أخبار فنية أراء عامة الفن السابع

عاشت “الشيماء” .. وماتت “بنت بديعة”!!

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

في عام 1972 واثناء تصوير المخرج الكبير حسام الدين مصطفى لفيلم (الشيماء)، وكان في المشاهد النهائية، وردت انباء ان بطلة الفيلم سميرة أحمد تستعد لتصوير فيلم لبناني جديد بعنوان (مدام إكس) عن قصة للصحفي اللبناني سعيد فريحة. وتناقش حسام كثيرا مع سميرة، وحاول منعها من عمل اي فيلم تظهر فيه بشخصية تنافي شخصيتها الوقورة التي تقدمها في فيلم الشيماء، قال لها: ان من غير المعقول ان تتصرفي بلا منطق!.. يمكنك ان تقدمي ما شئتي من الشخصيات ولكن بعد الأنتهاء من تصوير فيلم الشيماء ونزولة للعرض بوقت كاف، حرصا على جلال الشخصية والفيلم!.. وردت عليه سميرة احمد: هوا انت مضيتني على عقد فيلم ولا عقد احتكار يا حسام؟؟.. انا مش ممثلة صغيرة، انا فاهمة انا باعمل ايه واعمل اللي انا عايزاه في الوقت اللي انا عايزاه.. مالكش عندي غير تصوير الفيلم بتاعك!..

المخرج حسام الدين مصطفى

قال لها حسام: طيب ومصداقيتك عند المشاهد؟.. هايصدقك ازاي وانتي بتقدمي الشيماء اخت الرسول، وفي نفس الوقت بتقدمي فيلم “سكس”؟!! (قالها كدا!).. قالت: دي مشكلتك انت بقا مش مشكلتي!.. وانطلقت سميرة تصرح للصحف بأنها غير مرتبطة بعقود احتكار مع المخرج حسام الدين مصطفى وغير مرتبطة معه بأي ارتباطات الا فيلم الشيماء!!.. وهذا تحدي صارخ لحسام الدين مصطفى..

الفنانة سميرة أحمد - فيلم الشيماء

والطريف ان مشروع فيلم (مدام إكس) قد توقف، فسارعت سميرة بتوقيع عقد جديد مع المخرج حسن الإمام لبطولة فيلم (بنت بديعة) تظهر فيه بدور “غانية” ترقص وتغني في الكباريهات، مع ان سميرة لم تقدم مثل هذه الشخصية من قبل، ولم ترقص او تغني في اي فيلم سابق!.. وهذه المرة طار صواب حسام الدين مصطفى حين علم بذلك، خاصة عندما علم بأن الموضوع قد دخل في طور الجد وبدأت سميرة بالفعل في تصوير بعض مشاهد من الفيلم، وليس مجرد مشروع او بدايات. فيلم (الشيماء) كان في مرحلة المونتاج ويستعد للدعاية التي تسبق العرض، وسميرة ترفض اي محاولة للنقاش من حسام الدين مصطفى. حاول الأتصال بالمخرج حسن الأمام واقناعه بتأجيل الفيلم حتى طرح فيلم الشيماء بشكل كافي وبالفعل التقى الأثنان بحضور سميرة احمد، قال المخرج حسن الإمام لحسام الدين مصطفى (في اشارة لرفضه منطقية الحوار): اولا وقبل كل شئ لو معاك عقد احتكار لسميرة ياريت تطلعه عشان نفهم موقفك الأول!.. فقال حسام الدين مصطفى موجها كلامه لسميرة: ياست سمير من غير المعقول ان تقدمي شخصية فيها خلاعة الكباريهات بعد تقديم شخصية اخت الرسول، انها طوق في رقبتك، واعلمي اني سأطالب الأزهر ان يعد مذكرة ضدك بهذا الشأن!..

فقالت سميرة بحدة: هل اعتبر كلامك هذا اهانة لي؟.. طيب كنت اكتب دا في العقد عشان مامضيش عليه من الأول، انا مش ممثلة صغيرة يا استاذ حسام!!.. وهنا تدخل حسن الإمام ليخفف من حدة الموقف: طيب قولي الأول ياعم حسام انت ازاي حكمت على بنت بديعة انه فيلم خليع؟.. انت قريت السيناريو؟.. نصبت نفسك قاضي؟.. انا عندي بيوت مفتوحة من ورايا وعايز أكل عيش!.. وياسيدي من عندي مستعد اتعهد قدامك بعدم عرض الفيلم الا بعد عرض فيلمك بست شهور، ايه رأيك؟.. فرد حسام بحدة: تاكل عيش او متاكلش دي مش مشكلتي!.. انا مصمم انه الفيلم مايتصورش وبطلته سميرة احمد من الأساس!.. فقال حسن الإمام: طيب عناد على عنادك هاصوره، وبسميرة احمد اللي قاعدة قصادك دي وهانزله السوق وقبل الفيلم بتاعك كمان!… وهنا اعترض الجميع وانهيت المناقشة.

المخرج حسن الإمام - فيلم بنت بديعة

فبدأ حسام حملة ضارية ضد الأثنين على صفحات الجرائد والبرامج الفنية مثل برنامج (سينما القاهرة) والذي كان يعرض على شاشة التليفزيون المصري وقتها، حاولت مقدمة البرنامج الفنانة ميرفت أمين مناقشة المخرج حسن الأمام ولكنه قال بدبلوماسية انه لا يفهم هذا المنطق لأن الممثل يؤدي اي شخصية ولا يقصر نفسه على شخصيات بعينها، وضرب مثلا بالفنان محمود المليجي والذي تخلى عن ادوار الشر وقدم دورا عظيما في فيلم (الأرض) للمخرج يوسف شاهين.

هدد حسام الدين مصطفى برفع قضية لوقف عرض فيلم (بنت بديعة) كما طالب المؤسسة العامة للسينما، بصفتها منتجة فيلم الشيماء، بالتدخل لمنع تلك “المهزلة” على حد تعبيره!.. وصرح بأنه ضد عمل الفنانات الذين قدموا ادوارا في افلام دينيه بتقديم ادوار العري والجنس على الشاشة حفاظا على جلال تلك الشخصية في ذهن المشاهد، وحفاظا على مصداقيتها امام الناس. ولكن عدد من الفنانين علقوا على هذا الرأي بأنه عليك إذن إلغاء ذلك الفيلم الديني الذي سيوقف مسيرة عديد من الفنانين اسهل من اعتزالهم للفن!..

فيلم بنت بديعة

وخلال هذا نشطت الصحف و المجلات الفنية في “إشعال” الموقف في اكثر من تحقيق صحفي، بالاضافة الى طرح الموضوع للنقاش بين الفنانين، صرحت سميرة للصحف بأنها لا ترى مشكله ولا تتفهم موقف حسام، ووافقت المخرج حسن الإمام ان الممثل يجب عليه ان يقدم “كل” الشخصيات، وإلا لن يكون جيدا في نظر نفسه او في نظر جمهوره، وكما تقبل منه ادوار الخير سيقبل منه ادوار الشر اذا اتقن تقديمها، وقالت انها قدمت من قبل شخصية (الخرساء) وهي على يقين انه لايوجد من يقوم بذلك الدور افضل منها، وكذلك الحال حينما اختاروها للقيام بدور (الشيماء)، أما ماوراء ذلك، أو ان تسيطر عليها شخصية سبق وقدمتها في اعمالها اللاحقة فهذا غير وارد وغير منطقي وغير حقيقي!..

قال الفنان أحمد مظهر: ان تقديم الشخصيات الدينية او التاريخية تلقي على الفنان عبء كبير، لأنه يقدم شخصية لها وزنها واحترامها بين الناس، ومن هنا يأتي عبء الإقناع على الممثل، او كيف سيتقبله الجمهور في تقديم تلك الشخصية بعد ان قدم شخصيات اخرى اقل مستوى؟؟.. ويرى ان الشخصيات العظيمة يجب ان يقدمها وجه جديد لا يعرفه الجمهور، شريطة ان يقوم بالعديد من التدريبات والبروفات التي تضمن له التقمص وتقديم الشخصية بشكل سليم، وضرب مثالا بالفنان احمد أنور الذي قدم دور الزعيم مصطفى كامل عام 1948 في الفيلم الذي يحمل نفس الإسم.

الفنان احمد مظهر - فيلم الشيماء

وقال الفنان يحيى شاهين: انه يرى عدم تقديم الشخصيات المقدسة على الشاشة لهذا الغرض، والممثل حين يلعب شخصية دينية يضع نفسه في موضع شائك، فلا مجال امامه الا نجاح الشخصية للمحافظة على استمراريته وجماهيريته بين الناس، نظرا لمكانة الدين العظيمة في قلوب الناس.

الفنان يحيى شاهين

وقالت الفنانة سميحة أيوب: ان تقديم الشخصيات الدينية عبء كبير يقع على عاتق اي ممثل، لأن تلك الشخصيات تحمل جانبا اسطوريا في ذهن المشاهد يبحث عنه حينما يراه، وللوهلة الأولى إما نجح ذلك الممثل في اقناعه بنجاحه في تقديم تلك الشخصية، او لا.. لا توجد منطقة وسط!.. ولذا فهي ضد اسناد مثل تلك الشخصيات لممثلين جدد، ويجب اسنادهم لممثلين كبار ذوي تاريخ عريق وحضور عند اغلب المشاهدين. وترى ايضا انه من غير المنطقي ان يختفي الممثل تماما حينما ينجح في اداء تلك الشخصيات، فنجاحه مرتبط باستمراريته وتنوعه في تقديم المزيد والمزيد من الشخصيات المختلفة.

سميحة أيوب

وينجح حسن الإمام في الإنتهاء سريعا من فيلمه بنت بديعة، وطرحه في دور العرض في فبراير عام 1972 فاضطر المخرج حسام الدين مصطفى الى تأخير عرض فيلم الشيماء ستة اشهر كاملة (نزل في اغسطس من نفس العام)، لينسى الجمهور ماقدمته سميرة أحمد في بنت بديعة، قبل ان يشاهدها في شخصية الشيماء. وبعد اكثر من 47 عاما على تقديم الشخصيتين، عاشت شخصية “الشيماء” في اذهان الجمهور، وتكرر عرض الفيلم اكثر من مرة وعلى اكثر من قناة محلية وفضائية، عرض في اسبانيا ودول شرق اسيا، وكثير من دول امريكا اللاتينية، في حين لا يتذكر اغلب الجمهور شخصية بنت بديعة، ونادرا مايعرض ذلك الفيلم على اي من فضائيات الأفلام.

نقلا عن كتاب (العقيدة الدينية في السينما المصرية) – محمد صلاح الدين 1996

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.