مسرح شكسبير على شاشة السينما المصرية

مامن فنان أو طالب في معهد المسرح الا ومرت عليه فتره من حياته، كان يتقمص فيها شخصية من روايات مسرح شكسبير.. ذلك الأديب الأنجليزي الشهير الذي قدمت السينما العالمية تقريبا كل رواياته، في منافسه كبيرة مع خشبة المسرح.. دعونا اليوم نتعرف على بعض الأفلام المصرية التي جسدت للمشاهد العربي روايات شكسبير.. ونرى مدى التزامها بالأصل المسرحي، او اختلافها عنه..

وليم شكسبير

تقريبا لايوجد كاتب أو أديب تمت اقتباس رواياته وأفكاره على مستوى العالم، مثل الكاتب المسرحي الكبير وليم شكبير، الأديب الذي ترجمت اعماله الى كل لغات العالم تقريبا.. كما تم تقديم مسرحياته على كل المسارح بجميع المستويات.. من مسارح الهواه، للمسرح التعليمي وطلبة الفنون، للمسرح التجريبي، للعروض التجارية لكبار الفنانين، ايضا عندما ظهرت السينما مطلع القرن العشرين، كانت اعماله حاضرة وبقوة، وعلى مستوى عالمي!.. تقريبا لا يوجد بلد تقدم في السينما الا وقدمت على الأقل عمل واحد من اعمال شكسبير، بصورته التقليدية كما رسمها المؤلف بقلمه، او عمل مقتبس عنه ولكن بنفس الفكرة..

نجاح روايات مسرح شكسبير في اي مكان تقدم فيه جعلها مصدر إلهام قوي لكتير من المؤلفين، على مدار العصور. وفي دراسة رائعة للأستاذ محمود قاسم بعنوان (الأقتباس في السينما المصرية) قدمت الأعمال المصرية المقتبسه عن اصل اجنبي.. نجد اسم وليم شكسبير فيها من اكتر المؤلفين الذين قدمت السينما المصرية اعمال مقتبسه عن رواياتهم. وطبعا لن نستعرضها كلها هنا لكن تعالوا نستعرض بعض امثلة منها..

 (روميو وجولييت)

ومن اشهر قصص شكسبير على الأطلاق، قصة روميو وجولييت العاشقان الذان جمعهما الحب وفرقهما الصراع القديم بين العائلتين.. روميو الذي يقابل جولييت بالصدفة ويتولد حبهما من النظرة الأولى!.. تتعدد لقاءاتهما التي يعبر لها عن حبه بشكل رومانسي وجميل ومثالي، الى ان يقررا الإرتباط.. فيظهر الصراع القديم بين العائلتين ويرفض ذلك الأرتباط، ولكن روميو وجولييت لا يقبلان تلك النتيجة ويقررا الأحتفاظ بحبهم على طريقتهما الخاصة، و تكون نهايتهما المأساوية المعروفة..

القصة اشتهرت اكتر على خشبة المسرح، وفي اكتر من شكل في مسارح الهواه، ظهرت في السينما المصرية لأول مرة في فيلم (ممنوع الحب) للمخرج محمد كريم، انتاج عام 1942. قدم المخرج القصة من وجهة نظر مصرية بحته في صورة اتنين عاشقين يجمعهما الحب رغم اختلاف العائلتين. نفس الحبكة تقريبا ولكن تم تغيير النهاية الى نهاية سعيدة.. لأن الجمهور المصري في ذلك الوقت لم يكن ليتقبل النهايات المأساوية!..

قدم محمد عبد الوهاب ورجاء عبدة اغاني مازالت تتغنى حتى الأن، كما دخلت الكوميديا في كثير من أحداث الفيلم لا سيما سبب الصراع بين العائلتين، مما جعل الفيلم من اكثر افلام عبد الوهاب نجاحا وقبولا بين الناس..

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

بعده وفي عام 1944 قدم المخرج كمال سليم نفس القصة في فيلم (شهداء الغرام) لليلى مراد وابراهيم حموده، والتي يعتبر اقرب من معالجه محمد كريم لقصة شكسبير.. تدور احداث الفيلم في العصر المملوكي، حينما تلعب الصدفة دورها في لقاء بدر بك الشريف مع وفاء بنت الجزار.. ويتولد الحب بينهما من النظرة الأولى رغم العداوة الشديدة بين العائلتين، ويقررا الهروب والزواج، فتلجأ وفاء لطبيب يمنحها دواءا منوما له نفس اعراض الموت لوقت معين، بعدها تفيق مرة اخرى وتهرب مع حبيبها. ويوصل الخبر متأخرا لبدر بك، والذي يفهم الموضوع بشكل خاطئ ويذهب ليلقي نظرة الوداع على وفاء في قبرها ويقرر ان يتجرع سما حقيقيا ويموت الى جوارها!.. وتفيق وفاء من نومتها وتدرك حقيقة الأحداث فتقرر انها تتجرع من نفس السم اللي شربه حبيبها وتنهي حياتها بيدها!.. القصة اقرب مايكون للأصل الشكسبيري، ولاتوجد قصة مثيلة لها في السينما تقريبا..

ظهرت بعد ذلك نفس الفكرة في افلام اخرى اخرهم كانت (حبك نار) للمخرج ايهاب راضي وانتاج عام 2004 والذي قدم فيها مصطفى قمر ونيللي كريم معالجه عصرية للقصة..

(ترويض الشرسة)

رواية ترويض النمرة

وتعد من اظرف قصص شكسبير قصة ترويض الشرسة أو “النمرة”.. واللي تقدم تيمة المرأة المتمردة التي يتم ترويضها والتغلب على شراشتها بالحيلة، وكذا اظهار الجانب الرقيق الجميل من المرأة. القصة الأصلية تدور احداثها في القرون الوسطى وتحكي عن تاجر غني لديه ثلاثة بنات، اكبرهن واجملهن هي كاترين والتي اشتهرت بالعند والقسوة خصوصا مع الرجال. كلما تقدم لها عريس تقابله بالرفض والسخرية بطريقه بتمنع غيره ان يتقدم لها من الأساس. وكان والدها يرفض ان يزوج اخوتها الأصغر منها قبلها. ولذا يعلن عن مكافأة، مبلغ كبير من المال لمن يفوز بقلبها ويتجوزها.. ويتقدم شاب اسمه باتريتشيو، معروف بحبه للمال ليتجوز كاترين رغم انه لايوجد اي عاطفه بينهما.. ويضطر لأنه يدعي الجنون ويرعبها بكلامه ونظراته لكي تهابه أمام والدها وتقبل الزاوج منه. ومع طول عشرتها معه يظهر كل منهما بشكله الحقيقي، ويجد ضالته في الأخر.. وينجح باتريتشيو في النهاية في ترويضها..

ظهرت تلك القصة في اكتر من عمل على شاشة السينما المصرية، اقربهم للقصة الأصلية هي فيلم (اه من حواء) للمخرج فطين عبد الوهاب انتاج عام 1962.. عندما ذهب الدكتور حسن البيطري، يداوي حيوانات مزرعة الوجيه امين بك.. فيصطدم بأميرة البنت العنيدة المتمردة، ويرى بنفسه مدى المأساة التي يعيش فيها جدها واختها بسبب تمردها وعصبيتها.. فيقرر انه يساعد الجميع في ترويضها..

المعالجة كانت كوميدية قدم فيها رشدي اباظة ولبنى عبد العزيز مشاهد كتيرة من كوميديا الموقف الراقية، ومازالت افيهاتها ولزماتها تحيا بيننا لليوم على السوشيال ميديا، ايضا مازال الفيلم يحوز على تقييمات ومشاهدات عاليه على الفضائيات واغلب مواقع التحميل..

ظهرت ايضا القصة ولكن بشكل مختلف في فيلم (الزوجة السابعة) للمخرج ابراهيم عمارة انتاج عام  1950.. الموضوع هنا ليست امرأة عنيدة يتم ترويضها.. ولكن زوج غني ومستهتر يتم ترويضه وكسر انفه باسم الحب.. القصة كتبها ابو السعود الأبياري وقدمها محمد فوزي وماري كويني بشكل كوميدي.. ظهر معهم اسماعيل ياسين وكان اضافة رائعة للقصة وزيادة في الجانب الكوميدي فيها..

واخر الأفلام اللي عالجت قصة ترويض النمرة هو فيلم (استاكوزا) للمخرجه ايناس الدغيدي انتاج عام 1996 والتي ظهرت به المعالجة بعيدة عن القصة الأصلية.. تحكي عن عباس مهندس الديكور الذي يباشر اعمال تشطيب فيلا عصمت هانم الثرية العنيدة.. والتي تكلمه بكثير من العنجهية، الأمر الذي لا يقبله عباس، فتعتدي عليه عصمت وتسبب له عاهة مستديمة، ولكي تهرب من التعويض الكبير الذي ستمنحه اياه المحكمة، توافق عصمت على الزواج من عباس والذي بيستغل الفرصة كي يذلها ويحصل على حقه منها!.. المعالجة نفسيه فنتازية اكتر منها درامية، قدمتها ايناس الدغيدي كما عودتنا في قالب .. للكبار فقط!..

(عطيل)

رواية عطيل

وتعتبر قصة الأمير عطيل من اشهر قصص شكسبير التي يعرفها طلبة مسرح الجامعة أو طلبة المعهد، تحكي عن الغيرة والشك والحقد.. غيره الزوج عطيل الأمير الذي يعيش في فينيسيا من اصول شرقية، والذي كان يشك في زوجته ديدمونة والتي يحبها كثيرا، وتكون في نفس الوقت بريئة من اتهاماته وظنونه!.. والحقد الذي يتولد عند الصديق القريب اياجو والذي تدفعه الغيرة من صديقه او سيده على انه يوقعه في مشاكل كتير.. القصة تعتبر قماشة عريضة يخرج منها معالجات كتير وبأفكار كتير وأشكال كتير جدا .. سواء قربت من الحبكة الأصلية او بعدت عنها..

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ظهرت القصة لأول مرة في فيلم (الشك القاتل) للمخرج عز الدين ذوالفقار انتاج عام 1954 والذي يحكي عن زوج يشك في وجود علاقه بين زوجته واحد اصدقائه.. يراقب الزوج تصرفاتها ويحاول انه يحصل على دليل ادانه، فتقوده اوهامه وظنونه لأدله كتيرة! ويدبر جريمة لقتل زوجته ولكنها تنجو منها في اخر لحظة. وينصدم الزوج ويقرر انه ينهو حياته بنفسه كي يهرب من ظنونه!.. النهاية كما رأينا بعيدة كثيرا عن قصة شكسبير الأصلية، ولا يوجد بها الضلع التالت ألا وهو الصديق الذي يغار من صديقه ويحقد عليه ويوقعه، والذي استبدله المخرج بظنون البطل ذاته فجعلها هي التي توقعه!.. ولكن على كل حال، تحمل القصة نفس التيمات التي في الحبكة الأصلية وان اختلفت النهاية. ويعتبر الفيلم هو اول عمل يجمع بين محمود ذو الفقار وزوجته في هذا الوقت الفنانة مريم فخر الدين..

وفي معالجة شعبية لرواية عطيل، تظهر في فيلم (المعلمة) تأليف واخراج حسن رضا وانتاج عام 1958. ظهر فيها المعلم عباس، الرجل الذي يحمل في جنباته كثير من الشكوك والظنون في كل من حوله.. وساوس كتير زرعها في صدره صديقه المعلم حافظ واللي كان يحقد عليه منه ولديه اطماع في الزواج من زوجته المعلمة توحة. فيبدأ حافظ بتدبير مكيدة لعباس يدخل بعدها ذلك الأخير للسجن.. فهل ستوافق المعلمة توحة ان تتخلى عن زوجها وتتزوج من المعلم حافظ؟؟.. القصة تبدو قريبة كتيرا من الأصل الشكسبيري وان كانت الأجواء والزمان والمكان مناسبه أكثر للبيئة المصرية الشعبيه الأصيلة..

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

واخر القصص اللي عالجت رواية عطيل ظهرت في فيلم (الغيرة القاتلة) للمخرج عاطف الطيب والذي يعتبر اول افلامه التي قدمها عام 1982. لعب فيه نور الشريف دور عطيل، ولعبت نورا دور ديدمونة، وقام بدور اياجو الخائن يحيى الفخراني. وبرغم انه القصة تعتبر قديمة لكنها نجحت في تقديم اوراق اعتماد عاطف الطيب للنقاد والجمهور كمخرج جديد، ليكون واحدا من اهم جيل التمانينات واكبر المخرجين في السينما المصرية عموما..

(الملك لير)

رواية الملك لير

من اشهر قصص شكسبير المعروفة في المسرح التجريبي، هي قصة الملك لير.. ملك انجلترا الأسطوري الذي عاش كفارس من اقوى الفرسان، كان لديه ثلاث بنات، حينما تقدم به العمر قرر ان يقسم مملكته على بناته، فجمعهم وطلب من كل منهم ان تعبر عن الطريقه التي تحبه بها!.. قالت الأولى له انا احبك مثل موج البحر عددا. وقالت الثانية وأنا احبك قدر عدد البشر الذين خلقهم الله منذ ادم والى قيام الساعة!.. أما الأخيرة فرفضت النفاق وقالت له انا احبك مثل اي بنت تحب اباها الذي ليس لها سواه!.. فيغضب عليها الملك ويشعر انها لا تحبه، ويقرر ان يطردها من مملكته ويقسمها على بناته الأثنتين فقط!.. قتذهب الثالثة الى ملك فرنسا واللي يقرر الزواج منها لما لمسه فيها من رفض الطمع، أما الأختان فذهب ميراثهما الى زوجيهما الطامعين في ميراث الأب الملك لير..

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

القصة طبعا تدور في اجواء وعادات انجليزية بحتة!.. كان لابد وأن تتغير كتير لتناسب البيئة المصرية والمشاهد العربي عموما، وهذا ما فعله السيناريست عبد الحي اديب حينما كتب قصة فيلم (الملاعين) للمخرج احمد ياسين انتاج عام 1979 والذي يحكي عن الأسناوي بك الذي يقع في مشاكل مع بناته سميرة وفافي، ويتنكر لأبنه نبيل وبيرفض الأعتراف ببنوته، ولكن مرضه واحساسه بقرب نهايته يدفعه الى تغيير موقفه من الجميع..

كما رأينا المعالجة بعيدة كثيرا عن الأصل الشكسبيري، وان كانت تأخذ من خطوط الحبكة.. نفس المعالجة التي ظهرت مرة اخرى في فيلم (حكمت المحكمة) للمخرج احمد يحيى انتاج عام 1981 ولكن هذه المرة نجد التأمر من البنت ضد أبيها!.. تدور الأحداث حول القاضي السابق جلال بك والذي يتزوج ليلى ممرضته السابقة، فيرفضها بناته.. وتتأمر عليه ابنته الكبيرة ايناس وزوجها حينما يعثرا على مستند قديم يثبت ان والدها قضى فترة من حياته في مصحة للأمراض النفسيه.. حينها يقررا الحجر عليه والأستيلاء على امواله.. فكيف يتصرف القاضي السابق؟؟..

المعالجة ايضا كانت بعيدة قليلا عن حبكة شكسبير، تدور في جو اسري اجتماعي يغلب عليه روح التفكك والتباعد بين الأب وبناته، بغض النظر عن التأمر من من ضد من!.. لعب دور البطولة في الفيلمين الملك فريد شوقي، والذي بينجح كل مرة في كسب تعاطف الجمهور رغم اختلاف دوره في المعالجتين..

ومازال الى الأن مسرح شكسبير ملهما لكتير من الكتاب والمخرجين لأنتاج العديد من الأفكار المقتبسه عنه..

فكهاني الكلمة.. مرسي جميل عزيز

مرسي جميل عزيز.. فارس الغناء ومُبدع كلماته، جواهرجي وفكهاني الكلمة ومالك زمامها الذي طوّعها لكل الألوان، فحفظ توازنها وهدوءها فجاءت كثيفة هادرة قافزة كل الحدود، عاطفية ووطنية وإنسانية ودينية، هو الظاهرة ذات الطابع الخاص الذي امتطى جواد الشعر وداعبه وعانقه فانطلقت الأغنيات لتروي قصصًا، فأصبحت القلوب تميل كل الميل إلى حكاياته، وهو شاعر الألف أغنية وعمالقة الطرب، الذي نهل من كل بستان زهرة، وكان لهم هو البستان، ليصنع رحيقًا لا يُمحى من ذاكرة الجمهور العربي رغم مرور السنوات.

ميلاد الفكهاني مرسي جميل مرسي عزيز، المولود في 15 فبراير 1921، بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، نجل تاجر الفاكهة، الذي أشبع ميول نجله واهتماماته الأدبية والفنية منذ صغره، فحفظ الكثير من آيات القرآن الكريم، والمعلقات السبع كاملة، وقرأ لكثير من الشعراء يتقدمهم بيرم التونسي، وبدأ مرسي حياته المهنية كتاجر فاكهة مثل والده، حتى أنه تأثر بنداءات الباعة على الفاكهة وبالأغانى الشعبية واستوعبها. نواة الفارس تتشكل ظهرت ميول جميل الشعرية مبكرًا وتحديدًا في سن الثانية عشرة، حيث كان أول ما كتبه من شعر في حياته، في رثاء أستاذه، وحصل على البكالوريا من مدرسة الزقازيق الثانوية عام 1940، والتحق بكلية الحقوق، وهناك أصبح رئيسًا وعضوًا لعدة جماعات أهمها الشعر، والآداب، وفنون التصوير، والموسيقى، والتمثيل، كما انضم لفريق الرحلات، وفيما بعد لم يكتف بموهبته لكتابة الشعر فدرس اللغة العربية والشعر والأدب والتراثين العربي الحديث والقديم، وكذا الأدب العالمي وأصوله ونظرياته وقواعده النقدية، وحصل على دبلوم في فن كتابة السيناريو عام 1963.

بداية الرحلة كانت أول أغنية تُذاع لعزيز في الإذاعة المصرية عام 1939، واسمها «الفراشة»، ولم يتجاوز عمره وقتها 18 عامًا، ولحنها الموسيقار الكبير رياض السنباطي، وفي نفس العام ذاعت شهرته عندما كتب أغنية «يا مزوق يا ورد لي عود»، التي غناها المطرب عبد العزيز محمود، وبعدها بدأ رحلة شعرية طويلة لا تزال آثارها قائمة. صانع الكبار كتب مرسي كلمات لكبار الملحنين ليغنيها أيضا كبار المطربين والمطربات، حتى تحول إلى أهم شعراء الأغنية في تاريخ مصر بالقرن الماضي، إذ غنت له الست أم كلثوم الثلاثية الشهيرة التي لحنّها بليغ حمدي: «سيرة الحب، فات المعاد، ألف ليلة وليلة»، وغنى من كلماته عبد الحليم حافظ، وكان له النصيب الأكبر بـ35 أغنية، بدايةً بـ«مالك ومالي يا أبو قلب خالي»، مرورًا بـ«نعم يا حبيبي، بأمر الحب، يا خلي القلب، بتلوموني ليه، في يوم في شهر في سنة»، وغيرها.

مرسي هو الشاعر المعاصر المصري الوحيد الذي غنت له السيدة فيروز قصيدته «سوف أحيا» وصار اللقاء بينهما نقطة فارقة، ليس في مسيرته الإبداعية فحسب، بل فى الحياة الثقافية العربية بوجه عام، وأصبحت الأغنية بعدها واحدة من أهم الأغنيات في تراث الإذاعة المصرية، حيث سُجلت في استديوهاتها أثناء زيارة فيروز والرحبانية إلى القاهرة. وساعد الشاعر في نجاح العديد من المطربين إذ أن أغنياته ساهمت في شهرة فايزة أحمد، إذ كان أول من آمن بموهبتها وقدّمها في الإذاعة المصرية بعد أن جاءت من سوريا، ومن أغانيه لها «تمر حنة، يامه القمر ع الباب، ليه يا قلبي ليه، حيران، بيت العز»، وكذلك محرم فؤاد، الذي ألّف له كلمات فيلمه الأول مع السندريلا سعاد حسني «حسن ونعيمة»، كما تعاون مع الراحلة شادية، في عدة أعمال منها أغاني فيلم «الزوجة 13»، وقدّمت أجمل أغانيها «على عش الحب، وحياة عينيك»، وأيضًا صباح وفريد الأطرش ومحمد قنديل ووردة ونجاة، وغيرهم وصولًا إلى هاني شاكر ومحمد ثروت. المتنوع الشامل مرسي ألّف أغاني لـ25 فيلمًا بدأها بـ«مبروك عليكي» عام 1949، واختتمها بـ«مولد يا دنيا» عام 1976، وأشهرها أفلام: «حكاية حب، أنا وبناتي، المرأة المجهولة، أحبك يا حسن، أدهم الشرقاوي، الشموع السوداء، ويوم بلا غد».

تنوعت حالات أغانيه بين طابع التفاؤل كـ«ليه تشغل بالك، ضحك ولعب»، والقصيدة الشعرية والأغنية الإنسانية التأملية مثل «غريبة منسية، وأعز الناس»، وكتب أيضا عدة أغانٍ وطنية منها «بلدي يا بلدي» لـ«حليم»، و«بلدي أحببتك يا بلدي» للراحل القدير محمد فوزي. الزواج والتكريم تزوج الشاعر الراحل في عام 1946 وأنجب ابنًا واحدًا هو اللواء «مجدي»، وثلاث بنات هن «وجدان» المحامية، الدكتورة «ماجدة» أستاذ الفلسفة، والدكتورة «نهاد» طبيبة الأطفال، وكرمته الدولة بوسام الجمهورية للآداب والفنون عام 1965، كما أطلقت محافظة الشرقية اسمه على الشارع الذي كان يسكن فيه بمدينة الزقازيق. أغنية الوداع «جايين الدنيا ما نعرف ليه، ولا رايحين فين ولا عايزين إيه، مشاوير مرسومة لخطاوينا، نمشيها في غربة ليالينا، يوم تفرحنا ويوم تجرحنا، وإحنا ولا إحنا عارفين ليـه، وزي ما جينا جينا، ومش بإدينا جينا»..

في عام 1974 اتفق العندليب وموسيقار الأجيال مع مرسي، على كتابة أغنية «من غير ليه»، ليُغنيها حليم، وبالفعل انتهى الشاعر من كتابتها وأرسلها إلى عبد الوهاب في تعاونه الأول معه، ليبدأ تلحينها. ومع بدء البروفات اعترض حليم وعبد الوهاب على جملة بالأغنية «بقت الدنيا غرام وأنا جنبك»، وطالبا مرسي تغييرها، وعلى غير العادة استجاب، واستبدلها بجملة: «ولقيت روحي في أحضان قلبك بحلم وأصحى وأعيش على حبك، حتى في عز عذابي بحبك»، وكان الشاعر وضع جملة «من غير ليه»، نهاية لكل كوبليه، لكن الثنائي اقترحا أن ينتهي كل كوبليه بجملة «من غير ليه يا حبيي بحبك»، وأخبرا مرسى برغبتهما، ثم أراد عبد الوهاب استبدال كلمة «مواني»، بـ«زماني»، فغضب الشاعر وانصرف من الاجتماع التحضيري للأغنية، وعندما نادى عليه العندليب، رد قائلًا: «يلعن أبوك وأبوه». واستمر الخلاف بين الشاعر والعندليب وموسيقار الأجيال أيضا في عام 1975، إلى أن استقروا على الشكل النهائي للأغنية.

واستغرق عبد الوهاب في تلحينها طوال عام 1976، ثم أجرى بروفات عليها مع حليم، وأثناء تلك الفترة اشتد مرض العندليب، وعزم الرحيل إلى لندن لتلقي العلاج، ورحل في 30 مارس 1977، فتعطل مشروع الأغنية الأخير للثلاثي، حتى رحل مرسي هو الآخر في 9 فبراير عام 1980، إثر إصابته بمرض خطير سافر بسببه إلى أمريكا لتلقي العلاج، وعاد ليموت فوق تراب الوطن، وبعدها تلقى عبد الوهاب عروضا من مطربين لغناء «من غير ليه»، إلا أنه رفض وقام هو بغنائها بعد انقطاع 25 عامًا، وكانت الأغنية الأخيرة له قبل وفاته.

عندما ضرب يوسف بك وهبي موسيقار الاجيال بالشلوت!! 

يحكى عن عميد المسرح العربي قديما أنه كان فظا بعض الشيء مع فريق العمل التابع له في مسرح رمسيس، بل والجمهور أيضا.. فكان كثيرا مايمنعهم من التصفيق اثناء تقمص بعض الأدوار على المسرح، ولم يكن يسمح لهم بالتجمهر أمام المسرح بقصد مصافحته أو السلام عليه كما هو الحال مع باقي الفنانين.

وفي هذه التدوينة نروي موقف طريف حدث لـ “موسيقار الأجيال” محمد عبدالوهاب في أول لقاء جمع بينه وبين الفنان يوسف وهبي في بداية العشرينات من القرن الماضي.

ذكرت مجلة الكواكب في عددها الصادر في يناير عام 1954 في سلسلة مذكرات موسيقار الاجيال أنه قال لوهبي: «عايز أفكرك يا يوسف بيه إني كنت أد إيه منبهر بيك، وفي ليلة لا يمكن أنساها أنا انتظرتك في شارع عماد الدين وهجمت على العربية بتاعتك وشديت أيدك علشان أبوسها و أفوجأ بجنابك تضربني بالقلم. وبشلوت محترم وأنت بتقول لي: «أمشي يا ولد!.. يالا ياكلب يا ابن الكلب من هنا!.. ومشيت وأنا بأبكي وبسأل نفسي هل ها أوصل في يوم لشهرة يوسف بيه؟»

وعندما ذكره عبد الوهاب بتلك الحادثة، اعتذر على الفور له يوسف بك وهبي قائلًا: “والله يومها لم أكن أتصور أن واحدًا من الشارع سيكون نجمًا عظيمًا”، لكن موسيقار الأجيال التمس له العذر عندما عرف شعور النجوم عندما تضيق عليهم الجماهير ويلتفون حولهم.

ومرت السنوات ونال عبد الوهاب شهرة كبيرة من خلال افلامه في الثلاثينات، حتى انه استأجر مسرح رمسيس الذي صفع امامه ليغني فيه، وبحضور يوسف بك وهبي شخصيا والذي صفق له بعد انتهاء وصلته الغنائية!

كما شارك الاثنان في فيلم (غزل البنات) عام 1949 اخراج انور وجدي.. هذا ويُعد موسيقار الأجيال أحد أعلام الموسيقى العربية ويُطلق عليه لقب “موسيقار الأجيال” ومطرب الملوك والأمراء.

حكاية أغنية تسببت في «قطيعة فنية» بين عبد الوهاب وشادية! 

نجاح الفنان قد يكون سهلاً ولكن احتفاظه بهذا النجاح هو الأمر الذي يميز الفنان الحقيقي عن غيره، ولكي تظل «معبودة الجماهير» شادية بهذا النجاح والتألق، حتى بعد سنوات طويلة من الاعتزال الصارم، كان لها أن تحرص على تفاصيل عملها الصغيرة والكبيرة وأن تتصادم في بعض الأوقات وألا تقدم أية تنازلات حتى ولو كانت من أجل موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب.

ومنذ التعامل الأول بينهما في «أحبك.. وأضحي بحبك» قبل ظهور فايزة أحمد ووردة الجزائرية ونجاة الصغيرة، وعبد الوهاب يقدم لها أروع الألحان العاطفية والوطنية، فكانت شادية القاسم الوحيد في أناشيده الوطنية مثل: وطني الأكبر والجيل الصاعد وغيرهما، واستمر هذا التألق الفني حتى انتهى بمشاجرة فنية عام 1963 بأغنية «بسبوسة» الشهيرة، والتي لم تر النور إلا عبر الإذاعة في السبعينيات لذلك السبب.

فأثناء تصوير فيلم «زقاق المدق» مع صلاح قابيل وحسن يوسف، كان من المفترض أن تؤدي شادية أغنيتين هما «بسبوسة» من الحان عبد الوهاب، و«نو يا جوني نو» من ألحان محمد الموجي، وبعد تسجيلهما وانتهاء التصوير وجد المخرج حسن الامام أن وقت الفيلم قد أصبح كبيراً جداً وبالتالي يتطلب بالتالي حذف بعض الاحداث، واستقر الراي على حذف إحدى الاغنيتين، وبعد جلسات عمل مشتركة رأت شادية حذف اغنيه «بسبوسة» والتي كانت غير مؤثرة على سياق الفيلم على عكس الأغنية الأخرى التي تؤكد للمشاهد سقوط البطلة في براثن الخطيئة وتعاملها مع رواد الملهى الليلي من الجنود الإنجليز. 

وأبى المخرج الكبير مفاتحة عبد الوهاب في هذا الموضوع بنفسه، فتولت شادية تلك المسئولية!.. وحينما علم عبدالوهاب بالأمر غضب بشدة وحاول استبقاء أغنيته بشتى السبل.

ولكن شادية واجهت الموسيقار الكبير برأيها بشجاعة نادرة ولم تقدم أية تنازلات لعملاق الموسيقى العربية، وهو ما اعتبره نصرة لأغنية الموجي على حسابه الشخصي والفني، فكان قراره غير المعلن بعدم التعامل مع شادية مرة أخرى، وهو ما حدث بالفعل واتجه بألحانه لغيرها من الفنانات، خاصة مع إصرار شادية على رأيها وعدم طلب أيّة ألحان منه، فلم تندم للحظة على موقفها منه بل كانت السبّاقة بالتهنئة له وللمطربة التي تغنت بلحنه. اما الاغنية «بسبوسة» فقد ظلت حبيسة الأدراج ولم تر النور إلا في مطلع السبعينات وتحديدا عام 1972 من خلال ميكرفون الإذاعة، اي بعد عرض الفيلم جماهيريا بنحو 9 سنوات.

وبالرغم من القطيعة الفنية إلا أن الاحترام كان ومازال العنصر السائد بينهما، وهذا ما أوضحته مقولة لموسيقار الأجيال بعد سنوات من الانفصال الفني، حيث قال: «شادية صوتها بتعريفة ولكنها تعطيك فن بمليون جنيه»، وفي المقابل كانت تؤكد “صوت مصر” دوماً تقديرها لشخصه وفنه بقولها: «عبد الوهاب ده جامعة تخرج منها كل المطربين والمطربات.. وهو بلا شك أحد أضلاع الهرم العربي في الفن.. عبد الوهاب هو الهوا اللي بنتنفسه والميه اللي بنشربها.. عبد الوهاب جيل بحاله».

المطرب العاطفي الذي نافس عبد الوهاب و«هزمه» مرتين!..

يوافق يوم ٩ ديسمبر ذكري وفاه المطرب الكبير «عبد الغني السيد» والذي توفي في هذا اليوم من عام ١٩٦٢ بعد ان شهد صعودا كبيرا في مجال الفن والسينما، وقد بدأت شهرته في اواخر العشرينات من القرن العشرين، اكتشفه والد القيثارة ليلى مراد، كان بوابته السحرية للفن، حيث استمع زكي إلى صوته هناك، وأعجب به كثيراً وقرر أن يتبناه فنياً وبالفعل قدمه بالأفراح والكازينوهات الغنائية، كمطرب ينتظره مستقبل عريض.

عبدالغني السيد حينما تبناه زكي، كان يقيم في منزله لأيام كثيرة، وفي الصباح يأمره وأولاده ليلى ومنير بأداء تمارين الصوت، بادئاً به ثم ليلى مراد فمنير مراد.

640

«نسيتي حبي بعد اللي كان» كانت أشهر اسطوانة شدى بها السيد، وباعت أكثر من مائة الف نسخة في الثلاثينات، وهو ما شجع منيرة المهدية على تقديمه كبطل لمسرحية «كليوباترا» الغنائية، بعد سفر بطلها الأصلي الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب إلى لبنان، فحقق أيضاً نجاحاً ساحقاً بالتمثيل والغناء، جعل المهدية تُمد العرض لمدة شهراً إضافياً، وعندما عاد عبدالوهاب من سفره شهد العرض الختامي للمسرحية، وأعجب كثيراً بأداء عبدالغني الفني، ولم يفوت الفرصة فتعرف عليه وأصبحا صديقين ومتنافسين في ذات الوقت، وقد وصفه عبدالوهاب قائلاً: «عبدالغني السيد هو الرجل الذي هزمني مرتين في حياتي»، وعندما سألوه عن السبب، رد قائلاً: «هزمني في المرة الأولى عندما كان منافساً قويا لي، وفي المرة الثانية عندما مات فخسرت أقوى صديق وأحب صديق لي».

images

له العديد من الاغاني الرائعه من اشهرها : وله يا وله ، انا وحدي ، بايعني و لا شاريني ، ع الحلوه و المره ، البيض الامارى ، ايه فكّر الحلو بيا ، الحلو شاورلي بمنديل ، آه من العيون ، سبحان اللي صور ، انا و انت في الهوي ، انا روميو و انتي چوليت ، يا مسافر المنصوره ، كما شارك في اوبريت قولوا لمصر و غيرها الكثير ….، ومازالت أغانيه تشدو بها الإذاعة المصرية ومواقع الغناء على شبكة الأنترنت.

كما شارك في العديد من الافلام السينمائيه مثل : سفير جهنم ، وراء الستار ، شئ من لا شئ ، عايده ، شارع محمد علي ، طاقيه الاخفاء ، البيت الكبير ، ليالي الانس ، أسرار الناس ، ضحيت غرامي ، بيني وبينك ، المرأة كل شيء ، كيلو ٩٩ .

وعن حياته الشخصية، تزوج الفنان الكبير ثلاث مرات، الأولى من إحدى قريباته وأنجب زينب وبثينة، أما الزوجة الثانية فكانت ابنة وزير الحربية وقتها، وكانت تسكن بجواره وأعجبت كثيراً بصوته وحسن هندامه، فتعرفت عليه وطلبت منه اسطوانة هدية، فقدم لها «صحيح الدنيا ملهاش أمان» وأحبته من هذه الأسطوانة ، ثم تزوج ثالثاً من شجون توفيق راسخ والتي حصلت بعد ذلك على لقب الأم المثالية على مستوى الجمهورية عام 1982 وأنجب منها ليلى وإيمان ومحمد الذي ورث عنه جمال الصوت وله بعض الاعمال في التلحين و التوزيع .