مسلسل ما وراء الطبيعة
أراء عامة الدراما

“ما وراء الطبيعة”.. كانت حالة ما وراء الأبداع؟

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

أخيرا آن الأوان لأن يلتف عشاق أدب د. أحمد خالد توفيق حول الشاشة لمتابعة أعماله مرئية أمامهم بعد ان شبعوا منها مقروءة في الكتب، فقد أوفى المخرج عمرو سلامه بوعده وخرج لنا بمسلسل “ما وراء الطبيعة” أول أعمال مقتبسه عن روايات الأديب الكبير في صورة مسلسل من ست حلقات، وجاء الاقتباس من عدة روايات ليعتلي المسلسل قمة اهتمامات المشاهدين في كل دول الوطن العربي وبل العالم الخارجي ولأيام عديدة.

حلقات منفصلة متصلة

د. رفعت اسماعيل ما وراء الطبيعة

تدور احداث المسلسل حول الدكتور رفعت إسماعيل الأستاذ الجامعي الذي يتم الأربعين من عمره، وفي ظل اهتماماته بالتجارب والأبحاث على حساب جانب كبير في حياته الشخصية، يضطر اقاربه الى دفعه بالقوة نحو الارتباط بابنة خالته التي تصغره بفارق كبير، وفي نفس الوقت يجد نفسه وجها لوجه مع ماجي، زميلة الدراسة القديمة وحبه الأول الذي فشل في الارتباط بها. وفي ليلة احتفال اقاربه بعيد ميلاده يكون على موعد من عديد من الأحداث التشويقية المثيرة التي تعيده ثلاثين عاما الى الوراء!

احمد امين ما وراء الطبيعة

استخدم السيناريو نظام الحبكة الرئيسية المستمرة والتي تكلمنا عن موضوعها في السطور السابقة، ليربط عددا من القصص المنفصلة لتستقل كل حلقة عن سابقتها ولاحقتها في الموضوع وان اتصلت بالخط العام للرواية، كما هو الحال مع اغلب روايات د. توفيق، وهو أسلوب لا يعتبر جديدا نوعا ما على الدراما العربية، فقد سبقه إليه مسلسلات عديدة أهمها “أبواب الخوف” للمخرج احمد خالد منذ العام 2011 ولكن التميز الذي منح المسلسل حالة خاصة هو استخدامه لحوار الدكتور رفعت إسماعيل الداخلي (مونولوج) بشكل أساسي الى جانب حواره مع باقي الشخصيات في ان يضفي مزيد من التفاصيل المميزة على الأحداث، وأن يشرح للمشاهد كثير من الأمور غير المفهومة.

د. رفعت اسماعيل ما وراء الطبيعة

أيضا منح السيناريو لشخصية “ماجي” أهمية أكثر مما كانت عليه في الرواية، فزاد الرابط بينها وبين الدكتور رفعت، وجعلها فاعلا مؤثرا في كثير من الأحداث، مغيرا لدفة الأمور 180 درجة، معاونا لكثير من الشخصيات الفرعية وحتى الأساسية. كما تناول عديد من الحكايات الشعبية الأسطورية كالندَّاهة من مصر، والعسَّاس من ليبيا، وتناول عددا من الظواهر العلمية كالجاثوم بعيدا عن مفهومها أو موروثها الشعبي الذي يعزي بها إلى الجن والعفاريت، وحتى سيطرة الأرواح على البشر ودفعها إياهم لارتكاب أفعال خارجة عن إرادتهم، فيما يعرف بالمس الروحاني ولكن بمفهوم مختلف.

اخراج متميز

د. رفعت اسماعيل ما وراء الطبيعة

وكان اختيار عمرو سلامه هو أحد أهم أسباب نجاح هذا العمل المتميز، فالصورة السينمائية التي رأيناها في هذا للعمل الدرامي منحته تميزا بألوانها الباهتة المناسبة لتلك الحقبة من نهاية الستينات، كما كانت الصورة خافتة الإضاءة التي نقل سلامه لنا بها عديد من الأحداث مكملة للصورة السينمائية العامة التي لا يعهدها المشاهد في الدراما، ولهذا كانت نصيحته (التي تهكم عليه البعض بسببها) بالمشاهدة في جو خافت أو يخلو من الإضاءة وغيرها من المؤثرات الخارجية. أيضا كان الجرافيكس احترافي بشكل غير معهود في نقل صورة جيدة لمعظم الأحداث الغريبة الخارقة للطبيعة وخاصة أحلام الدكتور رفعت، طبعا لو استثنينا مشهد العساس او الغوريلا التي كانت مثار سخرية ومقارنة بمثيلتها الشهيرة في أفلام المخرج الكبير نيازي مصطفى، باستثناء ذلك فهو نتاج الإنتاج الضخم لمنصة Netflix في حين تلاعب المونتير بالأحداث وتنقل بين الزمن برشاقة. كان القطع حادا في كثير من المشاهد لإضفاء مزيد من التوتر والارتباك والتحفيز لدى المشاهد.

بعض أخطاء المسلسل كما رآها المشاهد

شيراز الخضراوي ما وراء الطبيعة

ومن اهم الأخطاء التي اخذها بعض المشاهدين على المسلسل هو عدم اهتمام المخرج ببعض التفاصيل الصغيرة (رغم اجتهاده في الإلمام بالكثير منها) مثل ظهور مواسير الصرف UPVC في فترة زمنية سابقة بكثير عن ظهورها واستخدامها في مصر. كما ظهرت بعض المراجع الطبية الحديثة في مكتبة الدكتور رفعت بشكل لا يتناسب مع تلك الفترة، كما ظهرت قبيلة الطوارق ضمن احداث الحلقة الثالثة بشكل مغاير تماما للحقيقة، ولا نقول اللهجة والتي قد تختلف من شخص لأخر ومن بلد لأخر. ولكنها في الواقع أخطاء قد لا يلاحظها المشاهد العادي، ولا تؤثر على الأحداث ولا تفصل عن متعة المشاهدة قيد أنملة!.. وتكاد تدخل علينا من باب “مالقوش ف الورد عيب..”. الحق أقول لكم، لو كانت كل عيوب الأعمال الفنية من هذا القبيل لما كان هذا هو حال الإنتاج الفني في مصر، ولا زخرت مواقع التواصل بمزيد الصور التي تحمل لنا أخطاء قاتلة وجوهرية في كثير من الأفلام والمسلسلات التي تنتج كل عام.

تسكين الأدوار

د. رفعت اسماعيل ما وراء الطبيعة

اتبع المخرج سياسة جيدة في تسكين الأدوار، حين اختار البعد التام عن نجوم الصف الأول والنجوم المشهورين الذين يلجأ اليهم عديد من شركات الإنتاج لهثا وراء نجاح العمل قبل ان ينزل السوق، واختار فريقا من الفنانين الموهوبين من صغيرهم لكبيرهم، ليجعل من الرواية ومؤلفها هو بطل الأحداث الحقيقي الحاضر الغائب، ومن السيناريو بطلا ثانيا. كما أعاد اكتشاف أحمد أمين بعيدا عن أدوار كوميديا الإفيه التي اشتهر بها مع أكرم حسني وغيره في عديد من الأعمال، فكانت شخصية الدكتور رفعت إسماعيل أكثر تأثيرا في أمين نفسه عن تأثيره في شخصية رفعت إسماعيل، في مشاهد تلاشى فيها أمين تماما، فرأينا وسمعنا خلالها صوت الدكتور أحمد خالد توفيق ينشر أفكاره على لسان رفعت إسماعيل، والذي هو ولا شك محطة هامة في مشوار أحمد أمين الفني.

سماء ابراهيم ما وراء الطبيعة

أيضا قدمت كلا من رزان جمال وآية سماحة شخصيات بعيدة تمام البعد عن شخصياتهم الحقيقية، رسما وجسما، لعبت فيها الملابس والإكسسوار دورها في تجسيد الحقبة الزمنية واضفاء مزيد من المصداقية والواقعية على تلك الشخصيات. كما قدم الفنان المسرحي الكبير رشدي الشامي شخصية الأخ الكبير بشكل غير مستغرب منه كفنان متمكن من ادواته وامكانياته، وكانت سماء ابراهيم أو “رئيفة” (شقيقة رفعت الكبرى) هي الصورة الواقعية شديدة الحرفية لسيدة البيت المصرية دون أي مكياج أو ملابس، لتمنح الصورة السينمائية غِنى وعُمق وواقعية أكثر على ماهي عليه. وكانت مفاجأة العمل على حق الطفلة السورية الجميلة ريم عبد القادر والتي شاركت في عديد من الأعمال السابقة مثل “هربانة منها” و”لمعي القط” وغيرها. ولكن تم إعادة اكتشافها وتقديمها للجمهور وكأنها تظهر للمرة الأولى في شخصية “شيراز الخضراوي” بنظراتها البريئة والمرعبة في الوقت نفسه، تدعوك للعب معها في نفس الوقت الذي تذهب فيه إلى التهلكة، فكانت مضرب المثل للسخرية من كثير من المواقف والأماكن على السوشيال ميديا..

مصير دراما الرعب بعد “ما وراء الطبيعة”

د. رفعت اسماعيل ما وراء الطبيعة

بعد النجاح الكبير للمسلسل لدرجة انه منح الحياة أيضا لمسلسل آخر أنتج منذ عشرة سنوات مضت، وهو مسلسل أبواب الخوف للمخرج محمد خالد، ويتوقع البعض ان يتجه مزيد من المنتجين لأعمال الرعب، دراما وسينما، بعد ان لمسوا بأنفسهم مدى تغير الذوق العام بعيدا عن أفلام الكوميديا الخاوية، وافلام الأكشن التي لا تختلف كثيرا عن بعضها البعض. ولكن واقع الأمر ان المشاهد كان على موعد سابق مع أكثر من تجربة سابقة فاشلة في اعمال الرعب في السينما والدراما، قد نجح عمرو سلامه في تلاشي أخطاء الماضي وقدم الرعب للمشاهد كأنه يراه للمرة الأولى، فنجح في انه ينسيه مرارة التجارب السابقة، ويرسم منهاجا لمن يليه لو تمسك به لأنتجنا اعمالا تنافس الأعمال العالمية، والتي كانت المقارنة بينها وبين اعمالنا المحلية أحد أهم أسباب الفشل التجاري والجماهيري. فلعله خير ان شاء الله.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

One Reply to ““ما وراء الطبيعة”.. كانت حالة ما وراء الأبداع؟

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.