وداد عرفي.. المخرج الذي خرج من ذاكرة التاريخ!

لم تعرف الحياة السينمائية في مصر شخصا مثير للجدل مثل المخرج التركي وداد عرفي. ربما لأرتباط اسمه بالكثير من الأخبار والأمور المثيرة للقلاقل والمشاكل في الحياة السينمائية المصرية نهاية العشرينات من القرن الماضي، أو لقلة المعلومات التي وصلت عنه اصلا، واختلاف كثير من المؤرخين عليه. في هذه التدوينة نحاول ان نجمع عنه اغلب الأخبار الصحيحة قدر الأمكان ونسقط كثير من الأخبار المزيفة..

وتتفق اغلب المصادر التي تحدثت عن وداد عرفي انه كان ممثل ومخرج تركي الجنسيه، بدأ حياته الفنية في بلاده، ولكن اوضاع الهزيمة من الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وسقوط الدولة العثمانية وغيرها من احداث زخمة حدثت في تركيا منذ بداية العشرينات من القرن الماضي دفعته الى السفر إلى فرنسا حيث قضى فيها عدة سنوات يعمل كومبارس في عديد من الأفلام الفرنسية. تعرف على عديد من المخرجين المصريين في فرنسا والذين كانوا يحصلون على الخبرة في مجال السينما، فتعرف على شيئا من النشاط السينمائي في مصر، ومن ثم جاء إلى القاهرة ليشارك في أنشطة مسرحية وسينمائية. قدم وداد عرفي الى عديد من رواد المسرح ككاتب وممثل ومخرج، عمل مع فاطمة رشدي وبدر لاما ويوسف وهبي وغيرهم من رواد السينما المصرية، شارك في أخراج أفلام هامة مثل (ليلى، تحت سماء مصر، مأساة الحياة)، وفي عام 1933 عاد مطرودا إلى بلاده ليستانف نشاطه هناك. توفى في عام 1969.

ويرتبط اسم وداد عرفي أكثر بالأنباء التي تتكلم عن الأعمال الممنوعة رقابيا، فقد ظهرت الرقابة على المصنفات الفنية في مصر قبل دخول السينما بعدة سنوات، وكانت رقابة على المطبوعات كالجرائد والمجلات، وعروض المسرح وغيرها، وعند ظهور السينما في مصر أضيفت إلى قوانين الرقابة، لتصبح تحت سلطتها. ومن وقتها والرقابة تتدخل بحذف بعض المشاهد أو تعديلها، إلا أن أول فيلم تم منعه بالكامل من العرض في تاريخ السينما المصرية بناء على طلب الرقابة، كان فيلم “مأساة الحياة” الذي أنتج سنة 1929. الفيلم كان من إخراج وتمثيل وداد عرفي، الذي شاركه العمل في الفيلم كل من الراقصة التركية الشهيرة في ذلك الوقت إفرانز هانم، بالإضافة إلى ممثل امريكي اسمه جو ساسون وعبد الغني البدراوي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

تدور أحداث الفيلم الممنوع من العرض، حول قصة فتاة لعوب تعمل راقصة في احدى الملاهي في القاهرة، وتسعى لخداع شقيقين لإيقاعهما في غرامها بهدف ابتزاز أموالهما، كان من نوعية الأفلام الصامتة، والتي كانت مشهورة وقتها بأن يكتب الحوار في كادرات منفصلة على الشاشة، إلا أن الناقد السينمائي حينها، الفنان عبد السلام النابلسي، انتقد الفيلم بشدة، مؤكدًا أن به “عيوبًا فاضحة يندى لها الجبين خجلًا”، وهو ما كان سببا في التفات الرقابة للفيلم، ومنعه من العرض في كل دور السينما!!.. وقالت وزارة الداخلية حينها، إن الفيلم “يزخر بالملاهي ومواد الترف، وهو ما استنزف الجزء المهم فيه، مع أن العظة لم تتناول إلا أمتارا قلائل، ولا تترك أثرا عنيفا في المشاهد يعطيه فكرة سامية عن عاقبة الإثم والاستهتار”، معتبرة أن الفيلم به مشاهد جنسية مخلة.

وفي عام 1926 حدث أكبر صدام بين الحكومة والملك فؤاد الأول ملك مصر وقتها من ناحية وبين صناع السينما من ناحية اخرى، حيث نمى إلى علم الملك ان شركة ‘ماركوس السيماتوغرافية’ الألمانية تنوي إنتاج فيلم الرسول محمد صلوات الله عليه وسلامه، وقد أوفدت الشركة المخرج ‘وداد عرفي’ إلى القاهرة مندوبًا عنها، بصحبة الممثل الأمريكي المعروف جو ساسون للاتفاق مع أحد أبطال السينما المصريين لتجسيد شخصية النبي في الفيلم الالماني، وادعوا ان له اغراضا مسمومة واساءة للاسلام، في الوقت الذي كانوا يعدون الملك فاروق فيه لاعلان ترقيه عرش الخلافة عوضا عن سلاطنة ال عثمان الذين زالت دولتهم!.. وتولي المدنيين وعلى رأسهم مصطفى كمال أتاتورك مقاليد الحكم في تركيا.

وما إن بلغ الملك فؤاد هذا حتى كان حاسمًا في رفضه، بل وتجاوز ثورة الأزهر ووزارة الداخلية المصرية إلى إصدار قرار حاسم برفض حتى مناقشة الأمر(!!) وقتها كان المخرج وداد عرفي قد عرض على يوسف بك وهبي تجسيد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ووعده انه أول سبيله الى للعالمية!!.. هدد الملك فؤاد، يوسف وهبي بسحب الجنسية المصرية منه واخراجه من البلاد، ولكن المؤرخ والناقد السينمائي ‘أحمد رأفت بهجت’ يؤكد أن يوسف وهبي رفض عرض وداد عرفي قبل تهديدات الملك فؤاد، وتم غلق هذا المشروع وللأبد، ولكن ‘وداد عرفي’ لم يرحل الى أوروبا كما جاء ولكن قدم نفسه الى عدد من المنتجين المصريين كصانع سينما له خبرة كبيرة، معلنًا أنه تركي مسلم، في حين أنه أكد لأحد كبار التجار اليهود في مصر واسمه ‘إيلي درعي’، أنه اضطر إلى ادعاء الإسلام ليعمل في السينما، فما كان من التاجر إلا أن ساعده على تولي منصب مدير فني في شركة ‘كوكب مصر’، التي كانت تملكها الفنانة فاطمة رشدي. وبدأ معها مشروع فيلم “مأساة الحياة” التي تحدثنا عنه سابقا، ومن ثم بقي عاملا في مجال السينما في مصر.

بعدها تعرف بالأخوة لاما (بدر لاما وابراهيم لاما) واشترك معهما في اخراج فيلم (قبلة في الصحراء) عام 1927 وطبعا بالأشتراك مع الأمريكي ساسون والذي ساهما في تقديم كلا منهما لصناع الأفلام في مصر بوصفهما مخرج وممثل عالمي!..

بعدها اقنع المنتجة والممثلة ‘عزيزة أمير’ بإنتاج أول فيلم روائي في السينما المصرية باسم ‘نداء الله’، تحمست المنتجة الكبيرة للمشروع، ورصدت ميزانية كبيرة للفيلم. وأبرمت عقدا مع عرفي للعمل نصت بعض بنوده على توفير مسكن وطعام خاص للمخرج طوال فترة التحضير والعمل بالفيلم (!!) في سابقه غير معهودة في تاريخ السينما المصرية. ولكن سرعان ما توقف العمل لأن المشاهد التي صورها عرفي كانت على درجة رديئة من التنفيذ، كما انها تحتوي على عديد من المشاهد الخارجة!.. فقررت عزيزة أمير اعدام ماتم تفيذه بمعرفة وداد عرفي وفسخ العقد معه، فضلت خسارتها عن اتهام الناس لها بالفجور كما يؤكد المؤرخون للسينما، وبعدها قررت المنتجة الكبيرة استكمال الفيلم مع فريق عمل اخر. وأكمل الفيلم بالفعل بعد التعديل وتحول اسمه إلى ‘ليلى’، وأصبح أول فيلم روائي مصري عام 1927 وأخرجه استيقان روستي.

ومع بداية الثلاثينات، بدأت السينما المصرية تتخذ وضعها من حيث الحرفيه والتقنية العالية وقتها، بعد ظهور عديد من المخرجين المهرة ذوي الخبرة مثل محمد كريم وتوجو مزراحي وغيرهم. وجد عرفي انه لا مكان له في مصر، فعاد الى بلاده عام 1932 ليستكمل نشاطه الفني هناك، ومن وقتها انقطعت اخباره، ولا نعرف أفلاما ساهم فيها سواء تركية أو غيره، ولا أي من المؤرخين السينمائيين الأتراك يتحدث عنه او عن اعماله، أي انه بخروجه من مصر، قد خرج من ذاكرة التاريخ.

ولو قارنا بينه وبين المخرج الكبير توجو مزراحي سنجد فرقا كبيرا، فعلى الرغم من ان كلاهما من اليهود العاملين في حقل السينما في مصر، الا أن مزراحي من عائلة ثرية جدا من اليهود من اصل ايطالي وليس مجهول الأصل، مزراحي كان دارسا للسينما في فرنسا مطلع العشرينات وليس مُدّعيا بأيه حال، مزراحي لم يكن اغراض خبيثة ولا أظهر يوما انحيازه لليهود أو تعامل مع غير اليهود بشئ مختلف، فقد أخرج افلاما عديدة وعمل معه كثير من المصريين كأم كلثوم وعلي الكسار والجزايرلي وابنته “الشهير بالمعلم بحبح” ولم يتكلم احدهم على انه فرق بينهم وبين اخرين!.. وبرغم ماقيل عن مزراحي لدعمه الصهيونية، الا ان اغلب المصادر تؤكد عكس هذا وانه خرج من مصر بعد عام 1948 خوفا على حياته وأملاكه ليس أكثر، وتوجه الى ايطاليا وظل بها الى وفاته عام 1986.

افلام الرعب المصرية

لماذا فشلت افلام الرعب المصرية؟.. صناع السينما يجيبون

أنتجت السينما المصرية منذ بدايتها عددًا قليلًا من افلام الرعب المصرية، ولم يكتب النجاح إلا لقليل منها في دور العرض، ففي فترة الأربعينات ظهر فيلم “سفير جهنم” للفنان يوسف بك وهبي، وفي الخمسينات فيلم “موعد مع إبليس” للنجمين محمود المليجي و زكي رستم، وفي السبعينات ظهر فيلم واحد فقط وهو فيلم “المرأة التي غلبت الشيطان”، والتي قامت ببطولته الفنانة الراحلة نعمت مختار والتي أعتزلت بعدها، وفي فترة الثمانينيات ظهرت 4 أفلام منها “الأنس والجن” و”التعويذة”، “عاد لينتقم”، “كابوس”، ومع دخول الألفية الجديدة ظهرت أفلام منها “أحلام عادية”، “كامب”، “وردة”، ولكن ليست كل هذه الأفلام كتب لها النجاح.

في سياق التعرف على أسباب هذا الفشل، أعتبر المخرج محمد راضي، أن السبب يرجع في ذلك أنه لا يوجد كاتب متميز في هذه النوعية من الأفلام، مشيرًا أن أغلب الأفلام الحديثة أتخذت التكنيك الأميركي فكانت مسخ للعمل وبالتالي أنصرف الجمهور عن مشاهدتها، موضحًا أن سبب نجاح فيلم “الأنس والجن” هو وجود نجوم كبار فيه مثل عادل إمام ويسرا وعزت العلايلي، كما كان القصة للراحل محمد عثمان الذي تناول شئ يتماشى مع ثقافتنا دور في هذا.

من جانبه أكد الفنان محمود ياسين أن الجمهور المصري لم تعد تجذبه هذه النوعية من الأفلام، حيث أنه يريد من يعبر عنه، وخاصة أن نسبة الشباب أصبحت هي الأعم في المجتمع، لذلك يتجهون لمشاهدة الأعمال التي تعبر عن قضاياهم، إلى جانب وجود أفلام أميركية كثيرة في هذه النوع ، مما جعل المشاهد عنده حالة من التشبع، بحسب قوله.

 بدوره أشار المخرج هادي الباجوري إلى أن هناك مجموعة من أفلام الرعب يكتب لها النجاح عند إعادة عرضها على الفضائيات لكن لا يكتب لها النجاح في السينما، بسبب قلة الدعايا، وبسبب أن دور العرض تكون مشغولة بأفلام مجموعة من النجوم الذي يحب الجمهور مشاهدتهم.

أما الناقد محمد عبد الرحمن فأكد أن عدم وجود نجم شباك في العمل هو يبعد  المشاهد عن متابعته، لأن وجود النجم يساعد على نجاح الفليم مثلما حدث مع الفنان عادل إمام عام 1985 في فيلم الأنس والجن، والذي حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا عند عرضه.

ولفت الناقد والصحافي محمد مبارك، إلى أن سينما الرعب في مصر حتى تنجح في حاجة إلى شركات إنتاجية ضخمة، إلى جانب شركة ميديا كبيرة تستطيع أن تروج للفيلم بنجاح، وهذا يساعد على جذب الجمهور لها، موضحًا أن هناك مجموعة من الأفلام الرائعة التي لم تنل فرصة للنجاح إلا عند عرضها على الفضائيات منها فيلم “إستغاثة من العالم” الأخر التي قامت ببطولته النجمة بوسي.

معجزة الفن و”سارة برنار” الشرق.. انها فاطمة رشدي!

هي ممثلة ومنتجة مسرحية وسينمائية أبهرت الجميع بفنها وجمالها، وصفها النقاد لكثرة مواهبها بـ”المعجزة الفنية” التي لن تتكرر!.. وبعد وفاتها ظلت ذكراها في قلوب الملايين من عشاق السينما العربية حتى وقتنا الحالي.

ولدت فاطمة رشدي في بالإسكندرية عام 1908 واخواتها فنانات أيضا وهن رتيبة وإنصاف رشدي، بدأت فاطمة رشدي حياتها الفنية مبكرًا جدًا ،عندما كانت في التاسعة أو العاشرة من عمرها عندما زارت بفرقة أمين عطاالله حيث كانت تغني أختها، وأسند إليها أمين عطا الله دورًا في إحدى مسرحياته، كما كانت تؤدي أدوار غنائية ثانوية في بدايتها، وعندما شاهدها المطرب سيد درويش عام 1921 دعاها للعمل بفرقته التي كونها بالقاهرة. فبدأت حياتها الفنية في فريق الكورس والإنشاد مع سيد درويش ونجيب الريحاني. كما ظهرت على المسرح مع فرقة عبد الرحمن رشدي عام 1922، ثم انضمت بعد ذلك إلى فرقة الجزايرلي. وفي عام 1923 التقى بها رائد فن المسرح عزيز عيد الذي توسم فيها الموهبة والقدرات الفنية الكامنة، فضمها إلى فرقة يوسف وهبي بمسرح رمسيس، وتعهدها بالمران والتدريب وعلمها التمثيل، كما أوكل مهمة تلقينها قواعد اللغة العربية إلى مدرس لغة عربية. ثم تزوجها بعد ذلك لتصبح نجمة فرقة رمسيس المسرحية.

تزوجت الفنانة “فاطمة رشدي” طيلة حياتها خمس مرات، وكان زوجها الأول هو المخرج المسرحي “عزيز عيد” عام 1933م وأنجبت منه ابنتها الوحيدة “عزيزة” عام 1934م، ثم انفصلت عنه لاحقا بسبب غيرته الشديدة فانفصلت بالتالي عن مسرح رمسيس، وكونت بعدها فرقتها المسرحية الخاصة الشهيرة التي حملت اسمها وقدمت 15 مسرحية في سبعة أشهر، واخرجت نجوماً للوسط الفني مثل محمود المليجي الذي امنت بموهبته واسندت له بطولة عديد من الأعمال، وايضا المطرب محمد فوزي الذي كان يلحن المونولوجات التي تقدم بين فصول المسرحيات. قدمت فرقة فاطمة رشدي في مسرحياتها العديد من النصوص المترجمة والمقتبسة بالإضافة إلى بعض المؤلفات المحلية وفي مقدمتها مسرحيات أحمد شوقي..

بدأت فاطمة رشدي حياتها السينمائية مبكرا.. ولكن مع الأسف تخفق في أول تجربة سينمائية لها مع المخرج بدر لاما في فيلم «فاجعة فوق الهرم» انتاج عام 1928 والذي قوبل بهجوم كبير نالته من الصحافة لضعف مستواه من وجهة نظرالنقاد في ذلك الوقت، ومني الفيلم بخسارة فادحة. ثم أقنعها المخرج التركي وداد عرفي بأن يخرج لها فيلم بعنوان «تحت سماء مصر» أو «تحت ضوء الشمس».. ولكنها أحرقته بيدها لأنه كان أقل مستوى من الفيلم السابق.

وانصرفت فاطمة رشدي بعدها إلى المسرح ولعدة مواسم ثم دمجت بينه وبين السينما. وكانت عودتها إلى الشاشة بفيلم «الزواج» والذي عرض (1933)، من تأليفها واخراجها وبطولتها، ومثل أمامها فيه محمود المليجي – في أول أدواره السينمائية – ويروي الفيلم قصة الفتاة المغلوبة على أمرها والتي زوجها أبوها على غير ما تهوى فكانت نهايتها الموت. ثم فيلم «الهارب» مع بدر لاما، و«ثمن السعادة»، ثم فيلمها الهام مع كمال سليم رائد الواقعية المصرية «العزيمة» عام 1938، حاز الفيلم الأخير على نجاح كبير، فيما فشل فيلم «إلى الأبد» لنفس المخرج عام 1941. بعد ذلك شاركت في فيلم «العامل» عام 1943 و«الطريق المستقيم» للمخرج توجو مزراحي (مع يوسف بك وهبي)، وتوالت أفلامها بعد ذلك وهي : «بنات الريف»، «مدينة الغجر» 1945، «غرام الشيوخ» 1946، «الريف الحزين» 1948، «عواصف»، «الطائشة» 1946، «دعوني أعيش» 1955، «الجسد» 1955.

ومن بين هذه الأفلام أربعة من إنتاجها وهي أفلام ” تحت سماء سحابة مطر”، و”الزواج”، و”مدينة الغجر” و”الطائشة” وهناك فيلم واحد فقط من تمثيلها وإنتاجها وإخراجها وهو فيلم “الزواج”، وهي بذلك تعتبر ثاني فنانة مصرية تقوم بإخراج الأفلام بعد الفنانة “عزيزة أمير” إحدى رائدات السينما المصرية والتي عاشت في نفس الفترة تقريبا وهي التي قامت بإنتاج وتمثيل فيلم “ليلى” عام 1927م، وهو أول فيلم مصري طويل في رأي أغلب مؤرخي السينما المصرية.

وتعتبر “فاطمة رشدي” أول نجمة مسرحية في تاريخ التمثيل في مصر ومن أكبر نجوم التمثيل المسرحي العربي في القرن العشرين، وقد أمتد نجاحها إلى العديد من الدول العربية حيث قدمت في عديد منها عروضها المسرحية، زارت العراق عام 1926 و1929 وقدمت مسرحيات مع فرقة رمسيس، كما زارت بيروت عام 1929 وتونس عام 1931 ولكنها لم تحقق النجاح الذي حققته في المسرح في أدوارها السينمائية والتي كان أشهرها دورها في فيلم “العزيمة” الذي أخرجه كمال سليم عام 1939م، وقد لقبت فاطمة رشدي بـ”سارة برنار مصر” وكان لديها هوس وحب وولاء منقطع النظير لفن التمثيل في تلك الفترة المبكرة.

وفي مطلع الستينات انضمت فاطمة رشدي إلى المسرح العسكري، والذي كان بدعما من القوات المسلحة في ذلك الوقت، وأدت العديد من البطولات المسرحية، وأخرجت مسرحية ” غادة الكاميليا “، ثم انضمت للمسرح الحر عام 1962 وقدمت مسرحيات الكاتب الكبير نجيب محفوظ ” بين القصرين “، ثم ” ميرامار ” عام 1969. ومع تقدمها في العمر كتبت فاطمة رشدي مذكراتها وروت حكايتها مع الفن، وصدرت في 128 صفحة من تأليف الكاتب الصحفي محمد رفعت في جزء واحد، وتكفلت بنشرها مؤسسة عز الدين.

اعتزلت الفن في أواخر الستينات. وانحسرت الأضواء عنها مع التقدم في السن وضياع الصحة والمال وكانت تعيش في أواخر أيامها في حجرة بأحد الفنادق الشعبية في القاهرة، إلى أن كشفت جريدة الوفد المصرية المعارضة عن حياتها البائسة التي تعيشها ،ثم تدخل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين لعلاجها على نفقة الدولة وتوفير المسكن الملائم لها وتم ذلك بالفعل، فقد حصلت على شقة، إلا أن القدر لم يمهلها لتتمتع بما قدمته لها الدولة، لتموت وحيدة تاركة ورائها ثروة فنية عملاقة تزيد عن 100 مسرحية و16 فيلمًا سينمائيًا، وحياة عاشتها طولا وعرضًا عاصرت خلالها جيل من عمالقة المسرح ورواد السينما والجيل الثاني لعظماء السينما المصرية، وتوفيت في 23 يناير 1996 عن عمر يناهز 87 عامًا.

سلطانة الشاشات ورائدة الفن والموسيقى التصويرية.. انها بهيجة حافظ!

تعد الفنانة بهيجة حافظ أول من اهم رواد السينما المصرية منذ نشأتها الأولى، كما كانت أول امراة قامت بتاليف الموسيقى التصويرية للافلام في السينما المصرية. فكانت بحق من أوائل الرائدات في صناعة السينما وأكثرهن تثقيفًا. نطالع في هذه التدوينة لمحات من حياتها الفنية والشخصية وأشهر اعمالها..

ولدت في 4 أغسطس عام 1908 في الإسكندرية، هي ابنة إسماعيل محمد حافظ باشا ناظر للخاصة السلطانية في عهد السلطان حسين كامل وكان إسماعيل صدقي رئيس وزراء مصر في عهد الملك فؤاد الاول من أقربائها. نشأت وتعلمت في مدرسة الفرنسيسكان ومدرسة الميردي ديو. ثم سافرت إلى فرنسا عندما كان عمرها 15 عامًا وحصلت على شهادة جامعية من الكونسرفتوار في الموسيقى عام 1930. كما درست الموسيقى ايضا في باريس، وكانت من عائلة موسيقية فقد كان والدها “إسماعيل حافظ باشا” هاوياً للموسيقى، وقد مارس تأليف الأغاني وتلحينها، وكان يعزف على العود، والقانون، والرق، والبيانو. وكانت والدتها تعزف على الكمان والفيولنسيل، بينما أخوتها يعزفون على الآلات المختلفة، أما بهيجة فكانت تعزف على البيانو.

وحسب ما ورد عن الفنانة الكبيرة، كان للمايسترو الإيطالي “جيوفاني بورجيزي”، والذي كان يقود الفرقة الموسيقية بالإسكندرية، أثر كبير في توجهها للموسيقى، فقد كان يتردد على قصرهم في حيّ محرَّم بك بالإسكندرية بحكم صداقته لوالدها، لذلك درست قواعد الموسيقى الغربية على يديه. وتقول “بهيجة حافظ” إنها بدأت تعزف على البيانو وهي في سن الرابعة، وإنها قد ألّفت أول مقطوعة موسيقية وهي في التاسعة، حيث أعجب والدها بهذه المقطوعة وأسماها “بهيجة”. بعد ذلك ألّفت مقطوعتين، الأولى اسمها “من وحي الشرق” والثانية “معلهشي”.

وللأسف تزوجت بهيجة حافظ من رجل لا يحب الموسيقى، وبذلك لم يشاركها هوايتها، لذلك فقد طلبت منه الطلاق، وبعد طلاقها من زوجها وأيضا بعد وفاة والدها لم ترغب بهيجة في البقاء بالاسكندرية، فتركت بيت الأسرة بالاسكندرية وقررت الاستقرار بالقاهرة لتبدأ حقبة جديدة من حياتها.

وبعد أن نالت شهرة في عالم الموسيقى، كأول سيدة مصرية تقتحم هذا الميدان، نُشرت صورتها في مجلة “المستقبل” التي كان يصدرها إسماعيل وهبي المحامي شقيق يوسف وهبي، وقد نُشرت صورتها على غلاف المجلة، بالبرقع والطرحة، وكُتب تحتها عبارة “أول مؤلفة موسيقية مصرية”، حينها كان “محمد كريم” يبحث عن بطلة لفيلمه الأول (زينب)، بعد أن رفض “يوسف وهبي” قيام الفنانة “أمينة رزق” بالبطولة.

عندها، لفتت فتاة الغلاف انتباه المخرج محمد كريم، فعرض عليها بطولة الفيلم، ورحبَّت “بهيجة” بالعمل في السينما بالرغم من معارضة أسرتها الشديدة، لدرجة أنه قيل أن شقيقتها وقفت في السرادق حينها تتلقى العزاء فيها. ولم تكتفي “بهيجة حافظ” ببطولة الفيلم فحسب، بل قامت أيضاً بوضع الموسيقى التصويرية له، والتي تتكون من اثنتي عشرة مقطوعة موسيقية.. وقد قامت بدور زينب أمام سراج منير و زكي رستم ودولت أبيض وعلوية جميل وعبد القادر المسيري.. ولأن هذا الدور يعتبر أول علاقتها بالتمثيل، فلم تكن بهيجة على دراية بكافة إمكانياته، خصوصاً بأن الدور ـ لكونه صامتاً ـ يحتاج بل يعتمد على التعبير بالحركة والإشارة والتحكم في ملامح الوجه وتقلصاته، لذلك كان محمد كريم حريصاً بأن تكون بهيجة دوماً بين كبار الممثلين، لتحتك بهم بما فيه الكفاية، حتى تتعلم منهم وتندمج معهم من ثم يكون باستطاعتها إعطاء الانفعالات المطلوبة، والطريف في الأمر إن محمد كريم قد استعان في ذلك الوقت بعازف على الكمان ليعزف لها لحناً أثناء التمثيل حتى تستطيع أن تعبر من موقف حزين.

لم يتوقف عطاء بهيجة الفني على التأليف الموسيقي فقط فقد أنشأت شركة إنتاج سينمائي تحت أسم (فنار فيلم) وأنتجت فيلم (ليلى بنت الصحراء) و(الضحايا)، كما أخرجت أفلام (ليلى البدوية)، و(الضحايا) و(ليلى بنت الصحراء) الذي كان أول فيلم مصري ناطق يعرض في مهرجان برلين السينمائي الدولي وينال جائزة ذهبية.

يذكر في مسيرة «بهيجة حافظ» السينمائية إجادتها لكل العناصر السينمائية، فإلى جانب التمثيل والإنتاج والموسيقى التصويرية كانت بارعة في تصميم الأزياء والإخراج، الذى اتجهت إليه بعد اختلافها مع المخرج «ماريو فولبى». فأخرجت فيلم «ليلى بنت الصحراء» الذى يمثل حدثاً تاريخياً في الأوساط السينمائية في ذلك الوقت لما تضمنه من ديكورات ضخمة وأزياء شدت المتفرج وخاصة ملابس البطلة، فضلاً عن الموضوع الذى كان جديداً على السينما المصرية. وكان أول فيلم مصرى يستخدم اللغة العربية الفصحى بسهولة وسلاسة، وشارك في بطولته حسين رياض، وزكى رستم، وعبد المجيد شكرى، وراقية إبراهيم. وقد رشح هذا الفيلم للعرض في مهرجان البندقية عام 1938 ولكنه منع في آخر لحظة لصدور قرار بمنع عرضه داخلياً وخارجياً لما تضمنه من إساءة إلى تاريخ كسرى أنوشروان ملك الفرس وذلك بناء على شكوى واعتراض من الحكومة الإيرانية. وعلى الرغم من مكانة هذا الفيلم في تاريخ السينما المصرية إلا أنه كان السبب في إفلاس شركة «فنار فيلم» واضطرت بهيجة حافظ للتوقف عن الإنتاج لمدة تصل إلى عشر سنوات لما تكبدته من خسائر نتيجة منع عرضه ومصادرته.

عادت شركة فنار فيلم إلى الإنتاج بعد مُضي عشرة أعوام من التوقف، لتنتج فيلم (زهرة السوق) عام 1947 وهو من إخراج حسين فوزي، وأكمل إخراجه المونتير كمال أبو العلا وكتبت بهيجة حافظ قصته، وعهدت إلى إبراهيم حسين العقاد بكتابة السيناريو والحوار، وقامت فيه بدوري بهيجة وزهرة مع أحمد منصور وكمال حسين وعلوية جميل وعبد الفتاح القصري، واشترك فيه بالغناء المطرب اللبناني وديع الصافي حيث كان مطرباً مغموراً أنذاك، وضم الفيلم مجموعة من الأغنيات قامت بهيجة بتلحينها، إضافة إلى وضع الموسيقى التصويرية. وبالرغم من أن الفيلم قد ضم مجموعة من كبار النجوم والوجوه الجديدة، إلا أن الحظ في النجاح لم يحالفه، وكان سبباً في خسارة بهيجة حافظ وإشهار إفلاسها في ذلك الوقت. وكانت بالفعل صدمة كبيرة لها جعلتها تتوقف نهائياً عن الإنتاج السينمائي، لتكون نهاية مؤسفة لقصة كفاح رائدة من رائدات السينما المصرية، ولم تظهر مرة أخرى في السينما ألا في دور قصير من فيلم (القاهرة 30) انتاج عام 1968، وذلك عندما اختارها المخرج صلاح أبو سيف لتقوم بدور الأميرة السابقة “شويكار”.

وكانت بهيجة حافظ أول مصرية تُقبل عضوةً في جمعية الموسيقيين بباريس، وتحصل علي حق الأداء العلني لمؤلفاتها الموسيقية. إلا أن المكتبة الفنية المصرية (وللأسف) لا تملك تسجيلات لهذه المؤلفات، ولم تُقدم أفلام توثق مسيرة هذه الرائدة سوى فيلم أنتجه المخرج العالمي يوسف شاهين يحمل اسم “عاشقات السينما” من إخراج ماريان خوري، يتناول مسيرة عدد من نساء السينما الأوائل، مثل بهيجة حافظ، وعزيزة أمير، وفاطمة رشدي، اَسيا داغر، ماري كويني، وكان الفيلم ضمن مشروع سينمائي اسمه “نساء رائدات”. وفضلًا عن الفيلم، خصصت لها الكاتبة اللبنانية منى غندور، جانبًا من توثيقها لمرحلة بناء السينما على عاتق الرعيل الأول من السينمائيات المصريات في كتاب “سلطانات الشاشة”.

وصحيح بأن “بهيجة حافظ” قد ابتعدت عن السينما، إلا أنها قد عاودت نشاطها الفني الموسيقي. فقد أنشأت في عام 1937 أول نقابة عمالية للموسيقيين وظلت هذه النقابة قائمة حتى عام 1954. كما أنشأت صالونها الثقافي الخاص عام 1959 داخل قصرها المجاور لقصر هدى شعراوى في شارع قصر النيل والذي كان له نشاط ثقافي وفني بارز وكان من بين حضوره الفنان محمد القصبجى، وقد كانت تلك الندوات فنية غنائية حيث كانت بهيجة حافظ تعزف على البيانو الأغنيات القديمة وأيضًا حديثة العهد. كان يتم تعريف الحضور بالأصوات الجديدة على الساحة، وكانت الندوات لاتخلو من الشعراء “علي الجنبلاطى”، و”روحية القلينى”. وكانت تحرص على تقديم الحلوى التى تشرف على صنعها في قصرها وكانت لديها مكتبة زاخرة بشتى الكتب عن الفن اوالأدب باللغتين العربية والفرنسية.

وظلَّت “بهيجة حافظ” طريحة الفراش لسنوات طويلة، لا يطرق بابها إلا القليل من معارفها، حتى اكتشف الجيران وفاتها بعد يومين من حدوث الوفاة. وحضرت شقيقتها سومة وابن شقيقها من الاسكندرية وقد شُيعت لمثواها الأخير دون أن يمشي في جنازتها أحدًا من الفنانين. ودفنت في مدافن الاسرة في القاهرة، ولم يتم كتابة النعى في الصحف او حتى إقامة العزاء ليلاً. وهكذا، رحلت “بهيجة حافظ” في صمت، بعد أن عاشت شبابها بين أضواء النجاح والشهرة، وهي التي جعلت من بيتها مزاراً لمحبي الفن والأدب والموسيقى، وكثيراً ما استضافت الوفود الأجنبية من الفنانين والكُتّاب واحتفت بهم في بيتها هذا، إلى أن حولته فيما بعد إلى جمعية ثقافية استمر نشاطها حتى رأت حلها في عام 1968.

شرير ومبدع وطيب القلب.. انه محمود المليجي!!

محمود المليجي ممثل قدير من أصول كردية ولد عام 1910 بحي المغربلين بالقاهرة أحد أقدم أحياء القاهرة الشعبية وأشهرها.. ونـشأ في بيـئة شعبـية حتى بعـد أن إنـتقل مـع عائلـته الـى حـيّ الحلـمية، وبعـد أن حصل على الشـهادة الإبـتدائـية إخــتار المدرسة الخديوية ليكمل فيها تعليمه الثانوي. وكان حبه لفن التمثيل وراء هذا الاختيار حيث أن الخـديوية مدرسـة كـانت تشـجع التمـثيل، فمـدير المدرسة “لبيب الكرواني” كان يشجع الهوايات وفي مقدمتها التمثيل، فالتحق المليجي بفريق التمثيل بالمدرسة، حيث أتيحت له الفرصة للتتلمذ على أيدي كبار الفنانين، أمثال : أحمـد عـلام، جـورج أبيض، فتوح نشاطي، عزيز عيد، والذين استعان بهم مدير المدرسة ليدربوا الفريق.

يتحدث المليـجي عن أيـام التمـثيل بالمـدرسة، فيقول : في السنة الرابعة جاء عزيز عيـد ليدربنا، جذبتني شخصيته الفذة وروعة إخراجه وتطور أفكاره، وكنت أقـف بجانبه كالطفل الذي يحب دائماً أن يقلد أباه.. وقد أُعجب بي عزيز عيد وأنا أمثل، ومـع ذلك لم يُعطنِ دوراً أمثله، وكـان يقول لي دائمـاً.. (إنت مش ممثل.. روح دور على شـغلـة ثانية غير التمثيل!).. وفي كـل مـرة يقول لي فيـها هذه العبـارة كنـت أُحـس وكأن خنجراً غـرس في صـدري، وكثـيراً ما كنت أتـوارى بجـوار شجـرة عجـوز بفـناء المـدرسة وأترك لعيني عنان الـدموع، إلى أن جـاء لي ذات يـوم صـديق قـال لي : إن عزيز عـيد يحـترمـك ويتنبأ لك بمستقبل مرموق في التمثيل، فصرخت فيه مَنْ قال لك ذلك ؟ أجاب إنه عزيز عيد نفسه.. وعرفت فيما بعد أن هذا الفنـان الكبـير كان يقول لي هـذه الكلـمات من فمه فقط وليس من قلبه، وإنه تعمَّـد أن يقولـها حتى لا يصيبني الغرور، وكان درساً لاينسى من العملاق عزيز عيد.

انضم محمود المليجي في بداية عقد الثلاثينات من القرن الماضي، وكان مغموراً في ذلك الوقت إلى فرقة الفنانة فاطمة رشدي، وبدأ حياته مع التمثيل من خلالها، حيث كان يؤدي الادوار الصغيرة، مثل أدوار الخادم على سبيل المثال، وكان يتقاضى منها مرتب قدره 4 جنيهات مصرية في ذلك الوقت.

ولاقتناع الفنانة فاطمة رشدي بموهبته المتميزة رشحته لبطولة فيلم سينمائي اسمه (الزواج) بعد أن إنتقل من الادوار الصغيرة في مسرحيات الفرقة إلى أدوار الفتى الاول، إلا أن فشل الفيلم جعله يترك الفرقة وينضم إلى فرقة رمسيس الشهيرة أيضاً، حيث عمل فيها ابتداءاً في وظيفة ملقن براتب قدره 9 جنيها.

في عام 1939 تزوج من رفيقة عمره الفنانة علوية جميل التي كانت إحدى عضوات فرقة رمسيس أيضاً، وإستمر زواجهما حتى وفاته، وإشتركا معاً في عدة أعمال منها أفلام (سجين الليل) – (أولاد الفقراء) – (برلنتي) – (الملاك الابيض)

كما أنه وقف، في عام 1936، أمام “أم كلثوم” في فيلمها الأول (وداد).. إلا أن دوره في فيلم (قيس وليلى) هو بداية أدوار الشر له، والتي استمرت في السينما قـرابة الثـلاثين عاماً.. حـيث قـدم مـع فـريـد شـوقـي ثنائياً فنياً ناجحاً، كانت حصيلته أربعمائة فيلماً. وكانت نقطة التحول في حياة “مـحـمـود المـليجي” في عـام 1970، وذلك عندما إختاره المخرج “يوسف شاهين” للقيام بدور “محمد أبوسويلم” في فيلم “الأرض”..

فقد عمل فيما بعد في جميع أفلام يوسف شاهين، وهي: الاختيار، العصفور، عودة الابن الضال، إسكندرية ليه، حدوته مصرية. وقد تحدث يوسف شاهين عن المليجي، فقال:

(…كان محمود المليجي أبرع من يـؤدي دوره بتلقائية لـم أجـدها لدى أي ممثل آخر، كمـا أنني شـخصـياً أخـاف من نظـرات عينيه أمام الكاميرا…).

وقد ترك المليجي بصماته في المسرح أيضاً منذ أن اشتغل مع “فاطمة رشدي”، حيث التحق فيما بعد بفرقة “إسماعيل ياسين“، وبعدها عمل مع فرقة “تحيَّـة كـاريـوكـا”، ثـم فـرقـة المـسرح الجـديـد.. وبـذلـك قـدم أكـثر من عـشرين مـسرحية، أهـمـها أدواره في مسرحيات: يوليوس قيصر، حـدث ذات يوم، الـولادة، ودور “أبو الـذهب” في مـسرحية أحمد شوقي “علي بك الكبير”.

ثم عاد مرة إخرى لتقديم الادوار الصغيرة إلا أنه بالصبر والاجتهاد وحب الفن ، استطاع أن ينتقل من دور لآخر، وأن ينجح في تقديم أدوار الشر التي برع فيها وبلغ شهرة واسعة جعلته من أهم النجوم في تاريخ السينما المصرية والعربية ايضا . تميز بأدوار الشر التي أجادها بشكل بارع. تميز في أدوار رئيس العصابة الخفي، كما لعب أدوار الطبيب النفسي. ومثل أدواراً أمام عظماء السينما المصرية رجالا ونساء. ولم يكن فقط يمثل أدوار الشر، فقد برع أيضاً في تقديم نوعية إخرى من الادوار وهى الادوار الإنسانية مثل أدواره في فيلمي ” حكاية حب “و” يوم من عمري ” مع عبد الحليم حافظ.

ثم لا ننسى أن نشير إلى أن محمود المليجي قد دخل مجال الإنتاج الـسـينمائي مساهـمة منه في رفـع مـستوى الانتـاج الفني، ومحـاربة مـوجة الافـلام الـساذجة، فـقدم مجموعة من الأفلام، منها على سبيل المثال: الملاك الأبيض، الأم القاتلة، سوق الـسلاح، المقامر.. وبذلك قدم الكثير من الوجوه الجديدة للسينما، فهو أول من قدم فريد شـوقي، تحية كاريوكا، محسن سرحان، حسن يوسف، وغيرهم. لقد مثل محمود المليجي مختلف الأدوار، وتقمص أكثر من شخصية: الـلص، المجرم، القوي، العاشق، رجل المباحـث، البوليس، الباشـا، الكهـل، الفـلاح، الطبيب، المحامي.. كما أدى أيضاً أدواراً كوميدية.

كـان عضواً بـارزاً في الـرابطة القـومية للتمثـيل، ثـم عضواً بالفرقة القومية للتمثيل. لقد كان محمودالمليجي فناناً صادقاً مع نفسه.. كـان إنساناً مع زملائه الفنانين، وأباً روحياً لهم، ورمزاً للعـطاء والبـذل والصمود أمام كـل تيـارات الفن الرخيص -بالرغم من أنه اضطر للعمل في اعمال تجارية في السبعينات مثل ألو انا القطة وغيرها إلا أنه يعد رمزاً لفنان احترم نفسه فاحترمه جمهوره.