افلام الرعب المصرية

لماذا فشلت افلام الرعب المصرية؟.. صناع السينما يجيبون

أنتجت السينما المصرية منذ بدايتها عددًا قليلًا من افلام الرعب المصرية، ولم يكتب النجاح إلا لقليل منها في دور العرض، ففي فترة الأربعينات ظهر فيلم “سفير جهنم” للفنان يوسف بك وهبي، وفي الخمسينات فيلم “موعد مع إبليس” للنجمين محمود المليجي و زكي رستم، وفي السبعينات ظهر فيلم واحد فقط وهو فيلم “المرأة التي غلبت الشيطان”، والتي قامت ببطولته الفنانة الراحلة نعمت مختار والتي أعتزلت بعدها، وفي فترة الثمانينيات ظهرت 4 أفلام منها “الأنس والجن” و”التعويذة”، “عاد لينتقم”، “كابوس”، ومع دخول الألفية الجديدة ظهرت أفلام منها “أحلام عادية”، “كامب”، “وردة”، ولكن ليست كل هذه الأفلام كتب لها النجاح.

في سياق التعرف على أسباب هذا الفشل، أعتبر المخرج محمد راضي، أن السبب يرجع في ذلك أنه لا يوجد كاتب متميز في هذه النوعية من الأفلام، مشيرًا أن أغلب الأفلام الحديثة أتخذت التكنيك الأميركي فكانت مسخ للعمل وبالتالي أنصرف الجمهور عن مشاهدتها، موضحًا أن سبب نجاح فيلم “الأنس والجن” هو وجود نجوم كبار فيه مثل عادل إمام ويسرا وعزت العلايلي، كما كان القصة للراحل محمد عثمان الذي تناول شئ يتماشى مع ثقافتنا دور في هذا.

من جانبه أكد الفنان محمود ياسين أن الجمهور المصري لم تعد تجذبه هذه النوعية من الأفلام، حيث أنه يريد من يعبر عنه، وخاصة أن نسبة الشباب أصبحت هي الأعم في المجتمع، لذلك يتجهون لمشاهدة الأعمال التي تعبر عن قضاياهم، إلى جانب وجود أفلام أميركية كثيرة في هذه النوع ، مما جعل المشاهد عنده حالة من التشبع، بحسب قوله.

 بدوره أشار المخرج هادي الباجوري إلى أن هناك مجموعة من أفلام الرعب يكتب لها النجاح عند إعادة عرضها على الفضائيات لكن لا يكتب لها النجاح في السينما، بسبب قلة الدعايا، وبسبب أن دور العرض تكون مشغولة بأفلام مجموعة من النجوم الذي يحب الجمهور مشاهدتهم.

أما الناقد محمد عبد الرحمن فأكد أن عدم وجود نجم شباك في العمل هو يبعد  المشاهد عن متابعته، لأن وجود النجم يساعد على نجاح الفليم مثلما حدث مع الفنان عادل إمام عام 1985 في فيلم الأنس والجن، والذي حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا عند عرضه.

ولفت الناقد والصحافي محمد مبارك، إلى أن سينما الرعب في مصر حتى تنجح في حاجة إلى شركات إنتاجية ضخمة، إلى جانب شركة ميديا كبيرة تستطيع أن تروج للفيلم بنجاح، وهذا يساعد على جذب الجمهور لها، موضحًا أن هناك مجموعة من الأفلام الرائعة التي لم تنل فرصة للنجاح إلا عند عرضها على الفضائيات منها فيلم “إستغاثة من العالم” الأخر التي قامت ببطولته النجمة بوسي.

سينما المقاولات.. ظاهرة تخرج من رحم “الأزمات”!!

وسط حالة من الضبابية المسيطرة على شباك التذاكر السينمائي، واهتمام المنتجين دائمًا بمتابعة أرقام الإيرادات؛ كدلالة على النجاح، تظهر دائمًا نوعية أخرى من الأفلام التي لا تهتم بأرقام الإيرادات ولا طبيعة العرض بقدر ما تهتم بتسويق الفيلم فضائيًا فيما بعد، والتي تسمى في الأوساط السينمائية بـ”أفلام المقاولات”، والتي عادةً ما يكون منتجيها من خارج الوسط الفني والإنتاجي.

سينما رديئة

ففي الفترة الأخيرة، ورغم رفع جميع الأفلام من دور العرض، ظهرت دعاية مكثفة لأحد الأفلام رغم عدم طرحه بالسينما، وعدم وجود ميعاد لطرحه أيضًا، وهو ما يمثل عودة لأفلام المقاولات وسينما “بير السلم”، والتي اتَهم البعض منتجيها بغسيل أموالهم في صناعة السينما الرديئة.. وفي ظل هذه الظروف طرأ على الساحة ما يسمى بـ”أفلام المقاولات” وهي سينما تهدف إلى تسويق إنتاجها للفضائيات، وتغطية تكاليفها وأرباحها من خلالها، دون الحاجة للعرض السينمائي، فهي أفلام لا يذهب إليها جمهور السينما، ويفضل أن ينتظرها عندما تعرض على شاشات التليفزيون في بيته.

ربح كبير

ويتخذ منها بعض المنتجين “سبوبة”؛ لأنها تباع لقنوات، أو على أسطوانات مدمجة، وتدر ربحًا كبيرًا على المنتجين، وفي نفس الوقت لا تحتاج إلى تكلفة عالية، ولكن أفكارها عادة ما تكون متواضعة مثل إنتاجها، ولكن الهدف من صناعتها، إنها تغذي المحطات الفضائية، وتجدد من عروضها التي سئم منها جمهورها، فضلًا عن تقاسم أرباح الإعلانات الذي تجذبها هذه القنوات.

وقت الأزمات

ويؤكد نقاد على أن تلك الظاهرة كالموجة التي تحجز لنفسها مكانًا وقت الأزمات؛ لأنها ليس لها وجود في ظل استقرار الوضع السينمائي، فهي تظهر في أوقات، وتختفي في أخرى، حيث تبرأ منها بعض النقاد، ودافع عنها البعض الآخر.

حول هذه الظاهرة الطارئة على المشهد السينمائي، أكد الناقد طارق الشناوي لـ”البيان” على أن تلك الظواهر مثلما لها بعد سلبي، لها آخر إيجابي لابد من الاستفادة منه، وهو أن هناك ممثلين موهوبين لم تسنح لهم فرصة الظهور سوى من خلال أفلام المقاولات، إذ من الممكن أن تكون طريقًا لعبورهم إلى النجومية، والأمر ينطبق أيضًا على المخرجين والمؤلفين وكل صناع العمل.

وأوضح الفرق بينها وبين السينما المستقلة، مشيرًا إلى أن كلاهما تكاليفهما قليلة، ولكن المقاولات تهدف إلى الربح، وقائمة على أفكار سطحية فارغة، وقائم عليها ممثلون درجة ثالثة، بينما المستقلة أفكارها هادفة وجريئة، تحمل فكرًا ورسالة، ولا تهدف للربح بل للقيمة الفنية التي تضيفها لفريق العمل، غير أنها لها شعبية جارفة في وسط الأزمات وغيرها، وأصبح يشارك فيها نجوم الصف الأول، وتعُرض داخل أروقة المهرجانات، منوهًا إلى أنه مع استقرار الأوضاع ستتراجع هذه الأفلام؛ لأنها ليس لها مكان وسط النجوم، والدليل على ذلك أن موسم عيد الفطر شهد أفلامًا جيدة طغت على أفلام المقاولات.

وتبرأ من أفلام المقاولات كافة النجوم واعتبروها وجبة سامة تقدم للمشاهدين وتفسد الذوق العام، وتسيء لتاريخ السينما ولمن يشارك فيها، ومن ضمنهم الفنان الشاب محمد رمضان الذي استاء من نسب البعض لفيلمه الأخير “قلب الأسد” ضمن أفلام المقاولات، مؤكدًا على أنه تجاري من الدرجة الأولى، وشركة السبكي أنفقت عليه ملايين، وحصدت منه على إيرادات بالملايين، تصدرت بها إيرادات أفلام العيد، وذهب الجمهور لرؤيته، موضحًا أنه ليس له مكان في تلك الأفلام التي تسيء للقائمين عليها.

نماذج

من أفلام المقاولات التي انتشرت في الآونة الأخيرة، في ظل تراجع الإنتاج السينمائي عدد من أفلام المقاولات، كفيلم “سيليكون”، “علقة موت”، “بوسي كات”، “شقاوة بنات شبرا”، “عودة جملات كفته”، “جركن وفاء”، وآخرها “إعدام بريء” للفنان أحمد خليل ونهال عنبر وغيرهم.

المقال الأساسي نشر بجريدة البيان من هنا

سينما يوسف شاهين .. تعيد تفسير الواقع والتاريخ الإجتماعي

“ليس هناك صانع سينما آخر في تاريخ السينما العربية، شهد وتأمل ثم صور في أعماله أوجها كثيرة جدا للتغيرات والهبات في العالم العربي المعاصر مثل صانع الأفلام المصري يوسف شاهين. كما لا توجد سيرة مهنية لصانع أفلام آخر مثل سيرة شاهين امتدت إلى ما يقرب من ستين عاما، وجذبت مثل ذلك الإهتمام بين نقاد السينما الغربيين ودوائر المهرجانات السينمائية الدولية”.

هكذا يقرر مالك خوري بيقين، وفي أول فقرة من كتابه “المشروع القومي العربي في سينما يوسف شاهين”، الذي ترجمه حسن بيومي (وصدر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة) أهمية وتميز سينما يوسف شاهين فيكشف عن سبب إختياره لها ليدرسها في كتابه.

أما الهدف من الدراسة فهو إعادة وضع علاقة شاهين بالسينما في بيئتها ومصادرها وجمالياتها العربية، وفي السياق الخاص بالمشروع القومي العربي، فهو “يركز على كيف ساهمت أعمال شاهين باتساق في هدم أسطورة الهوية القومية العربية المتجانسة، وفي الوقت ذاته تعيد بناء مفهوم الأمة والهوية القومية العربية باعتبارها مفهوما غير متجانس ومكمل لمشروع التحديث طويل المدى”. فأعماله تشمل أربعة وأربعين فيلما تجسد فحصا ثريا ونقديا للتاريخ السياسي والثقافي والإجتماعي في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين.

مشروع غير منجز

يضع الكتاب سينما شاهين تاريخيا داخل نطاق المشروع القومي العربي، إضافة إلى وعيه بتطور سينما شاهين وكيفية عكسها للنضالات الأيديولوجية والإجتماعية والسياسية في أربع فترات تاريخية حاسمة.

يبدأ بفصل يتعامل مع المشروع القومي العربي باعتباره مشروعا غير منجز، ومسعى لم يتم، ويدرس سينما ما قبل يوليو 52، المتزامنة مع بدايات سينما شاهين، بعده يتناول أفلام شاهين في الخمسينيات واهتمامه المبكر بقضايا التغيير الإجتماعي وكيف تناول ذلك في أعماله، وكيف التقت السينما الشعبية عند شاهين بأفكار نضال ما بعد الإستعمار والوحدة العربية، وهي الأفلام التي شكلت شهرته باعتباره مؤيدا للتضامن العربي ولثورة عبدالناصر، ومن أشهر أفلام هذه المرحلة: “الناصر صلاح الدين”، في سياق عزز اعتباره فيلما سياسيا، فبينما انطلق مشروع شاهين من دافع شخصي لتقديم ملحمة تاريخية شبيهة بملاحم هوليود، فإن مغزى الفيلم يظل ملتزما بالخطاب السياسي لعصره.

مثل الفيلم بداية قوية للتطورات التقنية الخاصة بمشروع سينمائي عربي جديد، كما مثل تعبيرا قويا عن السينما في وقت دار فيه خطاب التحرر الوطني حول تقرير المصير، فالفيلم يعيد تقديم التاريخ وعينه على الحاضر “فلم يكن تعامل شاهين مع التاريخ بغرض تقديم الأحداث التاريخية بل كان يستخدمها كعدسات على الحاضر، وبهذا المعنى تنشأ ملاحمه كقصص رمزية”.

لكن بعده عكس فيلم “الناس والنيل” نقطة تحول أخرى في مسيرة شاهين، حيث لعبت رؤيته الذاتية للأحداث دورا في تعريفه السينمائي لها. فالفيلم يعكس رؤيته للمشروع القومي برسمه صورة غير متجانسة للمجتمع المصري، كما أنه قدم صورة بديلة للأمة تجاوزت الرؤية الرسمية للوحدة الوطنية، فأظهر خاصيتي التنوع والوحدة معا.

أما فيلم “الأرض” فعاد فيه شاهين إلى اهتمامه القديم قبل ثورة يوليو بقضايا الفلاحين، وإذا كانت القصة الأصلية مروية بضمير المتكلم لراو واحد فإن الفيلم أظهر وجهات نظر متعددة تتيح له التركيز على الجوانب البصرية لبيئة أحداث الفيلم، كما أن كل شخصية في الفيلم توظف كامتداد لفعالية طبقية واجتماعية وثقافية، بما يعكس تعقد الحياة في القرية، ويعكس صور مقاومة الفلاحين لهيمنة الإقطاع، وقد أظهر الفيلم مدى تطور الإلتزام السياسي لشاهين مع نجاحه في الإرتقاء بالسينما الواقعية العربية.

المخرج الضال

أحدثت هزيمة 1967 تغييرات سياسية تلمسها شاهين في ثلاثية أفلام الهزيمة، وهي تضم “الإختيار” و”العصفور” و”عودة الإبن الضال”، يقارن شاهين بينها وبين فيلم “الأرض” فيقول: “الأرض عن قصة رجل يختار المقاومة ويرفض الإستسلام، بينما فيلم الاختيار يتناول قصة رجل يقرر الاستسلام ويقبل بالهزيمة، لكنه بمرور الأيام يكشف عن خيانته لذاته بتسليم روحه لانفصام الشخصية”.

زادت حدة التغييرات بالرحيل المفاجىء لجمال عبدالناصر، وقد مثلت الفترة التالية مباشرة لرحيله مرحلة جديدة بالنسبة للصناعات الثقافية، ومرت السينما المصرية بأزمات ناتجة عن انحسار عدد دور العرض إضافة للتأثير المتزايد للتليفزيون، فلجأ البعض للإنتاج الأجنبي كما فعل شاهين في فيلميه “العصفور” و”عودة الإبن الضال”، وهي التجربة التي عاد لها مع أفلام “وداعا بونابرت” و”اسكندرية كمان وكمان” وفي أفلام أخرى تالية.

ورغم منع عرض فيلم “العصفور” في مصر وهجوم الدوائر اليمينية عليه إلا أن الفيلم مازال يحظى بتقدير كبير ومنذ عرضه فى مهرجان سينمائي بلبنان في سبتمبر/أيلول 1973 وقد اعتبره الناقد على أبوشادي بداية مرحلة جديدة في تطور لغة شاهين السينمائية، خصوصا فيما يتعلق باستخدامه لزوايا تصوير غير مألوفة، وطريقته في تطوير الشخصيات وتوظيفها رمزيا إضافة إلى الإستخدام الفعال للموسيقى.

أما من حيث المضمون فقد مثل الفيلم أول محاولة سينمائية عربية جادة للتعامل مع آثار الهزيمة. وقد اعتبره نقاد غربيون تعبيرا عن خيبة أمل شاهين في ثورة عبدالناصر إلا أن المخرج نفى ذلك مؤكدا على أن نقده من داخل الثورة لا من خارجها.

وعموما مثّل الفيلم استهلالا لمرحلة جديدة في سينما شاهين، حيث إنه أدخله مرحلة الاستقلال المؤسساتي عن الحكومة المصرية، وهو الأمر الذي أصبح عنصرا مكملا في الأفلام التالية للمخرج. وأولها “عودة الإبن الضال” الذي عكس قلق صانعه إزاء ما يحدث في مصر من تغييرات سياسية وإجتماعية، أما أسلوبيا فقد ابتعد الفيلم عن تقاليد السينما الشعبية مصريا وعربيا، فقد مزج بين أنماط الفيلم الموسيقي والفيلم البوليسي، وهو مبني على التعبير التصويري للشخصيات والأحداث المتحقق من خلال مونتاج قلق وإضاءة غير طبيعية وميزانسين تجريدي.

وفي أواخر السبعينيات مزج شاهين بين الذاتي والتاريخي في “إسكندرية ليه”، وبدأ في تقديم معالجات سياسية وجمالية جديدة لقضية الهوية القومية العربية. فالفيلم الذي مثل أول سيرة ذاتية سينمائية عربية، وتلاه “حدوتة مصرية” و”إسكندرية كمان وكمان”، ففي الفيلم الأول صور الحلم بالثورة، وفي الثاني قرن أزمة الثورة بأزمته الصحية بينما الثالث قدم صورة للصراع من أجل الديموقراطية.

وفي ثلاثتهم قدم معالجة لفكرة الاختلاف الديني داخل المجتمع العربي، في محاولة لفهم كيفية تشكل الهوية والإختلاف الثقافي في التاريخ العربي.

وهكذا تكشف فصول الكتاب عن فهم يوسف شاهين لصنع الأفلام على أنها ممارسة سياسية وثقافية تعيد تفسير الواقع والتاريخ الإجتماعي من خلال إحساسه بالهوية العربية، والمشروع القومي العربي ذاته باعتباره مشروعا غير منجز أيديولوجيا وسياسيا. (خدمة وكالة الصحافة العربية).

تم نشر الدراسة الأصلية بقلم محمد رجب في (ميدل ايست أونلاين) من هنا

المكان والإنسان.. في سينما محمد خان

لو سألتني عن أفضل افلام فى سينما محمد خان فأكيد سيكون من بينها فيلم “الحريف”، ولو كانت هناك أفلام تشهد على موهبة المشخصاتى لا النجم عادل إمام فسيكون من بينها فيلم “الحريف”، ولو كانت هناك أفلام مميزة تناولت حياة المهمشين فسيكون من بينها نفس الفيلم.

عُرض الفيلم عام 1984، كتب قصته محمد خان وبشير الديك مثل افلام كثيرة انفرد الثنائي بقصتها، فهي أفلام أصلية مكتوبة للسينما، ليست مأخوذة عن رواية أو افلاما أخرى أو مقتبسة عن سينما الغرب. وانفرد الديك بالسيناريو والحوار ليدشن نموذجا ناضجا لما يطلق عليه “فيلم الشخصية”، فى هذه النوعية القليلة فى السينما المصرية تختفى الحبكة التقليدية، وتصبح المشاهد ضربات فرشاة فى لوحة الشخصية المحورية، عندما تكتمل الملامح ينتهى الفيلم، ولكن البطل هنا ليس فارس العامل فى ورشة الأحذية فقط، ولكن يشاركه البطولة الشارع ، تفتتح الفيلم كلمات أمينة جاهين بصوت أحمد زكى:

“فيه ناس بتلعب كوره في الشارع .. وناس بتمشي تغني .. تاخد صوره في الشارع .. في ناس بتشتم بعض .. تضرب بعض .. تقتل بعض في الشارع .. في ناس تنام ع الأرض في الشارع .. وناس تبيع العرض في الشارع .. في الشارع أخطاء كتير صبحت صحيحه .. لكن صحيح هتكون فضيحه .. لو يوم نسينا وبوسنا بعض في الشارع” .

فى أفلام خان يبدو المكان والإنسان وجهان لعملة واحدة، مهنة فارس صنع الأحذية، والحذاء أيضا وسيلته للعب الكرة فى الساحات، انفصل عن زوجته، ولكنه يحتفظ بحبها، أما ابنه فهو نقطة ضعفه، وعنوان بهجته، الكرة لم تصنع له ثروة، لأنه يلعب فى دورى المهمشين غير الرسمى، ولأنه يتعرض للإستغلال من مهمّش آخر (عبد الله فرغلى)، بطلنا ليس شريرا بل “فارس”، الاسم الذى يستخدمه خان كثيرا لتمجيد أبطاله، عندما قلت له : “أنتم نشأتم فى زمن عبد الناصر.. لذلك ظل البحث عن فارس يلازمكم حتى بين الغلابة” ، أعجبه المعنى كثيراً، ضحك ولم يعلّق.

فيلم “الحريف” بورتريه بحجم أحلام الناس العادية، منسوج بتفاصيل إنسانية مؤثرة، واقعية خان ليست خشنة أو صادمة، هو يحافظ على واقعية المشهد، ولكنه يترك بينك وبينه مسافة لكى تتأمله، شريط الصوت كيان حى، تستطيع أن تصف هذا الشريط عنده بأنه فيلم مواز من الصمت والأصوات، كاميرا سعيد شيمى تلتقط أدق التعبيرات، تم التصوير فى ساحة عبد المنعم رياض، الفيلم من إنتاج أفلام الصحبة مبدعى فيلم “سواق الأوتوبيس”، جمعوا قروشهم، واعتمدوا على أنفسهم، عاطف الطيب يتابع الإنتاج، كان الدور أصلا لأحمد زكى، اختلف مع خان، ذهب الدور لعادل إمام، الممثلون الموهوبون الذين يتحولون الى نجوم، تختلط نجوميتهم مع الشخصيات التى يلعبونها، يبدون على الشاشة فى معظم الأحيان بنفس شخصيتهم كنجوم، يقدمون فى كل عمل “الشويتين بتوعهم”، أفلام قليلة جدا توارى فيها النجم عادل إمام، ليفسح الطريق للشخصية المكتوبة التى يلعبها، فى “الحريف” أحد نماذج هذا الاستثناء، مغزى الفيلم هو أن الشوارع ليست أماكن، ولكنها بشر وحواديت، ومعنى رحلة فارس الحريف هو أن فروسية المهمشين من نوع خاص، إنها فى قدرتهم على التحايل لكسب الرزق، وانتزاع لقمة العيش، وإنقاذ الحب والعاطفة رغم كل الظروف، هذه التنويعة هى نغمة محمد خان الأثيرة: القاهرة والناس بنظرة شاعرية ومتعاطفة.

ذكرى شخصية أخيرة: قرأت عن الفيلم قبل أن أشاهده بسنوات، لفت نظرى الهجوم الساحق الذى قاده ناقد شهير (هو الراحل أحمد صالح) متهما خان بسرقة فيلم “روكى” الشهير، مع تغيير أحداثه من الملاكمة الى الكرة، أتذكر أن خان قام بالرد، عندما شاهدت الفيلم، اختلفت مع الناقد الشهير فى رأيه، طبعا خان تأثر بالسينما العالمية، ولكنه لم ينقل فيلم “روكى”، لا يكفى أن يكون البطلان مهمشين ولهما ابن لكى نتحدث عن النقل، الأهم من ذلك أجواء وتفاصيل الفيلم المصرى: “روكى” هو فى كل أجزائه التنويعة الأشهر على فكرة الصعود وتحقيق الحلم الأمريكى بكل خصوصيته، أما “الحريف” فليس فيه صعود وإنما دوران، فارس يظل فى طبقته لايغادرها، بل إنه لن يغادر الشارع (من الساحة الى التاكسى)، والفوز فى مباراة لم يعد وسيلة للصعود وتحقيق الذات أو للإلتحاق بفريق فى الدورى الممتاز، ولكنه أصبح مجرد وسيلة لإدخال السرور على ابنه، “روكى” أحرز هدفا حقيقيا فى مرمى الفشل، أما هدف فارس فهو إعتبارى وشرفى.

ومن الحب ما قتل!.. إنذار بالطاعة

هل يمكن للحب أن يكون قاسياً؟..بلا شك نعم!.. وهو ما يظهر بشكل واضح في فيلم إنذار بالطاعة، الذي يحكي قصة حب صعبة ومعقدة تصل حد اﻹيذاء بين الشابة الجامعية أمينة، والمحامي المطحون إبراهيم. يبدأ الفيلم بمشاهد شديدة الحميمية، تورطك منذ الدقيقة اﻷولى في قصة حب أمينة وإبراهيم، وسرقتهم للحظاتهم الخاصة، يسرق عاطف الطيب انتباهك الكامل منذ اللحظات الأولى، تخطفك رومانسية أمينة وإبراهيم، وتدفعك للاعتقاد أنك أمام رومانسية حالمة، ربما يعكر صفوها بعض المنغصات، لكنك بالتأكد لن تتوقع ما سيحدث خلال الدقائق المقبلة.

يغزل الطيب وخالد البنا -السيناريست- شخصيات الفيلم بشكل بديع على الشاشة، ولا يكتفيان ببطلي الفيلم فقط، وإنما ينعكس ذلك على بعض الشخصيات المساعدة أيضًا، فتظهر ملامح الطمع والجشع في أول لقطة لظهور أم أمينة، وتبدو غُلب وقلة حيلة اﻷب واضحة أيضًا، تستمر شخصية اﻷم في عنفها وصلفها طيلة الوقت، حتى قرارها في نهاية الفيلم يوضح مدى التماسك في كتابة شخصيتها، أما اﻷب فتسيطر عليه منذ البداية مشاعر حبه وتعلقه بأمينة، وحتى حينما يقسو عليها، نجده مرة أخرى في واحد من أفضل مشاهد الفيلم، يجلس مع ابنته، التي تصارحه بتفاصيل، يصعب على أي أب سماعها من ابنته، لكنه يتلقاها بهدوء وطيبة شديدة، ويحاول مساعدة ابنته للخروج من أزمتها.

من تسليط الطيب الضوء على مشكلات الشباب في فيلمه، حاول أيضًا تقديم أزمات أصدقاء إبراهيم، الذين لا تختلف أحلامهم كثيرًا عن أحلام إبراهيم وهي العثور على وظيفة مناسبة وشقة وزوجة، لكن طرقهم ربما تختلف بعض الشيء، فحين يسيطر الحب على إبراهيم، تسيطر فكرة السرقة على “أشرف” ويعاونه فيها “سيد”، قبل أن يُسجن الاثنين، ليتحولا فيما بعد للفكر المتشدد، ربما لم يتسم هذا الخط بالتماسك اللازم، وشابه بعض التساهل في الاهتمام بالتفاصيل، حتى أن نهايته لم تكن جيدة، فالتحول المفاجئ في شخصية سيد وأشرف جاء غير مقنعًا بالمرة.

الشد والجذب في علاقة أمينة وإبراهيم من جهة أخرى، كان من أكثر الخطوط جذبًا في الفيلم، وتم تصوير العلاقة بشكل رائع على الشاشة، فينقلك الطيب من حالة السعادة الشديدة وأنت تشاهد مشاهد الحب بين الثنائي، إلى السخط الشديد على إبراهيم، الذي يتخذ العنف والجنون طريقًا للوصول إلى حبه، وقد تجد نفسك في بعض اﻷوقات مستمتعًا بهذا الحب المجنون، وتمسكه الشديد بأمينة. تتشكك أحيانًا في نوايا إبراهيم الحقيقية، هل هو فعلا يحبها، أما أن هذا الصراخ والضجيج كله لا يخرج عن كونه غضب لخسارة شيئًا كان يمتلكه، وإذا كان يحبها فعلًا كيف له أن يؤذيها بهذا الشكل، لكنك تتأكد في النهاية أن هذه شخصيته، وهذه هي عقيدته في الحب، وإن لكل مُحب طريقته. الفيلم في المجمل، يمثل حالة خاصة من بين أفلام عاطف الطيب، فأنت أمام قصة حب غير عادية ﻷشخاصٍ عاديين.