شيئا عن السينما المصرية ولا تمثل بالنسبة لها مصدر للاقتباس، ولكن لأن الفيلمين اصلهم واحد، هذا ما يخلق بعض الالتباس عند بعض المشاهدين، بل وايضا كبار المحررين الفنيين.. المخرج فطين عبد الوهاب قدم عديد من الأفلام المقتبسة عن اصل اجنبي، لكنه يقدم مثالا رائعا لجودة الاقتباس، لا نجدها ابدا في عديد من الاعمال الأخرى، تبدأ من اول التنويه في تتر المقدمة، الى جانب إضافة لمسة جديدة او روح جديدة على الأصل، وليس الاكتفاء بتقديم صورة مطابقة منه، او كما نقول “نقل مسطرة”، فطين عبد الوهاب يعد من القلائل الذين تفوقوا في عديد من افلامهم المقتبسة على الأصل بمراحل..

صفحة غاوي سينما

متابعينا من محبي السينما العالمية ايضا يؤكدون على نقطة تفوق شادية ورشدي اباظة على كتير من نجوم هوليود في تقديم القصة، الى جانب انه كان لهم السبق في عرض الفكرة عن الفيلم الأمريكي وهنا ولا شك شهادة نجاح للسينما المصرية وسينما فطين عبد الوهاب على وجه الخصوص.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.