حسن ومرقص وكوهين
أبو الفنون أخبار فنية الفن السابع

حسن ومرقص وكوهين.. تجسيد لوحدة وطنية نفتقدها جميعا

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

يروى الكاتب الكبير بديع خيري انه كان بصحبة رفيق عمره نجيب الريحاني يعودان ذات يوم مريضاً من أصدقائهما في أحد المستشفيات، واسترعى نظرهما في الطريق لافتة مكتوباً عليها (مستودع الأمانة) لصاحبه لـ. ابسخرون وص. عثمان، وقال: “استوقفتنا هذه التركيبة التي تدل على أن شؤون التجارة بمعزل تماماً عن فوارق الأديان، وهي من هذه الناحية تلعب دوراً كبيراً في توثيق أواصر الأفراد، وبالتالي المجتمع، فقلت للريحاني: ألا ترى أن عنواناً كهذا جدير ولقد لفت أنظارنا، أن يلفت إليه أنظار الناس فيما لو أطلقنا مثله على مسرحية اجتماعية نعالج فيها ذلك الاتجاه الذي يوفق بين مختلف المعتقدات في سبيل التآخي من أجل العيش، وأجابني: وكم يكون أجمل وأروع إذا أضيف إلى الشريكين المسلم والمسيحي شريك آخر يهودي، وقلبنا عشرات الأسماء حتى تم الاستقرار على “حسن ومرقص وكوهين“، وعكفنا على العمل، وظللنا نرسم لها الخطوط ثم نمحوها، إلى أن وفقنا في ساعة رضا لإرساء قواعد المسرحية مسلسلة في تفكيرنا، ثم سجلناها على الورق في 26 يوماً، 22 منها للفصلين الأول والثاني، وأربعة فقط للثالث.

نجيب الريحاني وبديع خيري

صعوبات واجهت العرض.. الأزهر يعترض!

وكشف عن أن المسرحية واجهت صعوبات كثيرة حتى ترى النور، منها اعتراض عالم أزهري على إقحام اسم “حسن” في عنوان مسرحية هزلية (ضاحكة)، واعتراض بطريركية الأقباط الأرثوذكس على اعتبار أن “مرقص” الرسول هو البشير بالكرازة المرقسية في مصر، وتدخل البعض لحل المواقف المتأزمة، يقول بديع خيري عن المسرحية في مقال له في صحيفة “مسرحنا” (العدد 154): “ومرة أخرى تأزم الموقف وقام بدور حمامة السلام رجل المحاماة الضليع المرحوم توفيق دوس باشا، وحسبنا أننا قد نفضنا أيدينا من المتاعب، وهل كان لنا أن نتصور ظهور اعتراض شديد من الحاخام الإسرائيلي يبنيه على أن معنى (كوهين) باللغة العبرية هو الكاهن الأعظم، وانه لأمر عظيم أن يمتزج اسمه بضحكات الضاحكين في مسرحية هزلية ساخرة، وللمرة الثالثة والأخيرة، تصدى لإصلاح ذات البين صديق من رجال الإعمال يدعى موسى داسا، ولم يبق بعد هذا في قوس الاعتراض منزع..”

حسن ومرقص وكوهين
من كواليس العرض المسرحي عام 1941

حسن ومرقص وكوهين على المسرح لآول مرة

واستطاعت المسرحية تجاوز تلك العقبات بسلام، لتسير في طريقها المرسوم لها، وتمتع الذين شاهدوها متألقة على المسرح في فترة قياسية بالنسبة لظروف العصر الذي عرضت فيه، حتى أتيح لها أن ترى النور على مسرح دار الأوبرا بالقاهرة لأول مرة في نوفمبر 1941، حيث استغرق عرضها شهرين كاملين، حتى إذا ما عاد الريحاني إلى مسرحه عادت معه المسرحية ذاتها لتعرض أكثر من شهرين آخرين دون انقطاع ليلة واحدة، وكان هذا وقتها رقماً قياسياً بالنسبة لمسرحية محلية تعيش هذا العمر الملحوظ.

حسن ومرقص وكوهين
مع الجمهور في احدى عروض المسرحية 1941

وكما يقول عنها بديع خيري: “كانت حسن ومرقص وكوهين شعارًا للوحدة الوطنية، وأن ظروف العمل بها كان أكبر دليل على الوحدة، وليس فقط من خلال النص أو السيناريو، أي لم تكن وحدة وطنية على الورق فقط، وإنما شعار وفعل”. والرواية تحكي عن ثلاثة شركاء في مخزن أدوية، “حسن” المسلم و”مرقص” المسيحي و”كوهين” اليهودي، وأيضا يتشاركون في عميلة نصب ضحيتها عامل بسيط (مرمطون) في المخزن يدعى “عباس”. إذ يتعاقد الثلاثة معه بمرتب يساوى أضعاف مرتبه الأصلي ولمدة 20 عاما، بشرط جزائي في حالة ترك وظيفته بالمخزن يدفع حينها تعويضا قدره 20 ألف جنيه!.. كل هذا بعد أن اكتشفوا أن “عباس” ورث ثروة كبيرة، وحين يعلم عباس يبدأ صراعه مع الشركاء حين يقع في حب ابنة أحدهم. والأمر الملفت، أن “خيري” لم يشعر بأي حرج أو ثمة مخاطرة من السخرية من صفات كل ديانة، فمثلا “كوهين” كانت شخصيته تمتاز بأنه بخيلا ولا يتكلم إلا في النقود وكيف يكسبها ويتهرب من انفاقها.

لعب أدوار الشخصيات في مسرحية “حسن ومرقص وكوهين” الأصلية نجيب الريحاني في دور عباس، ومحمد كمال المصري (شرفنطح) في دور حسن، واستيفان روستي في دور كوهين، بينما لعب عبد الفتاح القصري دور مرقص.

العرض على شاشة السينما

ولأن مسرح الريحاني معينا لا ينضب للسينما والمسرح المصري، فقد اعيد تقديم الرواية كفيلم سينمائي يحمل نفس الإسم في عام 1954 للمخرج فؤاد الجزايرلي بطولة حسن فايق واستيفان روستي وعبد الفتاح القصري ونجوى سالم وزينات صدقي، تقريبا نفس فريق العمل القديم مع اختلاف في بعض الشخصيات في حدود بسيطة، كتب لها المعالجة السينمائية بديع خيري بالاشتراك مع الجزايرلي ومن انتاج افلام الشرق الجديد.

الرواية على المسرح من جديد

وفي عام 1961 أعاد الفنان عادل خيري، في إطار إعادة تقديمه لتراث الريحاني، تقديم نفس المسرحية بنصها القديم وبنفس الإسم للمشاهدين من جديد، لعب الشخصيات فيها عادل خيري وعدلي كاسب وعباس فارس ومحمود لطفي، بالاضافة لعدد من الأدوار النسائية لميمي شكيب و نجوى سالم. الرواية حقا تجسيد للوحدة الوطنية التي نبحث عنها دائما، امام موجة من الأحتقان الطائفي التي تنمو تارة وتخبو تارة، وكان ابداعها من الريحاني وخيري تجسيد فعلي لتلك الوحدة قولا وعملا.

حسن ومرقص وكوهين
مسرحية حسن ومرقص وكوهين 1960
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.