أراء عامة الفن السابع

“أرض النفاق”.. رائعة فؤاد المهندس افضل من صاغ رواية السباعي

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

في نهاية الاربعينات استشعر الكاتب الكبير يوسف السباعي بداية تغير في الأخلاق المصرية، ليحل مكانها أخلاق غير حميدة في المجتمع، فاصدر روايته الخالدة “أرض النفاق” عام 1949 وتصنف هذه الرواية ضمن الأعمال الأدبية الاجتماعية، وتتحدث عن المجتمع المصرى والعربى فى نهاية الأربعينات فى إطار خيالى وواقعى فى الوقت نفسه حالة الاضطرابات السياسية والاجتماعية في المجتمع المصري قبيل حرب فلسطين عام 1948م، ولذلك عدَّها النقاد عملًا أدبيًّا من الأعمال التي بشَّرتْ بانتهاء الحقبة الملكية في مصر. والتي سريعا ما تحولت إلى عمل سينمائي للمخرج محمود ذو الفقار والمنتجة عزيزة أمير فى فيلم “أخلاق للبيع”، كتب له المعالجة والسيناريو ابو السعود الابباري وعرض في ديسمبر عام 1950، وهو من بطولة: فاتن حمامه، محمود ذو الفقار، ميمى شكيب، محمود شكوكو، وعلى الكسار في دور العطار بائع الاخلاق، والمتألقة كيتي.

ويعاود المخرج فطين عبد الوهاب معالجة نفس القصة بعد ثمانية عشر عاما تقريبا من فيلم محمود ذو الفقار، ولكن برؤية جديدة تقترب من النص الاصلي لرواية يوسف السباعي وتحمل اسمه، ويضاف اليها قدرا كبيرا من الكوميديا الشيقة. كتب لها السيناريو والحوار الكاتب الكبير سعد وهبه، وقام ببطولة العمل فؤاد المهندس وشويكار مع سيدة المسرح سميحة أيوب والفنان المسرحي الكبير عبد الرحيم الزرقاني..

وتخلصت أحداث الفيلم حول الموظف البسيط مسعود أبو السعد الإنسان البسيط المهمش في الحياة، يعاني الأمرين في عمله، حين يقوم وحده بكل أعمال المؤسسة الحكومية، ويعاني من سكان حارته حين لا يعيره الناس اهتماما، ويلقون فوق رأسه الزبالة والماء القذر، وهو لا يملك الا اتقاء ذلك لانه لا يستطيع مواجهة أي منهم. حتى في  منزله مظلوم من زوجته ولا يستطيع أن يدافع عن الشغالة المسكينة التي تتعرض للضرب من زوجته بشكل يومي…

شخصية مسعود كما رسمها السيناريو، تعتبر اسم على غير مسمى، فبعد أن يستعرض معنا الكاتب معاناته، نراه يلجأ إلى حل وهمي أو هروب من الواقع، فيذهب إلى الصحراء حيث قادته قدماه ليجد متجر وهمي يبيع “حبوب الاخلاق”، وكأن الأخلاق صارت تباع وتشترى، ودعونا نفترض ذلك ونتابع القصة، وحين تعرف مسعود على البائع غريب الاطوار، طلب منه حبوب للنفاق ولكن البائع تعلل له بأنها نفذت في وقت قليل، ولم يجد مسعود غير حبوب الشجاعة، وبالفعل عندما تناولها تحول ذلك الموظف البسيط إلى إنسان شجاع، استطاع ان يقف امام اهل الحارة ويلقنهم درسا في الاخلاق وبقوة، واستطاع ايضا ان يقف امام سطوة زوجته، واستطاع ان يرد على مديره في العمل ويواجهه بكل الظلم الواقع عليه، ولكن هل الشجاعة هي من يحتاجها المجتمع في ذلك الوقت؟.. يؤكد يوسف السباعي انه لا لأن السائغ كان النفاق!.. النفاق للكل، النفاق لمن لا تستطيع ان تواجهه من اهل الشارع او الزوجه او مديرك في العمل او حتى للحاكم!!.. الكل يحاول التقرب منه والنفاق له.

وبعد ان يتعرض مسعود لمشاكل لا حصر لها في الحارة وفي عمله وحتى في منزله، ويعاود الكرة ويذهب للبحث عن أخلاق منحطة لكي يستطيع أن يتعايش في ذلك المجتمع الجديد الذي يقدس النفاق، وبعد ان يتوسل للبائع ويرق له حاله، يحصل على مراده ويأخذ حبوب النفاق، ولكن لأنه يبحث عن الحرام لا يستحي من أن يسرق، وبالفعل يسرق بعض حبوب الصدق دون ان يراه البائع، وفي اعتقاده انها حبوب النفاق..

ويتحول هذا الشخص، مسعود، في وقت وجيز من إنسان ذليل في قاع المجتمع إلى شخص مهم، يرتقي سلم الوظائف الهامة بسرعة كبيرة، وصار الكل يتودد اليه، بل ويرشح نفسه في الانتخابات ويصل إلى نائب وزير، ولأول مرة تبتسم له الحياة عندما يضحي بكل القيم والمبادئ والأخلاق التي تربى عليها ويضحي بأي شيء في سبيل الوصول إلى غايته حتى زوجته يتركها فريسة لأي مسؤل للوصول إلى مراده!!..

وعندما تنفذ حبوب النفاق، ولا يجد معه إلا الكيس الأخير (المسروق) فيتناول منه حبه، وهنا تحدث الفاجعة ويبدأ مفعول الصراحة ان يغير حياته، التي نراها تتبدل رأسا على عقب ويعود إلى مكانه موظف حقير ذليل تهجره زوجته ويتنكر له الجميع!.. فتقوده قدماه من جديد الى دكان الأخلاق ويقرر أن ينتقم من هذا المجتمع المنافق ويضع كل حبوب الصراحة في نهر النيل ويتحول المجتمع كله إلى مجتمع صريح وهنا تكون الطامة الكبرى ويحدث ما لا يحمد عقباه!!

ما قدمه سعد الدين وهبه عام 1968 في فيلم (أرض النفاق) هو بالظبط حال المجتمع، لكي تصل إلى أي شيء لابد أن تكون منافق وتقبل كل الأيدي وتاكل على كل الموائد وتعلق كل الأحذية، ساعتها ستكون شيء كبير في مجتمع النفاق والمنافقين.. وتلك الكلمة قالها عبد الرحيم الزرقاني في فيلم “المليونير” عام 1950 حين نصح جميز (اسماعيل ياسين) ان يجاري اهله في كذبهم ليخرج من المصحة!..

“اكذب ونافق واقتل القتيل وامشي في جنازته ساعتها سيقول عليك المجتمع انك أعقل العاقلين!!”

وفي 2018 يعيد الفنان محمد هنيدي تقديم نفس الرواية للدراما في مسلسل كوميدي يحمل نفس الاسم، للمخرج المتميز سامح عبد العزيز، ولكن هذا العمل وقع في فخ المقارنة قبل عرضه على الشاشة!.. مقارنة بين محمد هنيدي وبين فؤاد المهندس وبين حلا شيحا وشويكار، وغيرهم من ابطال العمل، وفي كثير من الأحيان لن تكون المقارنة بين عملين في صالح الحديث منهم بسبب يتعلق بالنوستالجيا. فالمشاهد قد يتناسى ان معالجة الفيلم خصصت لوقت عرض لا يزيد على ساعتين، في حين معالجة الدراما تطول لاكثر من 15 ساعة ما يُشعر المشاهد بالمط والتطويل، ومن ثم يأتي بالملل، الى جانب إضافة خطوط فرعية للقصة في الغالب لا تصب في صالح الخط الرئيسي للعمل، ما يُشعر المشاهد أنه يشاهد عملا مهلهلا.

ويظل فيلم (أرض النفاق) درة ماتقدم من اعمال عن تلك الرواية الجميلة، تحية لكل صناع هذا العمل الرائع الذي لا تمل من كثرة مشاهدته، والذي يعرض للمشاهد بكل وضوع وشجاعة الكثير خبايا النفس البشرية.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.