فاتن حمامه
أخبار فنية أراء عامة شخصيات فنية

لمحات سياسية سريعة في مشوار فاتن حمامه الفني

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

لم تكن فاتن حمامه أو سيدة الشاشة العربية كما عرفتها الأوساط الفنية منذ اكثر من سبعين عاما فنانة تعيش حياتها امام الأضواء والكاميرات بمعزل عن السياسة والرأي العام. فكان لها موقفا واضحا من الأنظمة المتعاقبة التي حكمت مصر ومرت عليها خلال مشوارها الفني، وكانت لا تخشى الأفصاح عن موقفها مهما كان.

فاتن حمامه

فقد اتخذت موقفا معاديا من نظام الرئيس عبد الناصر وأيضا نظام الإخوان المسلمين الذي تولى السلطة عقب ثورة يناير 2011، في حين دعمت نظام الرئيس السادات وأبرمت صداقة شخصية معه، كما اعلنت دعمها لنظام الرئيس السيسي والذي أكن لها كل وقار قبل ان يترشح للسلطة في 2014، وفي الوقت نفسه أبدت تصالحا كبيرا مع نظام مبارك طيلة فترة حكمه التي امتدت لثلاثين عاما. اليوم دعونا نتحدث عن قرب عن هذه التفاصيل استنادا لوقائع اشارت لها تقارير صحفية قديمة موثقة أو احاديث وروايات لفاتن شخصيا..

فاتن حمامه وعبد الناصر

بدأ عبد الناصر عهده مطلع الخمسينات باحتضانه لكثير من الفنانين، واقامة علاقة صداقة مع بعضهم ممن تسابقوا لاعلان تأييدهم للثورة والنظام الاشتراكي أمثال عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب وأنور وجدي واسماعيل ياسين وكثير من الفنانين، ولم تكن فاتن من الفنانين المقربين من الرئيس الراحل، قالت سيدة الشاشة عن عبد الناصر انه “ظلم الناس وأخذهم من بيوتهم ظلماً للسجن في منتصف الليل، وأشياء عديدة فظيعة ناهيك عن موضوع تحديد الملكية”.

فاتن حمامه

ورغم اعجابه بها واعلانه غير مرة انها “ثروة قومية”!.. ومنحه لها وساما فخريا عام 1961، لكن لم تجمعهما، الرئيس عبد الناصر وسيدة الشاشة فاتن حمامه، لقاءات تعكس العلاقات الشخصية للإثنين معا. واستنادًا إلى مقابلة صحفية لها مع خالد فؤاد نشرت تحت عنوان (فاتن تعترف..)، تقول فاتن انها تعرضت لضغوط كثيرة مطلع الستينات من جهاز المخابرات المصرية برئاسة صلاح نصر، لتجنيدها في اعمال مخابراتية مرفوضة حسب روايتها دون الأفصاح عن تفاصيل إضافية!.. وايضا بتشجيع من المخرج والمنتج حلمي حليم والذي كان معاديا للنظام آنذاك. وكان امتناعها عن التعاون أدى بالسلطات إلى منعها من السفر والمشاركة بالمهرجانات وهربا من مزيد من الضغوط، غادرت فاتن حمامه مصر في 1966 الى العاصمة اللبنانية بيروت بدعم من خالد محيي الدين احد اعضاء مجلس قيادة الثورة، ولكنه لم يستطع منعها من ايذاء أذرع المخابرات هناك، فغادرت بيروت إلى العاصمة البريطانية لندن وظلت مقيمة هناك حتى وفاة عبد الناصر عام 1970.

فاتن حمامه وعبد الناصر

وعن فترة حكم عبد الناصر، قالت فاتن في تصريحات صحفيه: “فرحت بقدوم عبدالناصر وأيدته وساعدته وتصورنا أن التغيير سيكون لصالح الجميع، ولكن بعد انفصال سوريا عن مصر حدث تغير كبير في شخصية وحكم عبدالناصر، صار الحكم قاسياً وكرهت الظلم لبعض الوطنيين، عبدالناصر كان رئيساً وطنياً وأميناً لم يسرق البلد، ولكن نظامه كان قاسياً في فترات كثيرة.

انت في المكان الصح

ومن ناحيته وعندما اكتشف غياب سيدة الشاشة عن الساحة استنكر عبد الناصر، كما تؤكد عدد من التقارير الفنية القديمة، غياب فاتن حمامه، وطلب من كثير من الفنانين والمخرجين والنقاد المعروفين اقناعها بالعودة الى مصر، ولكنها رفضت تماما.

جمال عبد الناصر

وتعليقا على ذلك قالت فاتن حمامه: “لم أهرب من ناصر ولكن من رجاله في ذلك الوقت، فقد كان مطلوباً مني تعاوناً لا أقبله، وكنت مرعوبة، وفي نفس الوقت كنت على ثقة بأن عبدالناصر شخصياً لا يعرف ما يدور حوله في مثل هذه الأمور، مما دفعني للهروب خارج مصر، ولأن أولادي كانوا صغاراً فقد مارست دور الأم كاملاً خلال السنوات الأربع التي قضيناها بالخارج، وكانت أصعب فترة عشتها في حياتي لأن هزيمة 1967 وقعت وأنا في لندن وكنا كمصريين نعتبر بيوتنا مخبأ لنا، فما بين الحزن والشعور بالانكسار عشت كثيراً من سنوات الغربة”.

فاتن حمامة والسادات

وفي عهد الرئيس أنور السادات قابلت فاتن حمامه الرئيس الراحل أكثر من مرة ومن بينها إلقائها شعراً باللغة العربية الفصحى على المسرح حيث ألقت الشعر بحضور السادات، وعميد المسرح العربي يوسف وهبي، وزكي طليمات، وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب. كما جمعت علاقة صداقة قوية بين فاتن حمامة والسيدة جيهان السادات، وكانا يتبادلان المكالمات الهاتفية على فترات، كما جمعتهما عشرات المناسبات واللقاءات الخاصة والعامة خلال سنوات ابتعاد سيدة الشاشة العربية عن الأضواء.

وبعد عودتها لمصر قالت في تصريحاتها: “قبل شهور من عودتي اتصل بي يوسف إدريس وقال لي مش كفاية سفر بقى يا ست فاتن؟.. وأكد لي أن أم كلثوم ستساندني ولن يقترب مني أحد، فقلت له وهل تملك أن تصدر قانوناً بحرية السفر والتنقل، فقد كنا في ذلك الوقت لا نستطيع السفر إلا بتصريح مسبق من السلطات..! ومرت سنوات حيث توفي عبد الناصر وتصادف أنني كنت أستقل سيارة تاكسي فالتقيت بسيدة مصرية لا أعرفها صافحتني وعبرت لي عن مدى افتقاد الجمهور في مصر لي، وكانت كلمات هذه السيدة سبب عودتي دون قيد أو شرط، فعدت إلى بيتي وجمعت حقائبي، وكنت في المطار بعد ساعات عائدة لمصر من العام 1971”.

فاتن حمامه والسادات

ومنذ عودتها بدأت بتجسيد شخصيات نسائية ذات طابع نقدي وتحمل رموزًا ديمقراطية كما حدث في فيلم “إمبراطورية ميم” 1972، وحصلت عند عرض ذلك الفيلم في مهرجان موسكو على جائزة تقديرية من اتحاد النساء السوفيتي وكان فيلمها التالي “أريد حلا” 1975 نقدًا لاذعًا لقوانين الزواج والطلاق في مصر. وبعد الفيلم قامت الحكومة المصرية بإلغاء القانون الذي يمنح الزوج الحق الوحيد في انهاء العلاقة الزوجية، وبالتالي سمحت للزوجة بالخلع في وقت لاحق.

فاتن حمامه ومبارك

أما عن علاقتها بالرئيس محمد حسني مبارك، فأكدت أنها تحبه كثيراً ووصفته بأنه طيب، ولكن بعد ذلك كونت رأيا مغايرا ومؤيد لثورة 2011، وشجعت ثوار 25 يناير على الحفاظ على مكتسبات ثورتهم وذلك في تصريحاتها في الذكرى الأولى لها  عام 2012. وتقول سيدة الشاشة حين سئلت عن ذلك ان سنوات حكم مبارك الأولى كانت مصر تتطور وربما يكون فيلم “يوم حلو يوم مر” الذي قدمته في اواسط الثمانينيات هو الذي دفعها لمواجهة واقع مصر الذي كانت تجهله، قائلة :”فحين عرضوا علي سيناريو الفيلم وقرأته قلت لخيري بشارة هذه مبالغة مصر فيها فقر لكن ليس بهذا الشكل، فاصطحبني إلى حي شبرا الذى كان موقع أحداث الفيلم، وكنت أعرف شبرا في صغري، وكان حياً جميلاً نظيفاً، فيه أغنياء وفقراء، ولكن ليس كما رأيته مع خيري، فالفقر فيه كان مخيفاً، فرأيت خمس أسر تسكن في شقة واحدة وبعد الزيارة وافقت على الفيلم، وكنت أرى أن الفقر وصل في عهد مبارك إلى حد لا يطاق”.

مبارك و الفنانين

فاتن حمامه والإخوان

وقالت عن فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، والمحسوب على جماعة الإخوان المسلمين قالت سيدة الشاشة: “انها كانت فترة صعبة سببت لي توتراً وحزناً وقلقاً، لكن الحمد لله انتهت، صحيح ما زلنا نعاني من تبعات هذا الحكم من إرهاب وغيره لكني على ثقة من أننا سنتجاوز هذه المحنة كما تجاوزنا غيرها”. ورغم دعوة محمد مرسي لها لحضور اجتماعه بالفنانين لطمأنتهم على حال الفن في عهده، رفضت فاتن حضور اللقاء، وتحججت وقتها بأنها مصابة بـ”نزلة برد”. كما دعمت موقف الزعيم عادل إمام، عندما تم اتهامه بقضية “ازدراء الأديان” ، واعتبرتها مع آخرين تهمة تهدد حرية الفن المصري.

فاتن حمامه

أما عن الفترة الأنتقالية في 2013 او في عهد الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، فقالت عنه سيدة الشاشة “إنه رجل واضح وخلوق يقدر الفن والفنانين فقد استمعت لكلمته التي ألقاها وأنا في كواليس المسرح وكانت راقية تدل على رقي الرجل وكلامه عن عبدالوهاب جعلني أشعر بالسعادة الغامرة وابتسامته العريضة لي كانت تعني الكثير وكرمني الرجل بكل حب وترحاب وتقدير”.

فاتن حمامه و السيسي

وأخيراً وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، فقد كانت الفنانة الراحلة ضمن من التقوا السيسي خلال حملته الانتخابية وقبل ترشحه للرئاسة في 2014، إلا أن وضع الفنانة الكبيرة في ذلك اللقاء كان مختلفاً، فقد سأل عنها بالاسم في معرض حديثه مع بعض الفنانين، وحينما علم بوجودها ترك السيسي مقعده وتوجه اليها ليوجه لها سلاماً خاصاً، قائلاً: “لا يمكن أن يفوتني أبداً أني أوجه كلمة شكر خاصة لك”.

وحين أصيبت قبل وفاتها بوعكة صحية أدخلتها المستشفى، وكلف الرئيس السيسي أحد أمناء رئاسة الجمهورية بزيارتها والاطمئنان عليها كما أرسل لها الزهور، ولعل ذلك كان سببا في هجوم الأخوان عليها في منشوراتهم وقنواتهم التي تبث من خارج مصر، وبعد وفاتها نعتها رئاسة الجمهورية ببيان رسمي في حدث هو الأول من نوعه مما يدل على علو مكانتها في عالم الفن.

وهذا هو الفنان دائما وابدا، لا تمنعه حياته داخل البلاتوهات عن حياته خارجها، ولا تعمي عينيه الاضواء وتسرقه الكاميرا من واقعه وحياته العملية. ولكن قليلا منهم من يفصح عن رأيه الشخصي، والكثير منهم يفضل الخضوع والطاعة للمحافظة على ماحققه من مجد شخصي ومكانه في عالم الفن. وقد اثرت سيدة الشاشة العربية ان تكون من تلك النوعية من الفنانين، فكانت دوما معتزة برأيها متحملة نتيجته ايا كانت، وايا كان من أمامها، مؤمنه بأن الايام دول، والحال لا يدوم وسياتي حتما بعد العسر يسرا وبعد الضيقة فرجا.

مراجع:

Subscribe

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.