ملف في الآداب
أراء عامة الفن السابع

“ملف في الآداب”.. حكم البراءة بتاعك مايلزمنيش!

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

يظل فيلم “ملف في الآداب” للمخرج عاطف الطيب انتاج عام 1986 عملا غير تقليديا في حياة كل فرد في فريق العمل بالكامل، بدءا من المؤلف العبقري وحيد حامد الذي صاغ القصة بما يحمل كثير من المعاني، وكثير من التناقضات، وكثير من الرفض لكثير من الأمور المسكوت عنها في مجتمعنا المصري المحافظ والميال للسكوت. ومرورا بالمخرج الذي صنفت أوائل اعماله من افضل الأعمال في تاريخ السينما المصرية، وباقي الفريق من ممثلين ومصورين.. الفيلم يحكي عن الضابط سعيد الشاب والذي يخدم بشرطة الآداب في بدء عمله، فينجح بالحيلة في كشف قضية لامرأة تدير شبكة دعارة، وينجح في اقتيادها ومن معها عرايا “بالملايات” ولكنه يفاجأ بقرار رئيسه بحفظ التحقيق في القضية لصلة “الهانم” ببعض المسئولين الكبار! بعدها يتحول إلى شخص جامد المشاعر. وعندما يدلي له أحد المرشدين بمعلومات تفيد تورط أحد العاملات بممارسة الدعارة، يحاول بكل السبل الممكنة إثبات التهمة عليهم ولو بالزور!

ملف في الآداب

تلفيق القضايا.. أسلوب حياة!

وما علينا من هذا التحول الذي كان بشكل مبالغ فيه قليلا في الأحداث، ولكنه خدمها بشكل أو بأخر حين باشر الضابط التحقيق مع المتهمين في القضية الثانية. أثار الكاتب عددا من التفاصيل عرضها المخرج بذكاء للمشاهد من زاويتين ليضمن في النهاية تعاطف المشاهد مع المتهمين، ويرى بنفسه كيف يتم تلفيق القضايا للأبرياء، ويرى أيضا كيف يمكن لبعض الأدوات البسيطة التي تستخدمها الكثير ان تكون أدلة ادانة في قضية كبري، ان أراد الباشا الضابط ذلك! ودعونا ننظر للزاوية التي أراد المخرج لنا أن ننظر منها لنرى كيف تم تلفيق قضية ماهي بقضية من الأساس! ولمن لم يشاهد الفيلم (قد نحتاج لحرق بعض التفاصيل خلال السطور القادمة فاذهب لمشاهدة الفيلم أولا قبل قراءتها حتى لا تفسد عليك متعة المشاهدة).

يحتاج بعض رجال لمباحث للعمل بنظام المرشدين في عديد من القضايا، وهو أمر يساعدهم على توفير بعض المجهود في التحريات، وعدم توزيع المخبرين السريين التابعين لهم في عديد من القضايا، منها لأنهم قد يكونوا مكشوفين للمتهمين فيحذرون منهم، ومنها لأن الضابط يعلم تماما ان ذلك المخبر أولا وأخيرا موظف حكومة لا يؤدي شغله كما ينبغي! فيتوهم ان “المرشد” يكون أكثر نفعا منه، وهذه احدى النقاط التي أراد حامد اثارتها من داخل أحداث فيلم “ملف في الآداب”، ليثبت ان الاعتماد على ذلك المرشد قد يؤدي بالقضية في اتجاه اخر غير اتجاهها. فالمرشد هنا أحد المتهمين السابقين في قضايا آداب، ومازال يمارس النشاط في الخفاء بعيدا عن أعين رجال المباحث، حين هدده الضابط بملفه القديم وساومه على ان يعمل معه، أراد ذلك المرشد الخبيث ان يشغل الضابط وفريق البحث التابع له عن النشاط الحقيقي بقضية وهمية، وقد نجح في ذلك وكان سببا في اتهام أبرياء، حينما قادته التحريات التي اجراها المخبرين الى نتائج مؤكدة للمعلومات، فهجمت القوات ووجدت من الأدلة ما يكفي لأن يساق الجميع الى قسم الشرطة، ولكن بكامل ملابسهم وليس عرايا في ملايات كما هو الحال مع غيرهم.

ملف في الآداب

وخلال مشاهد فيلم “ملف في الآداب” تجولت عدسات سعيد شيمي المصور، مع عاطف الطيب بكاميرا محمولة في شوارع وسط القاهرة عام 1986 لتنقل لنا، الى جانب الاحداث طبعا، لمحات وثائقية لتلك الأماكن في ذلك الزمن، عبر كاميرا محمولة تحمل اهتزازاتها للمشاهد طبيعية الأحداث، ولم تحمل التوتر كما هو الحال مع مشاهد المطاردة او المشاهد الخطرة التي تنقلها الكاميرات المحمولة. فرغم ان المخبرين السريين يراقبون البنات، ألا أن الكادرات كانت تحمل للمشاهد البهجة التي ظهرت على وجوه البنات اثناء تجوالهن ووقوفهن المتكرر أمام واجهات المحلات، وتجعل الكثير يتساءلون حين تأتي الصورة على المخبر: “إنت بتراقب إيه بالظبط”؟؟.

مديحة اللي لها “ملف في الآداب”!

وفي التحقيقات، وحين جلس الضابط مع المتهمين وسمع منهم وتأكد من البراءة، فلجأ لمساومة الرجال ليكونوا شهداء على النساء ليسبك القضية امام النيابة، مهددا إياهم بفضحهم امام ذويهم! وحينما وجد أحد البنات غير متزوجة، مما يدل على عذريتها وعدم صلاحيتها لمثل هذه القضية، هددها بالكشف عليها لتقول: “بس وأنا صغيرة كنت بأركب عجل! “.. ولعل حامد أراد ان يثبت أيضا ان وجود أمر كهذا في القانون قد لا يكون صحيحا، ولا يثبت الشرف على البنت أو الإدانة! المهم ان الضابط قد نجح في النهاية في اثبات التهمة على “مديحة” المطلقة التي تعمل في أكثر من عمل وبأكثر من وردية لتجد قوتها كما يفعل الكثير وقتها والى الأن، وتحال القضية أخيرا للمحكمة.

ملف في الآداب

وفي المحكمة ظهر فساد القضية وما كان منها الا الحكم بالبراءة، وكان ممكن أن تنتهي الأحداث على هذا كنهاية سعيدة كما نرى في معظم الأفلام ولكن وحيد حامد له رأي أخر، ايده عاطف الطيب حين منح مديحة كامل مشهد قد يكون هو الأفضل في مشوارها الفني على الاطلاق، حين وقفت أمام هيئة المحكمة من داخل قفص الاتهام ورفضت حكم البراءة، حين قالت كلمتها الأسطورية: “حكم البراءة بتاعك مايلزمنيش!” لأن مجرد وجودها هنا الأن كفيلا بأن تقع تحت طائلة الإدانة من المجتمع، حتى لو كانت بريئة أمام القضاء. وتلك كانت الصرخة الكبرى التي أطلقها حامد في وجه العدالة! بأن إجراءات الضبط والإحضار والتحريات والحصر الشكوك بل والتحقيقات والذي منه.. كل هذا يجب أن يراجع! يجب ان يعاد النظر فيه، وبشدة وحزم! لأن تلك الإجراءات وان كانت صحيحة ورقيا لأنها ادانت أشخاص أبرياء، وخرج منها المدانين الحقيقيين حينما ذهبت عنهم أعين المباحث بحيلة استخدمها مرشد ماكر.

انت في المكان الصح

وختاما..

فيلم “ملف في الآداب” من الأفلام الجديرة بالمشاهدة أكثر من مرة، لأنه في كل مرة تذهب عينك الى تفاصيل جديدة لم تراها في المرة السابقة، وتسمع جمل جديدة في الحوار المتألق على لسان كثير من النجوم، مديحة كامل، سلوى عثمان، ألفت أمام، شوقي شامخ، احمد بدير، صلاح السعدني في احد ادواره التي يدعوك فيها الى كراهيته، وحيد سيف في شخصية وان كانت التحفت برداء الشر ألا ان الفكاهة لا تغيب عنها! كل هؤلاء يلتقون مع “الملك” فريد شوقي في واحد من أجمل أدواره في سينما الثمانينات. إنه فعلا عملا فنيا رائعا يحمل فكرة جديدة وقوية تظهر من خلال تعبير سينمائي بليغ، ذي طابع يعتمد على الصورة أثر ما يعتمد على الحوار.. “شغل سيما على حق”!

فركش فيلم ملف في الآداب

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.