فيلم أريد حلا
أراء عامة الفن السابع

ما بين “أريد حلا” و “أريد خلعا” فارق كبير!!

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

في عام 1975 قدم المخرج سعيد مرزوق رائعته “أريد حلا” ذلك الفيلم الذي يعد علامة في تاريخ السينما المصرية، فهو أول فيلم عربي حاول الكشف عن الثغرات التي يحتويها قانون الأحوال الشخصية في مصر وساهم في تغييره، فهو نموذج للسينما الملتزمة الجادة التي ناقشت قضايا حيوية مصيرية في المجتمع المصري، كما أن قصة الفيلم تتسم بالجرأة والشجاعة في مواجهة الموروث الراكد الذي يلجأ إلى فهم مغلوط للأثر وروح الشريعة. جاء الفيلم فى المرتبة الـ “21” لقائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

علامة في تاريخ السينما

فيلم “أريد حلا” علامة بارزة في مشوار سيدة الشاشة العربية فاتن حمامه، إذ استمر عرضه 16 أسبوعاً متواصلا في سينما ريفولي بالقاهرة، ويعتبر أول حوار وجدل بين السينما وقانون الأحوال الشخصية، إذ تناول قضية اجتماعية بالغة الخطورة وهي الطلاق، وتكمن الخطورة في أن “مرزوق” قد ناقش حق المرأة في طلب الطلاق، بل وقف بجانبها في المطالبة بالتعامل معها كإنسانه لها مطلق الحرية في تقرير مصيرها. كما أنه حاول الكشف عن الثغرات التي يحتويها قانون الأحوال الشخصية المعمول به منذ بداية القرن العشرين الى سنة انتاج الفيلم، أي قرابة السبعين عاما أو يزيد!

يروي الفيلم عن درية المتزوجة من أحد أعضاء السلك الدبلوماسي، وتعاني من الاختلاف بينهما في الطباع والفكر والذي بدأ من أول سنين الحياة الزوجية، وبعد زواج ابنهما تطلب الطلاق من زوجها لتضح حدا لحياة فاشلة منذ البداية، فيتمسك الزوج بحقه ويصير الأمر بينهما سجالا في المحاكم وتتعرض لسلسلة من المشاكل والعقبات التي تهدر كرامتها وتتعقد الأمور عندما يأتي الزوج بشهود زور يشهدون ضدها في جلسة سرية وتخسر قضيتها بعد مرور أكثر من أربع سنوات.

نضوج القصة وكمال الإخراج

القصة كتبتها الصحفية حُسن شاه بالاتفاق مع الفنانة فاتن حمامه، والتي بدورها رشحت سعيد مرزوق لإخراجها، والفنان سعد وهبة لكتابة حوار الفيلم. وبعد مشاورات طويلة مع المخرج وافق بشرط إعادة الصياغة عند كتابة للسيناريو، وقد اعتمد في ذلك على ملفات وكتب قانونية، وزيارات متكررة قام بها طوال ثلاثة أشهر لقاعات المحاكم ومكاتب عديد من أساتذة القانون، وكان يحضر بعض الجلسات ليدرس ويراقب ما يدور فيها، وكل هذا بالطبع يحسب لصالح سعيد مرزوق كمخرج ملتزم وواع بدور السينما الاجتماعي وتأثيرها الجماهيري وساعده هذا على نجاح الفيلم تجارياً بسبب قوة الموضوع وجرأته، فقد وضع هذا الفيلم “مرزوق” في تحد كبير ومباشر، واختار أن يقدم الفيلم الجماهيري، متخلياً عن الكثير من نمطه السينمائي، علماً بأنه في هذا الفيلم قد ناقش بشكل جاد مشاكل المرأة العربية وحقوقها، مع محاولته إبراز الظروف القمعية التي تعيشها في ظل القوانين الوضعية.

أريد خلعا.. كوميديا باهتة

أريد خلعا

وفي عام 2005 قدم الكاتب والمخرج احمد عواض فيلمه الكوميدي الاجتماعي “أريد خلعا” والذي يناقش أيضا احدى بنود قانون الأحوال الشخصية الجديد، والذي يقر حق المرأة في انهاء العلاقة الزوجية من طرفها ان ارادت، والذي يعتبر احدى ثمار فيلم “اريد حلا” ولكن المخرج اختار اللون الكوميدي لتناول ذلك الموضوع الهام، ليعرض قضية مها الشناوي التي تعاني من تسلط زوجها موظف البنك وعدم تقديره لمكانتها ولا وضعها الوظيفي، فتقرر انهاء العلاقة الزوجية لتصير اول امرأة ترفع قضية خلع على زوجها في مصر!

في “أريد حلا” تدخل الأهل والأصدقاء وهم يعاصرون مشكلة درية ويقدرون مدى معاناتها، حين استحالت العيشة بينها وبين زوجها، واستحال أيضا الإصلاح، ان ينضموا لجانبها ويعاونوها في مشكلتها. قدموا لها الأستاذ عدوي المحامي الذي بذل قصارى جهده في انتزاع حكم لصالح موكلته، ولكن جمود القوانين حال دون ذلك، ووقف صخرة ضحمة تحطمت عليها كل أحلام وامال درية في ان تنال عيشة كريمة، وظلت دموعها اخر ما يتذكر المشاهد من نهاية غير سعيدة بل ومستفزة، تدفع بالمشاهد الى رفض كل شيء والعمل على تبديله وتغييره بشتى السبل! اما في “أريد خلعا” فطغت المعالجة الكوميدية على الرسالة، فنرى مها الشناوي انتهزت فرصة تعاطف المجتمع معها وتجاوزت في حق زوجها، الذي بدل احواله وحاول ان يصالحها بـ”بوكيه ورد” في الشارع، فكان نصيبه ان اعتقله الشرطي بحجة انه يتحرش بها. كما تدخل في الأمر شقيقها الانتهازي عمر (شريف رمزي) والذي يحمل ضغينة لزوجها الذي سبق ورفض تعيينه في البنك، وتجعل منه المتحدث الرسمي باسمها، ليخرج القديم والجديد مع الزوج طارق.

سجال غير مقبول!

أريد خلعا

في “أريد حلا” استفز سعيد مرزوق المشاهد لأقصى حد، بأداء فاتن حمامه الذي وصل الى قمة نضجه الفني، بالمواقف المتتابعة التي سببت ازمة نفسية للبطلة درية والمشاهد على حد سواء. وكان الحوار الذي استشهدت فيه درية بأحاديث شريفة ومواقف من السنة مكللا للقضية التي يدافع عنها الفيلم، حينما اشتكت لوزير العدل وقالت له إن الرسول جاءت له زوجة ثابت بن قيس، وقالت لا أعترض عليه في خلق أو ديـن، وإنما لا أطيقه بغضاً، فأمر الرسول بتطليقها. وهنا يظهر بشكل واضح جمود القوانين وخروج روحها عن روح الشريعة وان كانت مشتقة منها وتخرج من كنفها. مما استفز اغلب الجماعات الدينية وقتها واتهموا صناع الفيلم عبر سطور مجلة “الدعوة”، وتم تصوير الأمر وكأنه مؤامرة ضد الشريعة، والصحيح هو أن الفيلم انتصار لصحيح الدين قبل أن يخضع للمؤثرات الاجتماعية والتقاليد الموروثة.

في حين اكتفي “أريد خلعا” بالسجال بين اسرة طارق واسرة مها حين أرادوا الإصلاح كما تنص الشريعة وبنود القانون الجديد، حين اكتشف العمدة الذي وهب لزوجته قطعة ارض انها تستطيع ان تخلعه كما فعلت مها، فيصر على استعادة الأرض منها بل وقطع سلك الارسال عن التليفزيون حتى لا تتابع الأنباء ولا تعرف حقوقها!

أريد حلا

وكان مشهد المحكمة في “أريد حلا” من المشاهد الهامة، حينما شعر القاضي بضعف موقف الزوج وقوة موقف الزوجة، ولكنه لم يستطع ان يفعل شيئا وحكم بحكم جامد هو لا يرضاه، في حين وقفت مها الشناوي في “اريد خلعا” تتلو أمام القاضي جملة محفوظة أبدى القاضي اسفا شديدا لسماعها، فمنح الزوجين فرصة للتصالح لعله يكون فرصة للمراجعة أيضا. ولكن تأثير الأخرين على الحياة الزوجية التي أصبحت على المشاع منع الطرفين من الصلح المطلوب وهي أيضا نقطة هامة ركز عليها الفيلم.

الأثر القوي

وكان لفيلم “أريد حلا” تأثير قوى على الجمهور بصفة عامة والنساء بصفة خاصة لدرجة تاثر به الدكتورة زينب السبكي، وكانت أمينة المرأة، فأقامت احتفـالا كبيـرا جـداً، وطبعت تذاكر ووزعتها على السيدات، تحت عنوان “أمينة المرأة زينب السبكي تدعوكم لحضور عـرض فـيلم أريد حلاً”، وبعد ذلك تكلمت عنه السيدة جيهان السادات عندما يسألها أحد عن أحسن فيلم فتقول “أريد حلاً” كما أن الرئيس أنور السادات تحدث في أحد المؤتمرات عن رغبته في إصدار قرار بتغيير قانون الأحوال الشخصية، الأمر الى استساغه المجتمع بعد رؤية الفيلم، وبالفعل كانت تلك القضايا من المسكوت عنها في المجتمع المصري، وبدأ الرئيس السادات وزوجته يفكران في تغييـر قانون الأحوال الشخصية سنة 87 بعد إجراء عدة تعديلات وأطلقوا عليه اسم قانون “جيهـان”.

أريد حلا يكسب!

 

في “اريد حلا” قدمت الفنانة أمينة رزق دور بسيط ولكنه كان مؤثرا أكثر من بطلة الفيلم فاتن حمامه، تعرض قضية أخرى في ضوء جمود القوانين، وفي “أريد خلعا” قدم الفنان عبد المنعم مدبولي دور اقل ما يقال عنه انه “إفيه” ظريف بارودي لمشهد امينة رزق مع الفارق. وكما كان فيلم “أريد حلاً” أول فيلم يتكلم في مصـر عـن قضية الخلع، فأن فيلم “أريد خلعا” هو أخر فيلم يتكلم عنها، فما عاد شيء ليقال! ليصير الخلع عبارة عن لازمة في عدد من الأفلام دون ان يناقش احداها المشاكل التي تترتب عليه في الحياة الزوجية.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.