الذل محمود أبو زيد
أراء عامة الفن السابع شخصيات فنية

“الذل” على طريقة محمود أبو زيد.. أنا اللي فتيت الفتة وزرعتها قتة!

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

في عام 1990 قدم لنا المؤلف محمود أبو زيد واحدة من روائعه التي بدأها مطلع الثمانينات، تلك التي شعر المشاهد معها بمذاق مختلف عن كل كتاب الكوميديا المعروفين. وهو فيلم “الذل” للمخرج محمد النجار، والذي يواصل فيه يحيى الفخراني تقديم الشخصية الكوميدية التي تميز بها في عديد من الأعمال الفنية. والقصة بسيطة كالعادة، فالبساطة سمة من سمات اعمال أبو زيد، فهو لا يحب التكلف أو يدرك تماما ان الدراما السهلة تعرف طريقها لعقل وقلب المشاهد. ولكنه يضفي عليها مزيد من البهارات الخاصة فتجعل منها سهلا ممتنع على غيره من الإتيان به.

الذل – القصة

الذل يحيى الفخراني

القصة تدور حول الشاب البوهيمي “عزيز” ابن الذوات الفاسد، الذي يعيش في كنف صديقه النشال “الطريش”، بعد أن فقد ماله في القمار ويرفض عمه “كاظم” ان يكفله، بل ويوصي خدمه بطرده والإقلال منه!.. يذهب العم في رحلة خارج مصر بينما يدبر عزيز مؤامرة لاغتيال عمه ليرث ثروته، يموت العم فعلا خارج البلاد ويأتي عزيز ليضع يده على التركة، ليجد وصية تركها العم يقر فيها نسب أحد خدمه له وبذلك يكون هو الوريث الوحيد له، فماذا يفعل عزيز لينال ميراث عمه؟

مفهوم الكوميديا عند محمود أبو زيد

والملاحظ ان الكوميديا عند أبو زيد كما شاهدناها في فيلم “الذل” ليست في الأحداث فقط، ولكنها أيضا في الحوار والذي تفنن أبو زيد في اختيار ألفاظه بعناية لتصدم أسماع المشاهد بكل ما هو جديد.. أنا اللي فتيت الفتة ورزعتها قتة وماحدش طال منها حتة!.. وحرامي من غير بينة طاهر شريف العينة!.. وعلى عتبة الستات هانكون كنطرناه وجبتلك خبره، والهمة في التفانيش وسرعة الكنطرة تقرب البقشيش!.. ومن صاع عام على كل الأوضاع يابن الرعاع!.. تلك الجمل التي تستمد رونقها من انها ليست من كلام المصريين الدارج، ولكنها من تفانين أبو زيد نفسه، الى جانب انها لم توضع في الحوار اعتباطا ولكن في مكانها الصحيح، فلا تشعر ابدا انها غريبة مقحمة، بل وتعاود ترديدها في مخيلتك مرة أخرى فور سماعها ومن ثم تأتي الضحكة المطلوبة من الكوميديا!.. وهذه ليست غريبة على أبو زيد بل استخدمها من قبل في عديد من أفلامه اهمهم فيلم “الكيف” عام 1985 ولكن في هذا الفيلم كانت واضحة وقوية.

الذل محمود أبو زيد

هذا الى جانب اختياره للأسماء الغريبة لكل شخصيات الفيلم بلا استثناء، وهي أيضا تجعل المشاهد يعاود ترديدها في مخيلته الى ان تعلق بذهنه، من عزيز ضرموم خزبك، وأنكش عليش الطريش، وهدينام هنداوي، وحجيجة حجاب حجي، وشاكر شوشر المحامي، وسامح سفنتح صديق عزيز، والرخ شقشاق القمر القاتل المحترف الذي اكتراه عزيز لقتل عمه، وطوابي البواب النوبي الجميل.. الى اخر كل تلك الشخصيات التي حفلت بها احداث فيلم “الذل”.

كيف تولدت الكوميديا؟

استطاع محمود أبو زيد أن يولد منها أيضا الكوميديا، بل وعدد من المعاني التي تخدم حوار الفيلم، مثلا حين سأل عزيز: ازاي حجيجة يبقا ابن عمي؟.. امال حجاب دا يبقا ايه؟.. فردت هدينام: لأنه “حجاب”، جابه عمك عشان يستر بيه عملته!.. هنا استخدم ابو زيد المعنى لا الإسم، وحينما مال الحوار ناحية أمه عفيفة فعاود عزيز السؤال: ودي تبقا “عفيفة” منين بقا؟.. ايضا هو يريد المعنى لا الإسم ومن هنا يتولد نوع مختلف من الكوميديا، لتنظم الى كوميديا الموقف وتشكل نسيجا متشابكا يخيم على احداث الفيلم بوجه عام، مما يدفع به الى منطقة عالية بين أفلام الكوميديا، سهلة لأن أحداثها عادية وطبيعية ولكنها تمتنع على اغلب الكتاب ان يصيغوا مثلها، ومن لها بعد “أبو زيد” السينما المصرية؟

الذل أحمد بدير

وتدور اغلب افلام محمود أبو زيد عموما عن صراع الأنسان مع المادة، وهي قضية العصر ولا شك وان كانت منطقة عميقة من الدراما يستطيع ان يخرج منها الكثير والكثير. ففي فيلم “الذل” شاهدنا الكل يجري خلف المادة ولكن كل بطريقته، عزيز الذي تعلم كيف ينفق المال ولم يتعلم كيف يكتسبه على حد تعبيره، والطريش ورجاله والمحامي شوشر الذين يضعون أنفسهم تحت إمرة صاحب المال، ورجال المزرعة الذين يحولون ولائهم بسهولة من سيدهم القديم لسيدهم الجديد بحجة انه للحفاظ على “لقمة العيش”، وحتى هدينام التي ابدت تمسكا كبيرا بالمبادئ والأمانة في نقل وصية المرحوم لمستحقها، ولكنها عادت وتراخت أمام جبروت المادة، أما حجيجة فقد قرر من نفسه ان ينتزع صفة العفة عن أمه والشرف من أبيه مقابل ان يرث التركة وينتقم من عزيز!..

يحيى الفخراني ممنوع من حضور الجنائز

وكان ماستر سين الفيلم تقريبا هو مشهد العزاء الشهير الذي أقامه حجيجة لسيده كاظم بيه عقب وفاته، ليتدخل عزيز بيه أو يحيى الفخراني ويفسد العزاء كعادته، ولكن هذه المرة بشكل مختلف!.. فدخل ومعه فرقة عوالم وموسيقيين ليتوقف المقرئ عن التلاوة ويرحل من الشادر، وتدور فناجين الويسكي الفاخر على المعزين الذين صاروا يتمايلون يرقصون مع اغاني عزيز والفرقة الموسيقية!.. يقول الفنان يحيى الفخراني انه بعد هذا المشهد وايضا مشهد العزاء الشهير في فيلم الكيف عام 1985 صار وجوده في اي شادر عزاء كفيل برسم الضحكة على شفاة الحضور وان كان ذلك في غير موضعه، فتوقف عن أداء ذلك الواجب لسنين عديدة.

الذل يحيى الفخراني

قدم يحيى الفخراني في فيلم “الذل” شخصية مختلفة عن اغلب الشخصيات التي لعبها في افلام سابقة، شخصية ابن الذوات الفاسد.. الصايع، وقد ساعده كثيرا حوار محمود أبو زيد على جودة الأداء، فكوميديا الموقف تعين الممثل ولا ترهقه. نفس الشئ ليلى علوي والتي لعبت في مساحة واسعة من الكوميديا وساعدها ايضا الحوار، أما احمد بدير فكان طبيعيا وليس متكلفا كما ظهر في عديد من افلام المقاولات في سينما الثمانينات، أما فؤاد خليل والفنان الكبير السيد راضي فهم فاكهة الفيلم حقا الذين اضافت شخصياتهم القريبة من قلوب المُشاهدين الى الفيلم الكثير.

أما نهاية الفيلم فجائت مناسبة لفيلم كوميدي خفيف، ولا تخرج أيضا عن حدود العقل والمنطق وتكمل فاصل الضحك حتى المشهد الأخير حين يشعر الجميع ان سعيهم وتدبيرهم وكيدهم صار هباءا منثورا، وليس بينهم منتصر ولا مهزوم.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.