جميلة الجميلات وطفلة “عزيز عثمان” المُدلّلة.. إنها ليلى فوزي

الى الأن ورغم مرور عشرات السنين، لايزال زواج “جميلة الجميلات” ليلى فوزي من الفنان عزيز عثمان مثاراً للتعجب والسخرية من كثير من الناس في بعض الأحيان، على حد أغنيته الشهيرة التي قدمها في فيلم لعبة الست «بطلوا ده واسمعوا ده»، حيث كان فارق السن والطباع بينهما كبير. وحاول الكثير من النقاد ورواة الحكايات السينمائية فك شفرة هذه العلاقة المركبة، لاسيما وأن الفنان الشهير أنور وجدي كان منافسه على قلب الجميلة ليلى، ولولا رفض والدها لكان زوجها الأول وليس الثاني.

البعض برر ذلك بأنها أجبرت على الموافقة، حيث كان عثمان صديقاً لوالدها التركي الأصل والحاد المزاج، فلم يعترض على صديقه وزوجهما على غير إرادة منها، ولكن ليلى في أحد حواراتها السابقة قطعت الشك باليقين وكشفت السبب الفعلي للزواج قائلةً: «عزيز كان صديقاً قديماً لوالدي، وكان يزورنا بشكل شبه يومي ويلعب معنا، وكنت وإخوتي نعتبره في مقام والدي ونتعامل معه علي هذا الأساس، ولم يكن يخطر ببالي أن اونكل عزيز يخطط للزواج مني، وبالفعل طلب يدي من والدي، لكنه رفض ووافقت أنا علي الزواج منه علي الرغم من فارق السن الكبير جداً بيني وبينه، فقد رأيت في هذا الزواج خروجاً من سجن والدي، ولم أدرك خطورة ما أقدمت عليه إلا بعد الزواج عندما «راحت السكرة وجاءت الفكرة».

ليلى فوجئت بهذا الزوج وكأنه الوجه الآخر للأب المتشدد، وعاملها بنفس القسوة بل وأشد في بعض الأحيان، فكان لابد من انفصالهما، وعندما عرضت عليه رغبتها رفض أن يتخلى عنها فتركت له المنزل وأقامت عند والدها، ووقع في تلك الأثناء الطلاق بين أنور وجدي، حبيبها الأول، وليلى مراد، وحاول أنور التقرب إليها مجدداً بعدما علم بخلافها الزوجي وأنها أوشكت على الطلاق.

وعندما علم عزيز برغبة أنور المحمومة للارتباط بزوجته ازداد عناداً ورفض الطلاق، ولكن المخرج حلمي رفلة، صديق العائلة، تحدث إليه كثيراً وأقنعه بالطلاق، وبالفعل تم انفصالهما ليموت عزيز بعدها بأيام بعد زواج استمر قرابة الأربع سنوات، أما ليلى فتزوجت من أنور لكن سعادتها لم تدم سوى ثمانية أشهر بعد أن يتوفى متأثراً بمرض الكلى، أما ثالث أزواجها فكان الإذاعي جلال معوض، والذي بقيت معه حتى وفاته، وحتى وفاتها في 12 يناير عام 2005، لم تنجب ليلى من أزواجها الثلاثة قط.

الفتى الأول الذي حقق مجدا أكثر مما تمنى، وكانت نهايته مأساوية

يُمثل الفنان الراحل «أنور وجدي» حالة فنية خاصة إذ عمل كمخرج وكاتب للسيناريو، ومساعد لمخرج، بل كومبارس، ونجار ومتعهد تنظيف المسرح في بداية حياته الفنية، ورغم صعوده السلم الفني في قفزات هائلة جعلت منه نجم شاشة وفتى أول، يُشار إليه، ويتزوج نجمة نجمات عصره الفنانة الراحلة «ليلى مراد»، ثم الراحلة، جميلة جميلات السينما العربية في ذلك الوقت «ليلى فوزي» إلا أنه عانى معاناة شديدة جعلته يقرر مصيره المأساوي بنفسه في لحظة نادرة من حياته قضت عليها!

كان «وجدي» ابناً لأب يعمل في مجال التجارة، وورث بيع الأقمشة عن عائلة حلبية  هاجرت من سوريا إلى القاهرة في منتصف القرن التاسع عشر، ووُلِدَ «وجدي» عام 1904م، فألحقه أبوه في صغره بمدرسة «ألفرير» التي شهدتْ تعليم المخرج «حسن الإمام» والمُمثل «نجيب الريحاني» وغيرهما.

2017-636491997646300766-630

لكن «وجدي» الصغير أٌغرم بالفن وبشارع عماد الدين في القاهرة، فبهرته الأضواء منذ تفتح وعيه على الحياة، رافضاً إتمام تعليمه كما أراد له أبوه، وكان الأب حريصاً على المكانة الرفيعة لابنه وسط الطبقات الراقية، وكانت مهنة الفن مجلبة للعار في ذلك الوقت، ولكن الابن اختار، بعد أن تردد على شارع عماد الدين، إذ كان الشارع يلمع آنذاك بالمسارح التي تقدم العروض العالمية التأليف يجسدها كبار المُمثلين المصرين وعلى رأسهم الراحل «يوسف وهبي»، وغير بعيد منه مسرح «نجيب الريحاني»، وتحت سماء نفس العاصمة يُمثل «إسماعيل ياسين» في صناعة عملاقة للمسرح والسينما، وكان الإنجليز يحرصون عليها.

ويقف «وجدي» أمام أبيه مُعلناً أنه اختار الإخراج والتمثيل طريقاً، ويحاول الأب صرفه عن هذا الاتجاه مطالباً الابن بإكمال مسيرة التجارة والثراء محافظاً على سمت الأسرة واسمها، فيرفض الابن في تصميم، ويُوسطُ الأب زوجته، وتحاول الأم مع ابنها فتفشل، ويُسقط في يد الأب فيعلن قراره النهائي:

ـ إنني انفق على ابني ليكون قطعة مني، يتبعني في حياتي وعملي، ويمضي على طريقي من بعدي، فإن أخترت غير طريقي فلا تبق في بيتي.

1796535863856266112.jpg

نصف مليون وسرطان!!

كانت الفنانة الراحلة «زينب صدقي» تعقد الولائم للوسط الفني كله، وكانت كباقي المُمثلين المصريين تعرف الإرتست أو الدوبلير أو الكومبارس، وجميعهم يتبادلون العمل في مساحات الظل، فإما يحملون ما يبدو على أنه سلاح في مقدمة المسرح دفاعاً عن البطل، أو يقومون مكانه بالمشاهد العنيفة في السينما، أو حتى يتلقون الضربات عوضاً عنه، أو يعملون أعمالاً أخرى غير معروفة، وهؤلاء كانت «صدقي تدعوهم أيضاً، من باب الشفقة، لتناول الطعام في غير المأدبة الأولى، وكان «وجدي» قد عضه الجوع بقوة، فعرف الطريق إلى بيتها، ومرة بعد أخرى عرفته فصارت تقربه حتى أجلسته إلى جوار نجوم الصف الأول،

وفي ذات مرة سألت بعفوية:

ـ هل المال هو سر النجاح والطمأنينة في الحياة أم الصحة؟

ولم يصبر «أنور وجدي»، وإنما اجاب على الفور:

ـ يارب ارزقني مليون جنيه وسرطان وأنا راضٍ يارب!

صرخت «زينب صدقي» فيه:

ـ أنت بتقول إيه يا مجنون .. اسكت..؟!

لكنه لم يسكت..وانطلق يزيد ويعيد:

ـ صحة إيه يا ست «زينب» المال هو الأهم!

وتقبل الله دعوة «أنور وجدي» ليعيش ما تبقى من عمره نادماً عليها.

832

رحلة هرب

قبلها رأى «وجدي» أن حياته الحقيقية نقطة الصفر فيها هي هجرته إلى أمريكا، فهناك «هوليود» التي لايرى سُلَّم حياته أقل من أن يبدأ بها، واتفق في المرحلة الثانوية من تعليمه على الهروب إليها مع اثنين من زملائه، وقبل تحرك الباخرة من بورسعيد استطاع ضابط الإمساك بثلاثتهم، وفي المدرسة الثانوية كان الزعيم فتم طرده، وكذلك كان الأب الذي فاض به.

520161482541292D8A7D986D988D8B1-D988D8ACD8AFD989-4

وفي شارع عماد الدين وجد «وجدي» نفسه يكاد يموت من الجوع، فلا احد يعرفه، ووقوفه في وجه النجوم لا يعني لهم شيئاً، وذهب إلى الصحفي الراحل «مصطفى أمين» طالباً توصية لـ«يوسف وهبي» فألقى الأخير التوصية في القمامة وطرد «وجدي» إلى الشارع.

مطافىء وامرأة

وشب حريق في مسرح رمسيس بشارع عماد الدين، وكانت فرصة «وجدي» ليتفانى في إطفائه، وينتبه إليه مدير المسرح فيعينه كومبارس بقرشين ضمنا له ثلاثة أطباق من الفول المدمس وأرغفة خبز يومياً، وينام في المسرح متدثراً بألواحه الخشبية، دون ملابس ولا دواء إن مرض، فرجا «مصطفى أمين» من جديد أن يكتب عنه كلمات في مجلة «آخر ساعة» لينجو من الهلاك مطالباً برفع اجره إلى خمسة قروش، ولكن الراحل «محمد التابعي»، رئيس التحرير يرفض النشر، ويسأل مَنْ «أنور وجدي هذا حتى ننشر عنه؟ وهو مجرد كومبارس؟».

f0de2fb4e0e564a3c19e8aacd3c844f392417d7e

وكانت موهبة «وجدي» الهادرة غير بعيدة، إذ كان يحفظ أدوار جميع المُمثلين والممثلات فغابت أحداهن فقرر أداء دورها، ووافق «يوسف وهبي» الذي لم يكن لديه حل آخر، ولم يعرف الجمهور أن الفاتنة التي أدت الدور هي رجل، وارتفع أجر وجدي إلى عشرة قروش بعدها.

المجد عن طريق «الترزي»

وفي المرة الأولى التي يتقاضى فيها ستة جنيهات، وهو مبلغ كبير آنذاك، قرر «وجدي» تفصيل ثلاثة بدل، وكان في خطواته الاولى إلى السينما، ولما سئل عن سبب فعله، وهو لا يجد ما يسد رمقه قال:

ـ سأصعد سلم المجد عن طريق «الترزي»!

وأُصيب «وجدي» في نفس الليلة بحالة إغماء في الشارع لشدة جوعه، فاجتمع الناس ليحملوه إلى المستشفى لكنه أفاق ليقول إليهم:

ـ لا انقلوني لأقرب مطعم.

 وكان الأب يلتقي ابنه أحياناً، فيشفق عليه ويدعوه لتناول الطعام في البيت، ويعرض عليه العودة عن طريق «الفن والشحاذة»، ولإن «وجدي» كان ينتظر الطعام فكان يقبل على الفور، حتى إذا أكل عاد للرفض، فطرده الأب من جديد، أما الحبيبة «نيللي»، عاملة المانيكير المقيمة في حي غمرة القريب من شارع عماد الدين فكانت تستقبله في أوقات الطعام لكن مع غيرتها الشديدة عليه لم يطق قربها، فطردته هي الأخرى.

كان حلم حياة «وجدي» في ذلك الحين أن يحصل على راتب خمسة عشر جنيهاً، ينفق منها اثنتا عشرة على الملابس، وثلاثة للسكنى والطعام، بحسب «مصر العربية».

D8B5D988D8B1D8A9-D986D8A7D8AFD8B1D8A9-D984D8A3D986D988D8B1-D988D8ACD8AFD98A-D988D984D98AD984D98A-D985D8B1D8A7D8AF-300x209

إلى أمريكا

وفي خضم المعاناة قرر «يوسف وهبي» السفر برفقة فرقة مسرح رمسيس إلى أمريكا لأداء عرض هناك، مختاراً كبار النجوم، واستعطفه «وجدي» للسفر معه، فرفض إلا بعد أن قايضه واتفق معه على أن يعمل في النجارة والتنظيف والإدارة والتمثيل وبلا مقابل، ووافق «وجدي» مُعتقداً أن بينه وبين معشوق النساء في أمريكا آنذاك «روبرت تايلور» شبهاً سيجعل النساء يُهرعن إليه، وتفتح «هوليود» له أحضانها، ولكنه اكتشف ألا أحد يعيره انتباهاً فعاد لمصر خائباً من جديد.

المعجزة تتحقق

ودب المال في جيب «أنور وجدي» إذ عرفه المنتجون والمخرجون في معجزة لم يعرف هل سببها مداومته على التمثيل ومحاولة الإخراج، ساعد «كمال سليم» على إخراج فيلم «العزيمة» عام 1939م، أم لإصراره على الشهره وملازمته شارع عماد الدين لا يبعد عنه إلا ليبت في مقهى الفيشاوي أحياناً، وكانت الإنطلاقة الحقيقية بفيلم «غرام وانتقام» مع «يوسف وهبي وأسمهان» عام 1944م، بعد أن شارك في فيلم «ولاد الذوات» أول فيلم ناطق بالعربية عام 1933م.

1280x960

وكان المنتجون إذا رأوا دور شرير أو محتال شاب في فترة من عمر السينما حجزوه لـ«وجدي»، وفي عام 1945م، وكان قد طلق زوجته المُمثلة «إلهام حسين» لأنها لا تصلح زوجة لمليونير، ليحقق حلمه بالزواج من «ليلى مراد»، وتم تصوير الحفل ليشاهده الناس ضمن فيلم «ليلى بنت الفقراء»، فقد أخرج الفيلم ومثل فيه،  وفي عمارة الإيموبليا الشهيرة بناصية شارع شريف بقصر النيل بوسط العاصمة القاهرة، وهناك اشتكت زوجته من صوت مؤذن الفجر الذي يرهبها، لتعلن إسلامها بعد عام.

122015238025721LAELA

وفي عام 1949م كان «وجدي» على موعد مع قمة الشهرة ببطولة وإخراج فيلم «غزل البنات» مع زوجته الحسناء، وبمشاركة نجوم السينما الذين لم يكن يحلم بالجلوس معهم من: «نجيب الريحاني»، «يوسف وهبي»، بل «محمد عبد الوهاب» بفرقته الموسيقية وموسيقاه التصويرية، وحقق الفيلم أرباحاً ضخمة بعد توزيعه بالدول العربية، وأسس «وجدي» شركة إنتاج فني مع زوجته، لكنه تمادى في البخل إلى نيل نسبة من نسبتها في الربح دون إخبارها، فلما اكتشفت الأمر طلبت الطلاق، إذ أحست منه بعدم الشفافية مع عدم قدرتها على الإنجاب منه كما تمنت، وإن كانت لم تتوقف عن التمثيل معه كما في «قلبي دليلي» 1947م، و«عنبر» في العام التالي له بمشاركة نجوم عصرهما بالإضافة إلى الراحل «إسماعيل ياسين» وبأرباح أضخم.

c7a858df6e4bead5ac8d02e919c1990f--egypt

أول الانكسار

لم تكن «ليلى مراد» راضية عنه قبل زواجها منه، فطاردها، لتشترط عليه أن تعمل مع جميع المُنتجين، وليس لحسابه فقط، ويكون لها حسابها الخاص في البنك، وكان متعهدي الدول العربية يُوقعون على أي عقد فيه اسم «أنور وجدي مما كان يُغري المنتجين ويزيدهم نهماً به، وكتبت الصحف المصرية

228123

عقب زواجهما أنهما أسعد زوجين في العالم، وهو ما لم يتحقق له، إذ لم تنجب له «ليلى مراد»، ولم تكن تطيعه، فضغط عليها بالمال وبمختلف الطرق فهجرته، فجن جنونه فطلقها لتخضع، لكنه هو الذي خضع بل ركع، وقبل أن يندم أمامها وصل إليه خبر زواجها من المخرج «فطين عبد الوهاب» بل إنجابها منه، وهو الذي كان يظنها عاقراً!

كان «وجدي» عاشقاً لـ«ليلى مراد» بلا حدود، كان يريدها نجمة تدر الذهب له، وفي نفس الوقت «الست أمينة» في البيت، وكثيراً ما قال:

ـ «لا أستطيع أن أعيش معها ، ولا أستطيع أن أعيش بدونها».

untitled-1

النهاية

ولكي ينسى اشترى قطعة أرض في مكان مميز من وسط القاهرة، ولكنه ما إن بدأ في بنائها، العمارة المعروفة باسمه حتى الآن، حتى هاجمته آلام المرض الذي تمناه في مأدبة «زينب صدقي» ورفض ندائها له بـ«المجنون» ليصمت، وأخبره الأطباء بأنه مصاب بمرض الكليتين، ولم يخبروه أنه «السرطان» وفي الكليتين، وحاول النسيان، فتذكر الجميلة «ليلى فوزي» التي تقدم لها قبل أن يصبح بطلاً في عام 1944م، قبل فيلم «غرام وانتقام» بفترة بسيطة، وكان فاتحة لشهرته، وكان يكبرها بعشرين عاماً، وكانت حينها مثلت في أحد عشر فيلماً، فرفضه أبوها وزوجها لـ«أمين عثمان» الذي يكبرها بثلاثين عاماً.

كان قد اعتاد تناول «الفول النابت» لما التقى «ليلى فوزي» في فيلم «خطف مراتي» مع الراحلين «صباح» و«فريد شوقي» عام 1953م، وكانت «فوزي» مُطلقة تعرف قصة حياته، وندمه على أمنيته، وتمنيه أن يأخذ أحدهم النصف مليون جنيه نظير كليتيه، ولم يكن الطب متقدماً في تلك الجراحة حينها، وكان يحلو له أن يقول:

ـ كنتُ فقيرًا لا أجد ثمن الرغيف، وكانت صحتي حديد ، وعندما انهالت على الفلوس، أصبحت لا أستطيع ان أتناول لقمة عيش!

2014-01-12_00304

وكان في قمة الألم يصرخ:

ـ سأعطى نصف مليون جنيه لمن يعطيني كلية..خدوا فلوسي ورجعوا لي صحتي وشبابي.

وفي غمرة جنونه بما يحدث له كان يقرر انفاق ماله، فقرر السفر إلى أوروبا بعروسه قيل لقضاء شهر العسل وقيل للعلاج لكنها عادت به في 14 من مايو 1955م من استكهولم في السويد جثة هامدة في صندوق ليبقى المال الذي تمناه ليستمتع به غيرهن ويلقى الله ليحاسبه عنه، ومن قبل عن الجرأة في الأمنية!

نشأ فقيرًا وعاش مريضًا ومات وحيداً.. إنه أنور وجدي!

غريبًا عن أرضه، بات ذلك الذي عرفه أهله على أنه فتى الشاشة الأول ليلته الأخيرة يعاني آلام البطن، يقاوم أفول نجمه سنوات عديدة، فمنذ أبلغه الأطباء خطورة مرضه وضرورة سفره للسويد لتلقي العلاج وهو لا يعلم متى يصل بلده مصر، ولا يعلم سيعود حيًا أم ميتا؟ الخيار الثاني كان أقرب، ففي اليوم الرابع عشر من مايو عام 1955 طالت يد الموت الفتى الأول أنور وجدي.

842

عندما تسمع اسم الرجل، أول ما يتبادر إلى ذهنك فتى الشاشة الأول وأفلامه الشهيرة والتي دائماً يُقدم فيها دور الفتى الثري المدلل،أو تتذكر أفلامه مع الطفلة المعجزة آنذاك فيروز والتى نالت شهرة واسعة ونجاح كبير.

832

إلا أن دور أنور وجدي في السينما المصرية لا يقتصر على هذا فحسب فهو واحد ممن ساهموا في صناعة وتطوير السينما المصرية وقدم لها العديد من الأفلام الشهيرة والناجحة، فكان نجم شامل ممثل ومخرج ومؤلف.

فتى الشاشة ثري في السينما فقير في الحياة

حياة أنور وجدي كانت قاسية للغاية، فعلى عكس ما كان يظهر دائماً في الأفلام الثري، أنور وجدي عانى كثيراً في بدايته فلم يستطع إكمال دراسته بمدرسة “الفرير” ولكنه استطاع أن يُتقن الفرنسية في الفترة التى درس فيها، وبعد خروجه من المدرسة بدأ في العمل في العديد من الأعمال، ولكنه كان دائماً يتطلع إلى أن يُصبح ممثلاً حتى أن أحلامه الكبيرة كانت تصل لحد الوصول إلى هوليوود.

قرر السفر إلى أمريكا وأقنع أصدقاء له عملوا معه في فرق فنية صغيرة كان يعمل بها، وتسلل هو وأصدقائه إلى باخرة في بورسعيد لكن تم ضبطهم وفشلت محاولة سفرة.

لم يستسلم أنور وجدي وحاول إيجاد طريقه لتحقيق حلمه بأن يُصبح ممثلا حتى ومع طرد أبيه له من المنزل رفضاً منه بأن يعمل ابنه في مجال الفن.

small5200914233412

حاول أنور وجدي الوصول إلى الفنان الكبير يوسف وهبي لكي يعمل معه آي شئ حتى وإن لم يكن له علاقة بالتمثيل، فهو كان يُريد التواجد إلى جانب الممثلين لإيمانه بأن الفرصة ستأتي في يوم ما.

d988d8acd8afd98a-d988d98ad988d8b3d981-d988d987d8a8d98a

وبالفعل عمل سكرتيرًا خاصًا ليوسف وهبي وكان يُسلم مواعيد التصوير إلى الفنانين، إلى أن أتته الفرصة وشارك في عدد من المسرحيات بأدوار صغيرة، وفي يوم قرر يوسف وهبي الاستعانة ببعض الشباب للمشاركة في أدوار ثانوية في فيلمه الجديد وكان منهم أنور وجدي، وبعدها قدم أدوار صغيرة في عدد من الأفلام مثل “أولاد الذوات، والدفاع” وحينها قرر الإتجاه للسينما وترك خشبة المسرح.

774

توالت أعمال أنور وجدي إلى أن أصبح نجماً مطلوباً في أربعينات القرن الماضي وأصبح فتى الشاشة الأول، وقدم العديد من الأفلام التي ظهر فيها بدور الشاب المدلل أبن العائلة الثرية، ليُقرر بعدها تقديم أدوار مختلفة.

أنور وجدي 4×1 ممثل ومؤلف ومخرج ومنتج

عام 1945 اتجه أنور وجدي إلى عالم الكتابة والإنتاج، فكتب سيناريو فيلم “ليلى بنت الفقراء”، وقام بإنتاجه أيضاً واختار في دور البطوله ليلى مراد فكانت نجمة السينما المصرية وقتها، كما اختار المخرج كمال سليم ليُخرج الفيلم إلا أن الأخير توفي قبل إخراجه فقرر وقتها أنور وجدي الاتجاه إلى الإخراج أيضاً.

d988d8acd8afd98a-d988d984d98ad984d989-d985d8b1d8a7d8af-d981d98a-d985d8b4d987d8af-d985d986-d981d98ad984d985-d984d98ad984d989-d8a8d986

حقق الفيلم نجاحًا كبيرا وقرر وجدي استغلال هذا النجاح فقام ببطوله وإخراج و تأليف 6 أفلام، وقدم مع ليلى مراد مجموعة من الافلام ليشكلا معًا ثنائى سينمائي حقق نجاح وحب جماهيري كبير.

حكايته مع كمال الشناوي

kamal

أنتج الفنان كمال الشناوي عام 1961 فيلمًا قام ببطولته يروي قصة حياة الفنان أنور وجدي، وقدمت فيه الفنانة صباح دور ليلى مراد، أما ليلى فوزي فقدمت شخصيتها الحقيقة، وقدم الشناوي هذا الفيلم تقديرًا لدور أنور وجدي في ازدهار السينما المصرية، ولكن لأنور وجدي وكمال الشناوي حكاية، فقد أشيع أن أنور وجدي شعر بالغيرة من كمال الشناوي، وأن الأخير في أحد اللقاءات انتقد وجدي وقال أن وزنه الزائد خاصة من منطقة البطن، لم يُعد يُمكنه من القيان بدور الشاب، وهو ما أحزن أنور وجدي كثيراً ليُعاتب بعدها الشناوي ويُخبرة أن زيادة وزنه ترجع إلى معانته مع المرض، ما جعل الشناوي يبكي ويعتذر له كثيراً ومن وقتها بدات علاقة الصداقة بينهما.

مُكتشف الطفلة المُعجزة

640x_89a72ee99fc6beec94a42900f00f6beb90f38fdd8169f4e61f85d09d85da48fb

في عام 1950 التقى أنور وجدي بالطفلة بيروز آرتين كالفيان والتي قدمها له الفنان إلياس مؤدب والتي أعجب بها كثيرا، وقام بإحضار مدرب رقص خاص لها وأدخلها معهد خاص للبالية لتتحول إلى الطفلة المعجزة “فيروز”، فقدم معها عددًا من الأفلام الناجحة والتي ظهر خلالها في دور الفقير وهو ما يختلف عن الأدوار التي اعتاد تقديمها وحققت أفلامهما نجاح كبير.

الدعاء المُستجاب

945

عُرف عن أنور وجدي أنه كان يرغب في تكوين ثروة نظرًا لأنه في بداياته عاش فترة عصيبة فلم يكن يجد وقتها طعامًا يأكله، ويقال عنه أنه كان يدعي الله بأن يحصل على مليون جنيه “وهو مبلغ ضخم للغاية في ذاك الوقت”، وأن يعطية الله أمراض الدنيا كلها، ويبدو أن أبواب السماء كانت مفتوحة فاستطاع أنور وجدي تكوين ثروة كبيرة وصلت إلى نصف مليون جنيه، وأكثر لكنه عاش يعاني من أمراض الكلى وسرطان المعدة حتى أنه مُنع من أكل الكثير من أصناف الأكل، فسواء كان فقير أو غني لم يستطع أكل ما يشتهي.

زيجاته

تزوج الفنان الكبير 3 مرات كان أولها من الفنانة إلهام حسين، هذه الزيجة لم تنل شهرة الزيجات التالية. ولم تدُم إلا لستة أشهر نتيجة وقوع خلافات كثيرة وكان أنور وقتها في بداية حياته.

640x_d6112e86b2d3668b037f2ab47ec6f9ff85c6790f5d45cec3517ba6f2207bb759

عام 1945 ومع تصوير فيلم “ليلى بنت الفقراء” تقدم أنور وجدي لخطبة الفنانة ليلى مراد وتزوجا لمدة 7 سنوات عاشا فيها نجاحًا فنياً كبيرا، ووقع الطلاق بينهما بعد أن اكتشفت خيانته مع لويست التي تعرف عليها في إيطاليا أثناء إحدى رحلاته إلى هناك.

ثم التقى أنور وجدي بـ ليلى فوزي في عدد من الأفلام في أوائل الأربعينات وبدأت قصة حبه لها وذهب وقابل والدها وطلب يدها لكن طلبه قوبل بالرفض، ووقتها تزوجت ليلى من الفنان عزيز عثمان والذى كان بيكبرها 30 عاما.

2a-na-102513

وبعد سنين وطلاق كل منهما التقيا مجدداً في فيلم “خطف مراتي”، وعاد الحب ليشتعل مجددا، وفي عام 1954 طلب منها السفر معه إلى فرنسا حيث سيتلقى العلاج وهناك فاجأها بالزواج في القنصلية المصرية ولم يستمر زواجهما سوى 4 أشهر حتى وفاته.

وفاته وصراع على التركة

unnamed-5

توفي أنور وجدي في السويد قبل أن يُكمل عامه ال 51 بعد صراع طويل مع المرض، وبعد عودة جثمانه إلى القاهرة أقيمت له جنازة كبيرة في ميدان التحرير.

4

وترك أنور وجدي ثروة لعائلته فكان يمتلك عقارًا في باب اللوق وفيلا بالزمالك ومعمل لتحميض الأفلام، وتم بيع الفيلا والمعمل ووضع ثمنهما مع إيرادات عقار باب اللوق، ومع حدوث خلافات بين الورثة تم تجميد الثروة حتى تم الفصل في ذلك النزاع.

سر اسم «ليلى» في حياة أنور وجدي: احتكر الأولى ومات بين يدي الثانية

«يا رب تتجوزيني يا ليلى»، جملةٌ قالها الفنان الشاب آنذاك، أنور وجدي، إلى محبوبتهُ الفنانة ذات الشأن الكبير مقارنةً به، ليلى مراد، والتى صُعقت عندما قالها علانية لها وردّت ساخرة: «ياه تتجوزني مرة واحدة كده؟»، فأجابها بثقة العاشق الذى يعرف ما يُريد: «وفيها إيه يعني، أهو ساعات ربنا يستجيب دُعا الواحد».

وبالفعل استجابَ القدر فيما بعد لدُعاء أنور وجدى، وتزوّج النجمة الشهيرة التى كانت حُلم الشباب في الأربعينيات والخمسينيات، واحتفت الصحف والجرائد بتلك الزيجة التى وصفوها بـ«المُباركة».

كان اللقاء الأول بين ليلى مُراد وأنور وجدي، عندما دخلت ليلى مراد إلى الاستوديو لتلعب دور البطولة في فيلم «روميو وجوليت» أمام المطرب إبراهيم حمودة، وفجأة جاء المُساعد ليُخبرها بأمر يقول: «أنور وجدي في الاستوديو يُريد مقابلتك»، وفقًا لكتاب «ليلى مراد» للكاتب، صالح مرسي.

s72014212446

لم تكُن ليلى مراد التقت بأنور وجدي من قبل، ليقول لها مباشرةً: «وضعت كل ما أملك من مال مع مجموعة من الشركاء لإنتاج فيلم ألعب بطولته أمامك ويخرجه كمال سليم»، وفقًا للكتاب المذكور سابقًا، ردّت ليلى على ذلك قائلة: «أنا أجري كبير  جدًا»، فيرد أنور وجدي: «أنا حطيت كل فلوسي في الفيلم ده، ومش عايز غير ليلى مراد»، قالت: «أنا أجري 15 ألف جنيه»، فردّ عليها: «أنا ببدأ حياتي وإنتي لازم تساعديني».

يقول صالح مرسي في كتابِه «ليلى مراد»: «كانا معا (حياة عاصفة) حياة احتوت على حقائق أغرب من الخيال، فهى وافقت على إلحاحه بأن تلعب أمامه بطولة فيلم (ليلى بنت الفقراء)، واقترحت عليه أن يقوم بإخراج الفيلم بدلا من كمال سليم الذى داهمه المرض فجأة قبل التصوير بأيام، كان وقتئذ ممثلا يلعب الأدوار الثانية، وكانت هى نجمة ملء السمع والبصر، أثناء التصوير اصطحبها ذات يوم بعد انتهاء العمل فى سيارته».

1945

وأضاف مرسي: «قال لها (يا سلام يا ليلى لو اتجوزتك وعشت معاكى على طول؟)، صعقت ليلى وعلقت ساخرة: (ياه، مرة واحدة كده؟)، رد: (وفيها إيه يعنى، أهو ساعات ربنا يستجيب دعا الواحد)، ثم ترك عجلة القيادة رافعا يديه إلى السماء، صائحا بأعلى صوته: (يا رب.. تتجوزينى يا ليلى)».

تزوج أنور وجدي من ليلى مراد بعد أن أعلنا زواجهما بعد رقصة «الفالس» التى قدماها على أنغام أغنية «أنا قلبي دليلي»، واعتبرت ليلى وقتها مفتاح أنور وجدي لأبواب النجومية، حيث قدمته كمخرج لأول مرة في فيلم من بطولتها، ثم أصبحا ثُنائيا يتشارك في جميع الأفلام.

تسبّب حب أنور وجدى للمال في عدة خلافات بينهما، بعد زواجهما أسس «أنور» شركة إنتاج وأصبح محتكرًا لليلى، لدرجة أنه لم يكن يقبّل أن تلعب بطولة فيلم لصالح شركات إنتاج أخرى، وهو ما يعني ربح هذه الشركات لآلاف الجنيهات من وجهة نظره، وكما روت «ليلى» في أحد أحاديثها النادرة أن أنور كان يتعمّد افتعال خناقة معها قبل موعد التصوير حتى تذهب إلى الأستوديو وهي في حالة نفسية سيئة تنعكس سلبًا على أدائها.

فاة النجمة فيروز "الطفلة المعجزة" عن عمر يناهز 73 عاما Fayruz-Kamal el Shenawy - Layla Murad- Anwar Wagdy - Shadya:

وكان أنور يرفض إعطاء «ليلى» أجرًا عن الأفلام التي تقوم ببطولتها من إنتاجه، وكان يكتفي بأن يدفع الضرائب المستحقة عنها، وعندما رفضت التمثيل دون مقابل في إحدى المرات ضربها، وفي هذه الفترة، ظهر أحمد سالم في حياتهما، وكان سالم مديرا لـ«أستوديو مصر»، وقرر إنتاج فيلم «الماضي المجهول».

وكما يقول صالح مرسي في كتابه: «سالم ابن ذوات، جنتل مان، طموح، مغامر، شاب، أنيق، وسيم»، ولما عرض على ليلى بطولة الفيلم قبلت، لكن أنو ر كان يضع العراقيل أمامها، حتى تم توقيع العقد في منزلها، وبعد التوقيع، هاج أنور وطير المائدة الصغيرة في الهواء لترتطم بالحائط، وتطايرت قطع الأثاث، وغادر البيت.

1489019_591771787566707_932903582_n-527x400.jpg

«غلطتي أنني تزوجت من نجمة مشهورة تعتقد أنها أشهر مني، تزوجت من امرأة غنية تعتقد إنها ليست في حاجة إلى أموالي»، هكذا قال أنور وجدي بعد أن انتهت قصة الحُب الجميلة بعد ذلك، وحدث الطلاق، لكن أنور وجدي لم يترك ليلى مراد تعيش حياة هادئة، خاصةً بعد تهافت شركات الانتاج والتوزيع عليها بعد ثورة 23 يوليو 1952، وبلغ رصيدها 1000 أغنية وزاد الاقبال الجنوني على اسطواناتها في العالم العربي وهددت عروش كبار المطربين والمطربات في ذلك الوقت، صمم أنور وجدي على تحطيم صورتها الفنية، من خلال إطلاق عدة شائعات تقول إن ليلى مراد جاسوسة لإسرائيل.

نعيمه عاكف وانور وجدي وليلي مراد:

وبلغت ذروة الضرر عندّما نشرت مجلة «الكفاح العربي» السورية، خبر يقول إن المطربة المصرية يهودية الأصل، ليلى مراد، تبرعت لإسرائيل بمبلغ 50 ألف جنيه، أثناء وجودها في باريس، ونشرت «الأهرام» أيضًا خبرا في سبتمبر 1952، يقول إن الحكومة السورية قررت منع أغاني ليلى مراد وأفلامها من سوريا، كمّا وصل الأمر إلى التحقيق السياسي معها، بعد طلب جامعة الدول العربية بالتدخل لوقف ما يحدُث من النجمة الشهيرة.

لم ترُد ليلى مراد على ما قام به أنور وجدي، حيثُ فضلت الاعتزال والدخول في حالة من السكون الاجباري، كمّا دخلت المستشفى فيما بعد، وهى تقول بحسرة: «الله يجازيك يا أنور».

2014-01-12_00304.jpg

كانت ليلى الثانية في حياة أنور وجدي، هى ليلى فوزي، والتى كان زواجه منها حلمًا صعب المنال في بداية حياته الفنية، كان أنور وجدي يكبرها بعشرين عامًا، ففي المرة الأولى التى تقدم لخطبتها، رفض والدها وزوّجها لعزيز عثمان صديقه الذى يكبرها بعدة سنوات.

وبعد انفصاله عن ليلى مراد، حينما أصبح فتى الشاشة الأول، أراد أن يكرر الطلب مرة أخرى، وبالفعل تم الزواج، وعاد الحب بينهما، وشاركا في العديد من الأفلام أمام الكاميرات، بدءً من فيلم «خطف مراتي»، ولكن لم تكتمل قصة حبهما بسبب مرض أنور وجدي الشديد.

بدأت رحلة المرض مع أنور وجدي، حيث أصيب بمرض الفشل الكلوي في سرية تامة، فلم يكُن يعرف أحد سوى زوجته، كمّا أصيب بالعمى بعد 3 أيام من وصوله للعلاج خارج البلاد، وتحديدًا في «ستوكهولم»، وسط سكرات الموت التى قضاها بعيدًا عن وطنُه.

وفي صحوة الموت فتح أنور وجدي عينيه، وهمس لزوجته ليلى: «خليك معايا»، امتدت يدها لتمسك بيده وهو يحتضر، وهمست له:« أنا هنا»، فرد أنور وجدي: «حاسس إنى دلوقتي أول مرة أحب بجد».