أراء عامة الفن السابع

دموع الحب: السينما المصرية تجتاح تركيا وتنتصر على الفيلم التركي في داره!

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

في ديسمبر عام 1859 ميلادية، شهدت باريس أول عرض سينمائي في العالم، بعدها بأيام قدم أول عرض سينمائي في الإسكندرية المصرية، وفي يناير 1896 كان أول عرض سينمائي في القاهرة.. وبدأ الأجانب المقيمين في مصر في انشاء دور العرض السينمائي واستيراد أفلام أمريكية وفرنسية للعرض بها، كما بدأت محاولات المخرج محمد كريم والمخرج محمد بيومي صناعة سينما وطنية، لم تتخذ خطواتها الحقيقية او مسارها الصحيح الا في نهايات القرن العشرين عندما صدر فيلم (ليلى) اول فيلم مصري روائي طويل، أما السينما في تركيا فيروي المؤرخ السينمائي التركي أحمد جوراتا انها لم تدخل بها إلا في عام 1922، قبل عام من إعلان الجمهورية التركية، على أنقاض الدولة العثمانية. فالبدء كان تقريبا بشكل متوازي وان كان لمصر السبق في صناعة سينما حقيقية واجتياح أسواق الدول العربية بل والاناضول نفسها.

وخلال البدايات اجتمعت عدة اعتبارات فكرية ونفسيه جعلت السينما المصرية قريبه من نفس الشعب التركي، فاستحوذت على اهتمامات الغالبية الساحقة منهم. الأمر الذي لم تنظر إليه الجمهورية التركية الوليدة بعين الرضا لتنافيه مع سياستها الثقافية الخاصة الرامية الى التغريب واقتلاع الاتراك من اصولهم وجذورهم الشرقية، وبالتالي راحت تحاربه وتقلص من حجم تأثيره، ومدى انتشاره.

بدايات صناعة السينما التركية

في الثلاثينيات، كانت صناعة السينما في تركيا لا تزال ضعيفة وبدائية، إلى درجة أن شركة الإنتاج التركية الوحيدة في ذلك الوقت “إيبيك فيلم” اضطرت إلى تأجيل كل مشروعاتها السينمائية ما بين عامي 1935 و1938 نتيجة لعدم نجاح الأفلام التركية في جذب المشاهدين. وقد يكون ذلك راجعا الى الغلاء الكبير في ثمن تذاكر دور العرض في إسطنبول. وكذلك على الضرائب المفروضة من قبل أنقرة على صناعة السينما التركية. وامام نداءات صناع السينما استجابت الحكومة وخفضت الضرائب على قطاع السينما من 35% إلى 10% فقط. وعادت “إيبيك فيلم” للإنتاج مرة أخرى، لم يواجه فيلمها الجديد Aynaroz Kadısı أو “قاضي أيناروز” من إنتاج عام 1938 سوى الفشل الذريع، جماهيريا ونقديا. حيث قالوا عنه انه لم يمثل الروح الشرقية للشعب التركي، خاصة مع احتوائه على مشاهد عري فاضحة لم ترق للمشاهدين.

وقد زاد من حدة فشله، أنه وضع في مساحة مقارنة مع فيلم آخر كان قد بدأ عرضه قبل أسبوع واحد فقط ونال نجاحا ساحقا بين الأتراك. ألا وهو الفيلم الغنائي المصري “دموع الحب” من بطولة المطرب المصري الكبير، موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب. وفي نوفمبر من العام 1938، عرض فيلم دموع الحب (إخراج محمد كريم، 1936) للمرة الأولى في إسطنبول. ويصف الناقد الفني التركي نجات أوزون المشهد أمام دار السينما التي عرضت الفيلم قائلا:

“عندما عرض فيلم دموع الحب لأول مرة في حي شاه زاده باشي بإسطنبول، حطم شباك التذاكر وتعطل المرور بسبب الزحام. لقد حرم الحضور من مشاهدة أي فيلم تركي طوال ثلاث سنوات كاملة. وأحبوا فيلم دموع الحب كثيرا، لأنه لم يكن يختلف عن الأفلام التركية في شيء. كما أنه كان من بطولة مطرب عربي مشهور. والناس في الفيلم كانوا يرتدون الطربوش والفساتين المحلية (يقصد الملايات اللف)”.

 نجاح “دموع الحب” الباهر أدى إلى إعادة عرضه على نطاق واسع في عدة مدن تركية أخرى. وقد حضر الفيلم في أول شهور له نحو 270 ألف تركي عبر ثلاث دور عرض فقط.

دموع الحب.. وتحطيم شباك التذاكر

في سنوات التوقف عن الإنتاج، لجأت شركة “إيبيك” إلى استيراد الأفلام من خارج تركيا وعرضها في دور السينما. جلبت أفلاما من هوليوود الأمريكية، ومن الدول الكبرى في غرب أوروبا. كما اشترت أفلاما من سوق السينما المصرية المزدهرة. الأفلام الأمريكية والمصرية نالت الحظ الأكبر من اهتمامات المواطن التركي العادي. وبينما ذاعت الامريكية بين الطبقة البرجوازية في أنقرة وإسطنبول وإزمير، فإن المصرية انتشرت شعبيتها كالنار في الهشيم بين عامة الأتراك في إسطنبول وسائر المدن التركية الأخرى. وكانت موضوعات الأفلام المصرية المعروضة في تركيا معظمها ميلودرامي ورومانسي، يتقارب والتجارب الحياتية للأتراك. كما كانت كل تلك الأفلام، وهي غنائية في المقام الأول، تحوي أثرا لا يخفى من الموسيقى العثمانية القديمة التي أصبح المواطن التركي محروما من الاستماع إليها بأمر الدولة لصالح الموسيقى الغربية. وبالتالي، فإن ذلك المواطن ومن عدة أوجه وجد في الفيلم المصري كل التعويض النفسي عما أصبح في بلاده من المحظورات.

النجاح الساحق أدى إلى استيراد الأتراك لأفلام مصرية أخرى. وكان عبد الوهاب أيضا هو البطل، حيث عرضت ثلاثة من أفلامه كانت كلها كذلك من إخراج الرائد محمد كريم، هي: (يحيا الحب 1937)، و(الوردة البيضاء 1933)، و(ممنوع الحب 1942). كما أن أفلاما غنائية مصرية أخرى عرضت في تركيا ونالت نفس الذيوع. وكانت هذه المرة من بطولة مطربين عرب آخرين من أمثال أم كلثوم وفريد الأطرش وليلى مراد. وانفتح مجال التنافس على استيراد تلك الأفلام المربحة جماهيريا بين شركة إيبيك فيلم ومنافستها الوحيدة شركة “لالي” ومالكها “جميل فيلمر” والذي سافر خصيصا إلى القاهرة خلال الحرب العالمية الثانية للحصول على أفلام مصرية بأي ثمن.

ولعل مقارنة رقمية بسيطة يمكنها أن تظهر حجم التأثير المصري في تركيا خلال تلك الفترة. فبين عامي 1938 و1948، عرض 130 فيلما مصريا في تركيا. منها 85 فيلما في أنقرة وحدها، بينما كان عدد الأفلام التركية المنتجة في ذلك العقد كله لا يتجاوز 53 فيلما. منها 20 فيلما كاملة صورت بين عامي 1947 – 1948.

هوس تركي بمصر

وانقلب الولع التركي بالأفلام المصرية، وفقا لمراقبين محليين، إلى “هوس بمصر” أوEgypt-mania  حتى إن الفيلم المصري صار بين الأتراك من الطبقة الشعبية غير البرجوازية، أكثر شعبية ونجاحا من الفيلم الأمريكي نفسه. حتى إنه “كان يظل يعرض لأسابيع حتى في المدن الصغيرة”. وكانت ثمة استراتيجية متبعة من قبل الشركات المستوردة للفيلم المصري زادت من طغيانه على قلوب المشاهدين إلى جانب ما يحويه من مؤثرات شرقية. ففي بعض الأحيان، استبدلت تلك الشركات الموسيقى التصويرية الأصلية لتلك الأفلام بأخرى من وضع موسيقيين أتراك. كما كانت الأغنيات المصرية تستبدل بأخرى تركية يغنيها ويلحنها مطربون وملحنون أتراك مشهورون شعبيا. وبالتالي فإن تلك الزيادات التركية جعلت الفيلم المصري أكثر قربا من الأذهان.

مثال على ذلك، الموسيقار التركي Hafız Burhan صانع أغنيات فيلم دموع الحب، والذي ظلت الأسطوانة الخاصة به هي الأكثر مبيعا في تركيا طوال فترة الأربعينيات. وهناك كذلك الموسيقار “سعادة الدين كايناك” الذي كان مسؤولا عن إعادة صياغة الموسيقى التصويرية والأغاني في الأفلام المصرية.

ورغم ذلك، في بعض الأحوال كانت الأفلام المصرية تقدم بأغنياتها العربية الأصلية دون تعديل. مثل فيلم “وداد” لكوكب الشرق أم كلثوم (1936)، والذي قدم بترجمة تركية مع الإبقاء على الأغنيات العربية على حالها. ولا شك أن شهرة أم كلثوم وذيوع صيتها بين المستمعين الأتراك للإذاعات العربية كان سببا في الإبقاء على صوتها الأصلي في الفيلم، والذي باعت أسطوانة الأغنيات الخاصة به أكثر من 1.5 مليون نسخة في الشرق الأوسط.

حكومة انقرة “تحظر” الفيلم المصري

وتسبب ذلك “الهوس” بالافلام المصرية في دور العرض التركية في انتباه المسؤولين بالحكومة. وتولدت لديها مخاوف من أن يؤثر ذلك النجاح على كل الإجراءات التي اتخذها الأتراك في العام 1929 للتغريب وتجريف تركيا من آثار اللغة العربية. ففي عام 1938 صدر قانون جديد للرقابة ينص على أن تكون: “الأفلام باللغات الأخرى مصحوبة بترجمة تركية واضحة”. وذلك لأن معظم الأفلام المصرية كانت غير مصحوبة حينذاك بترجمة للغة التركية، مما يؤكد على فهم الأتراك لها تلقائيا، أو حتى إلمامهم باللغة العربية، وهو مالا ترغبه حكومة انقرة.

وفي عام 1942، قامت سكرتارية حزب الشعب الحمهوري الحاكم بتوجيه خطاب رسمي إلى وزارة الداخلية التركية تأمرها بفرض حظر على عرض الأفلام المصرية في مدن أضنة ومرسين بجنوب الأناضول، بسبب الوجود المكثف للعرب في المدينتين. ووفقا للخطاب، فإن الأفلام المصرية كانت “تضر بمشاعر الناس تجاه اللغة التركية” (!!).

وفي 1943، أرسلت وزارة الداخلية اقتراحا إلى جمعية “الرقابة” في إسطنبول بحظر عرض الأفلام المصرية في شرق الأناضول حيث الأغلبية السكانية إما من العرب أو الأكراد. وجاء في الخطاب: “نحن نؤمن أن الأفلام العربية سواء مترجمة أو في لغتها الأصلية يجب أن لا تعرض في بتليس، ديار بكر، غازي عنتاب، هطاي، إتشيل، أضنة، سرت، وماردين”. كما صاحب عمليات الحظر نقد عنيف من قبل المفكرين “الكماليين” في تركيا للأفلام المصرية. مثل الصحفي التركي “حسام الدين بزق” الذي هاجم موضوعات تلك الأفلام والظهور المكثف للغناء والرقص الشرقي فيها. ووصف جمهور الأفلام المصرية من الأتراك وصفا تحقيريا بقوله :”كلهم من المنتمين للطبقات الدنيا، والذين لا يملكون تعليما أوروبيا أو أي ذائقة فنية”.

شعبية طاغية

لكن شيئا من ذلك لم يغير شعبية السينما المصرية في تركيا. فقد استقبلت المجلات الفنية التركية مئات الرسائل من المعجبين بالفن المصري. وهناك رسالة بعثها شاب تركي إلى مجلة “السينما والمسرح” التركية، التي حررها المخرج المسرحي محسن أرطغرل وزوجته نيرة، عبر خلالها عن رغبته الجارفة في السفر إلى مصر ودراسة الدراما وفن السينما بها. هناك كذلك مجلة “يلدز” الأكثر شعبية بين المطبوعات الفنية التركية في الأربعينيات. وكانت ترسل إليها الخطابات بطلبات ملحة من القراء للحصول على أوتوجرافات النجوم المصريين. بل إن البعض ادعى أنه ينتسب بالقرابة لواحد من الفنانين المصريين وطالب المجلة بالتنويه بالأمر. ونتيجة لذلك، زادت هيئة تحرير يلدز من تغطيتها للأحداث السينمائية في مصر، وأرسلت مندوبا من لدنها إلى القاهرة لمراسلتها بكل جديد.

المجلة نفسها اعترفت في مقال لها بتفوق السينما المصرية قائلة: “بين دول البلقان والشرق الأوسط، تتفوق تركيا في معظم المجالات بما فيها السينما. ولكن اليوم، علينا أن نعترف بأن إخوتنا المصريين قد تقدموا كثيرا في ذلك الفن علينا. وأنهم بلغوا تطورا مذهلا. وحتى إذا انتقدنا الموضوعات الرومانسية الحادة لتلك الأفلام، فإن ذلك لا يعدو كونه محاولة لجذب انتباه المشاهد المصري”. المجلة أبرزت في مقالها الحقيقة الخاصة بمكوث المخرجين المصريين في أستديوهات هوليوود والسينما الأوروبية لفترات طويلة الأمر الذي جعلهم متمكنين من أدواتهم.

 وعلى العكس من البرجوازية الكمالية التي تأففت من الوجود الشعبي في دور السينما ولجأت إلى مشاهدة الأفلام الأمريكية والأوروبية في صالونات خاصة، فإن السينمائيين الأتراك أثنوا على دور الأفلام المصرية في الترويج للصناعة بين الفئات البسيطة من المجتمع التركي. وكذلك نجاحها في جذب أكثر أعضاء تلك الطبقات تحفظا، وأعني المرأة.

نهاية الوجود المصري في تركيا

وإذا كانت السينما المصرية قد نجحت في مقاومة الحظر الكمالي والتشويه النقدي واستمرت في الهيمنة على دور العرض التركية حتى نهاية الأربعينيات، فإن قرارا حكوميا تركيا جديدا هو الذي جلب نهاية وجودها في الأناضول. حين رفع صناع السينما التركية عام 1947 تقريرا إلى الحكومة يطالبونها بتقليص نفوذ الفيلم المصري والنهوض بالصناعة التركية. وتمحورت مطالبهم حول إزالة العقبات الضريبية أمامهم. واستجابت الحكومة التركية سريعا لمطالب المنتجين، واعتبرتها خطوة قد تقصي الفيلم المصري من دور العرض التركية، وبالتالي تنجح في إخماد نشاطه لإحياء اللغة العربية والفنون الشرقية بين الاتراك. وفي يوليو 1948، أصدرت أنقرة أمرا بخفض الضرائب المفروضة على قيمة تذاكر دور العرض التي تعرض حصرا الأفلام التركية من 75 إلى 20% فقط. مقابل 41% على قيمة التذاكر في دور السينما العارضة للفيلم المصري. وبالطبع نتج عن ذلك انخفاض حاد في عدد الأفلام المصرية المعروضة بتركيا. من 36 فيلما في العام 1947 إلى 4 فقط في العام التالي. وفي الخمسينيات لم يتجاوز عدد الأفلام المصرية واحدا أو اثنين.

وهكذا، نجحت حكومة انقرة في القضاء على الفيلم المصري في تركيا، بينما نجحت السينما المصرية في غزو تركيا ولمدة عشر سنوات كاملة. ولولا القرار الأخير لكانت واصلت ترسخها خاصة مع التطورات التقنية التي لحقتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

مصادر:

1- Ahmet Gurata دموع الحب: السينما المصرية في تركيا (1938 – 1950)

2 – Esin Berktaş السينما التركية أثناء الأربعينيات

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.