الجماعة 2
أراء عامة الدراما

مسلسل “الجماعة 2”.. حين غرقت الدراما في بحر من الوثائقيات

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بعد ان تابعنا جميعا الجزء الأول قبل أعوام عديدة، قدم لنا الكاتب الكبير وحيد حامد مسلسل “الجماعة 2” وهو الجزء الذي حمل عنوان “العسكر والإخوان” قبل تحفظ الرقابة على المصنفات الفنية على لفظ “العسكر” فقررت الشركة المنتجة ان يحمل عنوانا محايدا “الجماعة – الجزء الثاني” ليستكمل المشاهد معه معاينة الأحداث التي واكبت صعود جماعة الإخوان في صحوتها الثانية مع احداث ثورة يوليو 1952 وبداية عهد الزعيم جمال عبد الناصر.

كيف سرد وحيد حامد الأحداث؟

وحيد حامد

وفي تغير ملحوظ عن الجزء الأول، لم يستخدم المؤلف احداثا دراميا معاصرة لسرد حكايته الرئيسية، ولا أسلوب الفلاش باك بحيث تتقاطع أحداث الزمن الماضي مع أحداث الزمن الحاضر كما حدث سابقاً. بل سرد الأحداث بشكل متتابع متسلسل تقليدي بداية من احداث اغتيال الشيخ حسن البنا عام 1949 وموقف الملك فاروق ووزارة إبراهيم باشا عبد الهادي من تلك الحادثة، كما عرض كواليس العلاقة بين تنظيم “الضباط الأحرار” وجماعة الإخوان كيف بدأ وكيف كان، معتمدا على روايات متداخلة بين ما كتبه جمال جماد وحسنين هيكل من ناحية، وبين ما كتبه الإخوان أنفسهم في مذكراتهم الصباغ وأحمد عادل كمال والباقوري والغزالي وعبد العزيز كامل وأحمد عبد الحليم. كانت الأحداث التي عرضها حامد في مسلسله خليط بين هذا وذاك رغم تباين تلك المصادر في عديد من الأحداث، ولكنه فضل ان يستعين بنقط الاتفاق ويترك نقاط الخلاف جانبا ليظهر المسلسل محايدا غير منحازا لأي جانب منهم، رغم ان ذلك الانحياز واضحا غير منكرا من المشاهد سواء كان مؤيدا للإخوان او مناوئا لهم.

الجماعة 2

وتحدى حامد الرأي العام وجموع المثقفين (أو هكذا يظنون..) حين نشر عددا من المشاهد التي كانت محل تكذيب بين اغلبهم، لاسيما المشهد الذي رأينا فيه صلاح سالم يضع فوهة مسدسه في رأس جمال عبد الناصر أمام كل أعضاء مجلس قيادة الثورة بعد أحكام “محكمة الشعب” عام 1954. ذلك المشهد الذي مُنعت احداثه من التعقيب في أي جريدة معاصرة وقتها، ولم يكن مثار حديث عام او خاص بسبب اعتبار المجلس ما حدث كأن لم يكن! ولكن بعد فترة من الزمن ذكره بعض المؤرخين في مذكراتهم وكان ايضا مثار تكذيب من الكثير!..

الحلقة 18 الجماعة 2

هذا المشهد وغيره من مشاهد اختلاف أعضاء المجلس بينهم، والتي توضح مدى التخبط في قيادة البلاد مطلع الخمسينات، عرضها حامد في المسلسل رغم اعتراض وتكذيب البعض ولعله بذلك قصد أيضا أن يكون محايدا، لأنه عرض كثير من الأحداث الدفينة داخل اجتماعات الإخوان السرية التي لم يحضرها سوى شخصيات محدودة، وجاءت اخبارها على لسان شخصيات أخرى لم تكن شهود عيان، ولكنها اغلب الظن اعتمدت على روايات الغير. فلعل حامد قصد ان يقدمها للمشاهد جنبا الى جنب مع الأحداث الأخرى ليقبلها المشاهد دفعة واحدة، او يرفضها دفعة واحدة وهو ما كان أمرا صعبا لعديد من المشاهدين!

محمود حجازي الجماعة 2

أيضا كان السرد بعيد عن الدراما في كثير من الأحداث، أقرب الى الوثائقية التي تضم مشاهدا تمثيلية بين جنباتها. فلا يوجد صراع ولا شخصيات رئيسية بطل رئيسي وبطلة تدور حولهما الاحداث وقوى تتصارع ضد الأثنين في حبكة تحمل كلا من عقدة وحل.. تلك العناصر التي اعتدنا ان نراها في كل مسلسل أو عمل درامي، بل كانت أحداثا متتابعة كما حدثت تقريبا، غاص في بعضها وقام بتشريحها تشريحا دقيقا، ومر على البعض الأخر مرور الكرام. بعض الأحيان تمر السنين سريعا، واحيانا تمر حلقات عديدة تحمل احداث عاما واحدا.. كما عرض في حلقات عديدة حوارات الإخوان في قبول أو رفض أفكار الكاتب سيد قطب، حوارات فلسفية دقيقة وعميقة لا تصلح أبدا في عمل درامي او ضمن أحداث مسلسل!.. أيضا تحقيقات النيابة مع المتهمين فيما اشتهر إعلاميا وقتها بـ”تنظيم 65″ ظهرت بشكل دقيق ورتيب في حلقتين متتابعتين جنبا الى جنب مع أحداث اختلاف وتسابق أجهزة الدولة الأمنية في اعتقال افراد التنظيم والتحقيق معهم، إلى أن احالت النيابة العامة القضية برمتها للقضاء العسكري رغم رفضها في البداية التحقيقات التي تمت مع المتهمين عن طريق الشرطة او المخابرات الحربية!.. ظهر ذلك بالفعل وبوضوح ضمن أحداث المسلسل.

“الإخراج” أحد ابطال العمل

لقاء عبد الناصر الجماعة 2

وكان المخرج الشاب شريف البنداري، مخرج الجزء الثاني، منافسا قويا لمخرج الجزء الأول المخضرم محمد ياسين، حينما اختار المشهد السينمائي لا الدرامي ليعرض الأحداث من خلاله، جاءت أغلب الكادرات سينمائية ديناميكية تحمل كثيرا من التفاصيل التي اهتم البنداري بجميعها حتى لو كانت صغيرة دقيقة لا يلاحظها أحد!.. من ملابس وديكورات وإكسسوارات وإن كانت مكملة للدراما ولا تخدمها بشكل عام. وطال زمن عديد من المشاهد عن الدقيقة، وامتد كثير منها الى 10 دقائق كاملة وهذا في عرف الدراما كثير، ورغم ان المخرج عرض بعضها بنظام اللقطة الواحدة من كاميرا ثابتة، فكان العرض اشبه بالمسرح منه الى الدراما.

عبد الناصر الجماعة 2

ظهر الممثلون بمكياج لا يشابه الشخصية بشكل دقيق وان كانوا يحملون روح الشخصية الأصلية. فما كان مخيون أشبه بالهضيبي مرشد الإخوان الثاني، ولكنه نجح في اقناع المشاهد بذلك لصدق التجسيد وقوة الأداء. وتألقت صابرين في شخصية الحاجة زينب الغزالي رئيسة “جمعية السيدات المسلمات” بشكل واضح، عرض حامد أبعاد الشخصية بشكل جيد في أكثر من مشهد، وجاءت كلمات الحوار مكملة لإبراز نواحٍ أخرى في الشخصية. كذلك كان الراحل ياسر المصري الذي جسد شخصية عبد الناصر بشكل أبعد ما يكون عن التقليد شكلا وصوتا، كما قدمها عديد من الفنانين من قبل، ولكن أقرب إلى مضمون وروح الشخصية، ولعله بذلك هرب من فخ المقارنة مع غيره والذي قطعا لن يكون في صالحه بأي حال من الأحوال!

محمد فهيم الجماعة 2

أيضا كان القطع سلسا، والانتقال بين المشاهد ليس حادا في اغلب المشاهد، كما استخدم نفس موسيقى الجزء الأول الحماسية في بعض الأحداث التي تحمل روح الجهاد والمغامرة، مع استخدام تأثيرات فحيح الثعابين اثناء حوارات قيادات الأخوان بعضهم مع بعض لبيان الحالة للمشاهد. ولكن ذلك لم يغطي على انها احداثا جامدة تخلو من مفردات الدراما التي قلنا عليها سابقا، كما تخلو من رومانسية وعواطف او أي أحداث جانبية او هامشية ولو مختلقة كما حدث في الجزء الأول، ولكن هذا ليس عيبا إخراجيا ولكنه من السيناريو الذي نفذه البنداري تنفيذا محكما جيدا.

الجماعة 2 – العرض الأول

فريق عمل الجماعة 2

عرض المسلسل في عرضه الأول في موسم رمضان 2017 على قناة ON E بعد فترة زمنية عصيبة في التاريخ المصري الحديث، فاتهمه البعض بالكذب واختلاق الأحداث والانحياز السياسي ضد جماعة الإخوان، ولكن حامد نظر لكل تلك الاتهامات بعين الازدراء، وتحدى الجميع أن يأتي بحقائق أخرى غير المعروضة حين عرض قائمة بالمراجع عقب كل حلقة كما هو متبع مع الأعمال الوثائقية لا الدرامية، الأمر الذي خرج بالمسلسل من نطاق الدراما بشكل عام وجعله أقرب للوثائقية. مازلنا في انتظار الجزء الثالث الذي قال عنه المؤلف وحيد حامد انه يواجه مشاكل عديدة.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.