ماذا تعرف عن شباب سينما الثمانينات؟

سينما الثمانينات وما تمثله لبعض المهتمين بالفن السينمائي المصري لها ما لها وعليها ما عليها ولكن المؤكد أنها مرحلة هامة بعد فترة عجيبة سينمائياً في السابعينيات , أفرزت الثمانينات لنا جيل جديد ورائع من المبدعين في الإخراج أو التأليف أو الممثلين وإنتمائها بنسبة كبيرة للواقعية وملامستها لحياة الناس بشكل حقيقي بعيداً عن رومانسية مفرطة أو أفلام غنائية غير مفهومة كالسبعينات ..!!

وبتلك الفترة ظهر لنا جيل جديد من الممثلين الشباب المميزين جداً صنعوا لنفسهم بصمة واضحة في تاريخ الفن العربي والمصري وبصمة في قلوب متابعين ومحبي الفن لما يمتلكوه من موهبة قوية وأداء منفرد  وإستطاعوا في هذا الوقت من وجهة نظري وضع اللبنة الأولي لما يسمي شباب السينما أو فيما بعد سينما الشباب، ظهروا بمفراداتهم وأسلوبهم معبرين عن نفسهم وجيلهم محطمين أي مقياس سابق ومع ذلك أثبتوا  نفسهم إستطاعوا أن يجدوا لهم مكاناً بحق أمام الكاميرا. تعالوا خلال السطور التالية نتعرف على أبرز شباب سينما الثمانينات..

الشاب الهاديء الملتزم – أحمد سلامة

ملامحه المميزة ووجهه الوسيم إستطاع أن يجيد أدوار الشاب الخلوق وأحياناً الملتزم الهاديء بسينما الثمانينات، موهبة مميزة بحق إستطاعت أن تبرز نفسها وكيف لا وهو من ضمن بداياته مع العبقري يوسف شاهين في فيلم إسكندريه ليه وظل يعمل بنشاط دون توقف طوال فترة الثمانينات والتسعينات ليقدم أدوار و أعمال صنعت له تاريخاً لم يتكرر لمن في مثل سنه بهذا الوقت فعمل مع المخرج الكبير حسين كمال وأمام  قامتين في التمثيل عبد المنعم مدبولي و عادل إمام بفيلم إحنا بتوع الإتوبيس ودوره الأكثر من رائع أمام الساحر محمود عبد العزيز بفيلم أبناء وقتلة ومرة أخري يتعاون مع يوسف شاهين بفيلم المهاجر، ولكن التحول الحقيقي بأداءه دور الشرير علي المسرح أمام يحيي الفخراني برائعته الملك لير بتجسيده شخصية (إدموند) .

موهبة كبيرة لم تأخذ حقها بشكل كبير مثل بعض أنصاف الموهوبين ولكن برغم هذا إمتلك أحمد سلامة تاريخاً كبيراً علي مستوي السينما والدراما التليفزيونية ووضع إسمه بحروف من نور في التاريخ .

الموهبة العبقرية – عبد الله محمود

يبدوا الأوفر حظاً بين أبناء جيله فهو من إستطاع الوقوف أمام عمالقة الفن التمثيلي بالوطن العربي لما يمتلكه من عبقريه في الأداء، عبد الله محمود ذلك الإسم الذي إرتبط سينمائياً بأهم الأفلام وأهم صناع السينما .

بداياته كانت صغيراً مع صديقاه (أحمد سلامة , محسن محيي الدين) من خلال التليفزيون وتأتي إنطلاقته السينمائية مثل صديقيه بفيلم إسكندرية ليه ليوسف شاهين والذي قدمه ليوسف شاهين صديقه محسن محيي الدين.

لتتوالي أعمال وظهور موهبته وعبقريته أكثر فيتعاون مع عادل إمام بفيلمي حنفي الأبهي وشمس الزناتي ويقف أمام أحمد زكي بفيلمي الإحتياط واجب وفيلم الإمبراطور تارة ينتقل في أفلامه بين أداء شخصية الشاب الهاديء وتارة أخري الشاب الفاسد بسيولة وإقناع لمشاهديه رائعه.

وتظل عبقرية وإثبات دليل موهبة عبد الله محمود وأننا أمام ممثل من طراز خاص في فيلم المواطن مصري والمصير، المواطن مصري عمل رائع للمخرج الراحل صلاح أبو سيف وإستطاع أن يقف أمام الفنان العالمي عمر الشريف وكان يجسد دوره ببساطة دون أي تكلف أو (فذلكة) أما بفيلم المصير ودوره الشاب المنتمي لإحدي الجماعات الإرهابية وكيفية تجسيده لتلك الشخصية من مكر وتصديق لتلك الجماعة،  تشعر بأنه مخدر أمام تلك الأفكار التي يتبناها ..!! فأداء عظيم لشخصيتين أبعد عن بعض تماما وأستطاع أن يجسدهما بمنتهي التلقائية والبساطة .

وبالرغم من موهبته وتلك النجاحات لم يجسد أبداً دور بطولة كمثل أبناء جيله سوي بأخر أفلامه واحد  كابتشينو والذي لم يمهله القدر حتي من رؤيته فرحل عن عالمنا يوم 9 يونيو عام 2005 تاركاً وراءه تاريخ   كبير ومشرف وأعمال سينمائية خالدة

الولد الشقي المنحرف أحياناً !! – وائل نور

في بداياته الفنية تنبأ له الجميع بأنه سيكون خلفاً للفنان حسن يوسف، لما يمتلكه من خفة ظل وأداء لدور الشاب المستهتر، يبدوا وائل نور للبعض بأنه فنان عادي لم يضيف شيئاً ولكن هذا غير صحيح بالمرة فإمتلاكه لأدوات الشاب المستهتر وضعه دوماً بتلك الأدوار وجعل بعض المخرجين الواعين حقاً لموهبته إسناد له دوماً أدوار الشاب المجرم الخارج عن القانون والفاسد.

ولكني أري بأنه حتي وفاته لم يأخذ فرصته الحقيقية كفنان فوائل نور كان يملك بداخله الكثير والكثير لم يظهر لنا بعد وذلك وضح في عودته السينمائية بعد غياب  طويل في فيلم الليلة الكبيرة فهو يمتلك أدوات أصعب مدرسة بالتمثيل وهو السهل الممتنع فيقنعك بأن ما يلعبه دور عادي ولكن يظل عالقاً بذهنك دوره حتي بعد إنتهاء الفيلم فهو لم يكن أداءه سهلاً أبداً .

الموهبة المتجددة – شريف منير

من الفنانين القلائل الذين يمتلكون ذكاء واضح فهو لم يتوقف مثلما حدث مع أكثر أبناء جيله ولكنه مازال مستمراً فهو يمتلك بجوار موهبته التمثيلية موهبة أخري وهي التجدد في نوعية الادوار التي يقدمها ولذلك جعله يتعاون مع أكبر المخرجين والفنانين علي مدار تاريخه.

بدايته الحقيقية بمسلسل – رحلة المليون – مع الفنان محمد صبحي وكان وقتها طالباً بالمعهد العالي للفنون المسرحية والذي قد نصحه للإلتحاق به الفنان العظيم صلاح جاهين , وبعد نجاح مسلسله ينطلق شريف منير في عالم السينما ليقدم الكثير من الأفلام الهامة , ولكن أغلب النقاد يرون إنطلاقته الحقيقية في السينما كانت  بعد عمله في تحفة داوود عبد السيد الخالده الكيت كات ليعمل بعدها أمام أحمد زكي في واحد من أهم أفلامه وهو فيلم هيستريا .

شريف منير دوماً يشعرك بأنه يمتلك خبرة وموهبة من نوعيه خاصة فهو من الشخصيات التي وقوفها أمام  الكاميرا مميز، موهبته تتجدد فلم تتوقف عند أي زمن سينمائي بل إستطاع التكيف والعمل مع أغلب المدارس السينمائية المختلفة .

هذا الجيل قد صنع سينما مختلفة وتمثيل من نوع يختلف عن من سبقوه ودعم بشكل كبير جداً من قد أتوا من  بعدهم للسينما من شباب قد صنع سينما خاصة به، فهذا الجيل كان بمثابة جسر نقل خبرة الفنانين القدامي   بعملهم معهم وتقديمه لجيل جديد يحمل بفرصة جديدة وسينما تعبر عنه.. ودمتم سالمين

ملحوظة: الموضوع إهتم بذكر تاريخ هؤلاء الفنانين سينمائياً فقط ولم يسع أن يتكلم عن تاريخهم بشكل كامل في المسرح والدراما..

فيلم الناظر

الناظر صلاح الدين.. العجلة بدأت تدور!!

نحن الأن في موسم صيف ٢٠٠٠.. العجلة بدأت تدور، والملايين غير المسبوقة التي تدفقت مع عودة الناس أفواجاً إلى دور العرض أنعشت الصناعة التي أخذت في التعافي واسترداد الأنفاس بعد طول تيبس!.. الدولة خفضت من ضريبة الملاهي فتشجع رجال الأعمال ونزلوا مضمار السنيما، ودارت حركة محمومة على قدمٍ وساق بالقاهرة والإسكندرية والمُحافظات لبناء العشرات من دور العرض بشاشات المالتي بالكس والدولبي سيستم، وتحديث السنيمات الكلاسيكيّة القديمة وتقسيمها لعددٍ من الشاشات بما يسمح بعرض عددٍ أكبر من الأفلام. وفي تلك الأجواء أقدم محمود حميدة على إصدار مجلة “الفن السابع”، إحدي أفضل تجارب المطبوعات السنيمائية على الإطلاق، بالتوازي مع حركة نقدية رصينة لجيل الكبار في مجلات صباح الخير وروز اليوسف وأخبار النجوم، وبزوغ لنقاد شبان متميزين مثل عصام زكريا وعلاء كركوتي وإيهاب الزلاقي ونهاد إبراهيم، وإصدارات عالية القيمة بسلسلة “آفاق السنيما” التي رأسَ إدارتها الأستاذ يعقوب وهبي.

كانت سنوات تكاتف وتكامل وبناء مضيئة بحق، وبدا وكأن جميع الأطراف، صناع السنيما ووكلاء الشركات الهوليوودية ورجال الأعمال والدولة وفي المقدمة الجمهور نفسه، كل مكونات المجتمع كانت تترقب لحظة أو إشارةٍ ما أو حجر يُلقى فيُحرك المياه الراكدة لسنوات بالسنيما المصرية. وكانت الإشارة والحجر والفتيل هو النجاح المُفاجئ لفيلم “اسماعيلية رايح جاي”، فتحركت كل هذه الأطراف على الفور في وقتٍ واحد وبتناسق مُدهِش في تيار واحد نحو استغلال هذه اللحظة العظيمة والنهوض بالصناعة من كبوتها والانطلاق بها نحو آفاق غير مسبوقة، على النقيض تماماً مما يحدث الآن في حقبة التواصل الاجتماعي التي يتسابق فيها الجميع للهدم والتجريح.

وكانت شهور الإجازة الصيفية الطويلة المُمتدة من دون رمضان يقطعها بمثابة مرتع طبيعي وموسم مثالي، وشيئاً فشئ بدأ موسم الصيف يتخِذ شكلاً بدائياً قريباً من نظيره الهوليوودي مع فارق الاسكيل الهائل بالطبع من حيث الدفع بنوعية الأفلام ذات الموضوعات الخفيفة والإنتاج “الباذخ” والنجوم المحبوبين لجمهور قوامه من الشباب المُتعطِش لسنيما مُسلية تُعبِر عنه، و كان من مظاهر هذا الحراك أن ظهرت في صيف ٢٠٠٠ لأول مرة جداول البوكس أوفيس المصري التي كان يعدها الصحفي علاء كركوتي إسبوعياً على صفحات مجلة “شاشتي” مشفوعة بدراسات سوقية (من “السوق”) مدققة.

كانت الجولة الأولى من ثورة المُضحكين الجُدد بموسم صيف ١٩٩٩ قد أسفرت عن احتفاظ محمد هنيدي بمكانته في مُقدمة المشهد بإيرادات وصلت لرقم ثلاثة وعشرين مليون جنيه حققها فيلمه “همام في أمستردام” بتراجع أربعة ملايين جنيه عن رقم “صعيدي في الجامعة الأمريكيّة”، وحلول صديقه علاء وليّ الدين في المركز الثاني بعشرة ملايين حصدها “عبود على الحدود” أول بطولاته المُطلقة، وجمع “الآخر” فيلم يوسف شاهين خمسة ملايين أخرى. أما أحمد آدم وأشرف عبد الباقي، الضلعان الآخران في مربع الكوميديانات الّذين صعدوا من موقع السنيد للبطل المُطلق بعد نجاح الرهان على هنيدي في “صعيدي”، فلم يُحقِق أيُ منهما نجاحاً يُذكر. رغم أن آدم تعاون في فيلمه “ولا كان في النية أبقى فلبينية” مع نفس سيناريست ومخرج “اسماعيلية”، وأشرف عُرِضَت له ثلاثة أفلام دفعة واحدة أحدهم للأمانة وهو “حسن وعزيزة، قضية أمن دولة” بمشاركة يسرا كان مُبشراً بأرقامٍ أفضل لولا بلطجة الموزعين الّذين انحازوا لفيلم يوسف شاهين ذي الصبغة التجارية الواضحة على حساب أفلامٍ أخرى من بينها الفيلم المذكور.

مجموعة “عبود” التي خرجت منتصرة من هذه الجولة، وكانت فعلياً هى أكبر الرابحين، واجهت بعدها تحدياً صعباً. شريف عرفة تحديداً أحدقت به أعين المراقبين لمعرفة إن كان نجاحه في استغلال إمكانات علاء ولي الدين في “عبود” هو نجاح المرة الواحدة أو وليد المصادفة، أم أن بالإمكان تحقيق المزيد، وبخاصةً أن تكوين علاء الجسماني يحدد من المساحة الدرامية التي بوسعه أن يتحرك بها.

للأمانة كاتب هذه السطور كان يتابع التجربة بقلق وبخاصةً مع ما نُشِر بالصحافة عن الفيلم أثناء التصوير فإذا بأغلب فريق “عبود” مُشاركاً بالفيلم الجديد، الأمر الذي أوحى بأنه قد يكون مجرد تكرار لنفس القالب، وإن كان نجاح “عبود” قد أورث شيئاً من الطمأنينة وجعل الفضول والشغف يسبقان القلق. وطبعاً هناك تلك الواقعة المضحكة لأن شر البلية ما يضحك، والمتمثلة في أن الرقابة المستنيرة برئاسة الناقد المثقف أ. علي أبو شادي رحمه الله قد انتفضت ضد عنوان الفيلم “الناظر صلاح الدين” واعتبرته إهانة لشخص وقيمة الناصر صلاح الدين الأيوبي، ورفضت التصريح بعرض الفيلم إلا بعد استبدال العنوان على الأفيشات ب “الناظر”، وهو ما حدث بالفعل، وإن احتفظت التترات بالعنوان الأصلي!

افتُتِحَ السيزون الصيفي رسمياً بفيلم “شجيع السيما” من بطولة أحمد آدم وياسر جلال وإخراج علي رجب، والذي لم يصمد في شبابيك التذاكر أمام الفيلم الأمريكي “جلادياتور” رغم أن الأخير كان يُعرض بخمسة نسخ فقط وفقاً للقانون الذي كان يستهدف دعم الفيلم المصري بمحاصرة الأجنبي، فتهاوت أرقام الشجيع سريعاً أمام المصارع الذي كسر حاجز المليونين بنهاية الموسم.

بعد إسبوعين اجتاح الزغلول الكبير محمد هنيدي السوق بعشرات النسخ من فيلمه الجديد “بلية ودماغه العالية”، والذي كان التعاون الثالث على التوالي بينه وبين السيناريست مدحت العدل رغم انتقاله – هنيدي- من العدل جروب لشركة يونيكورن المملوكة لمجدي الهواري وهو مُنتِج “الناظر” أيضاً ومن قبله “عبود”. شهد الفيلم أيضاً استبدال هنيدي لشريك نجاحه المخرج سعيد حامد بالمخرج نادر جلال الذي كان أحد نجوم الصف الأول والمخرج المفضل لعادل إمام ونادية الجندي بالسنوات الأخيرة، وانعكس هذا على الصورة النهائية للفيلم الذي افتقر للروح الشبابية الطازجة بسابقيه “صعيدي” و”همام”، واختنق بكوميديا لفظية ثقيلة الظل وكليشيهات مهروسة من تراث السنيما المصرية.

بعده بإسبوعين آخرين بدأت عروض “الحب الأول”، كوميديا رومانسية شبابية من بطولة مصطفى قمر ومنى زكي وهاني رمزي حاول صناعها تكرار خلطة “اسماعيلية رايح جاي” من دون كبير نجاح.

ولكل ما سبق، كانت الآمال والتوقعات المُعلقة بالناظر كبيرة، ولكن ما لم يكن يتوقعه أعلى المتفائلين سقفاً أن يكون هذا الفيلم الكوميدي نقطة فارقة حقيقية والتواءة بارزة تركت أثراً غائراً بالمزاج الشعبي وأعادت تشكيل ذائقته وأنتجت تتابعات ستبقى نتائجها لسنوات طويلة.

وفي يوم الأربعاء ٢٦ يوليو ٢٠٠٠، بعد أربع أسابيع من بدء عرض “بلية”، اكتسح “الناظر” شبابيك التذاكر بما يزيد عن الثلاثة ملايين ونصف المليون جنيه حصدها في إسبوع الافتتاح، وقوبِلَ بعاصفة احتفاء من أغلب الأقلام النقديّة.

كانت مفاجآت الفيلم سخية بحق وعلى أصعدة كثيرة وكلها بطبيعة الحال تحمل بصمة شريف عرفة: هناك الشكل الذي ظهر عليه علاء ولي الدين، والقرار الجرئ بتجسيده لستة شخصيات دفعة واحدة، اثنتان منها رئيسيتين وتظهران بأغلب مشاهد الفيلم. لم يكن هذا سبقاً لأن إيدي ميرفي كان قد فعلها قبل سنوات قليلة بفيلمه الشهير “البروفيسور الشقى” (١٩٩٦) وقام بتجسيد شخصيات أسرة بأكملها بأداء صاخب مبني على كوميديا الفارص بالدرجة الأولى. أما هنا في “الناظر” فالتركيز الأكبر انصب على بناء شخصيات حقيقية مقنعة ومنفصلة عن سابق المعرفة بهوية الممثل، تحديداً شخصية الست جواهر والتي بلغت قدراً من اللمعان وصل لدرجة استقلالها عن علاء ولي الدين، والتعامل معها كشخصية حقيقية لها حضورها الخاص. هذا النجاح الاستثنائي في مضمار تجسيد الرجال لأدوار النساء يعود فيه الفضل إلى اهتمام شريف عرفة بأدق التفاصيل في بناء شخصية الأم سواء في السيناريو أو التفاصيل الخارجية من اكسسوارات وماكياچ رفيع المستوى للماكيير جمال إمام، وتقنية المونتاچ عن طريق ترتيب الطبقات على الكمبيوتر في المشاهد التي جمعت الابن والأم والأب والتي جاءت نتيجتها إنجازاً تقنياً حقيقياً يحسب للمونتير معتز الكاتب ولمخرج الفيلم. والأهم والأخطر بالطبع الطاقة التمثيلية الهائلة التي امتلكها الراحل علاء ولي الدين، ولمسها شريف عرفة مسبقاً بأدواره الصغيرة في “يا مهلبية يا” و”الإرهاب والكباب” و”المنسي” و”النوم في العسل” ثم بدور البطولة في “عبود” قبل يتمكن هنا من تحريرها وإطلاقها وإدارتها بوعي وموهبة وخبرة، في مشاهد كوميدية بديعة التصميم والتنفيذ مثل مشهد البكاء والشحتفة في جنازة عاشور، ومشهد الرقص في الديسكو تيك على أغنية مامبو نمبر فايڨ، وحتى في لقطات خاطفة مثل قيادتها للسيارة الربع نقل، فناهزت شخصية الست جواهر الشخصيات النسائية الشبيهة التي لعبها ممثلون رجال بأفلام “سكر هانم” و”الآنسة حنفي” إن لم تتفوق عليها، وتحقق لها الخلود في الوجدان الجمعي للجيل الذي عاصرها لأول مرة بالسنيمات، أو الأجيال التالية التي شاهدتها على شاشات التليفزيون. وجدير بالذكر أنه بنفس الموسم عرض الفيلم الكوميدي الأمريكي “منزل الأم الكبيرة” والذي لعب فيه مارتن لورانس دور مخبر شرطة ينتحل شخصية سيدة عجوز بدينة، ولكن النتيجة الإجماليّة رغم الفارق الهائل في الميزانية كانت أقل بمراحل من تألق علاء ولي الدين في دور جواهر.

السيناريو والحوار لأحمد عبد الله في ثاني تجاربه الروائية الطويلة بعد “عبود على الحدود”، ويخبر شريف عرفة بنفسه – وهو صاحب القصة بالمناسبة- في الأحاديث الصحفية أن له إضافات كثيرة ومهمة على السيناريو، منها على سبيل المثال روسنة العاهرة (جعلها روسية) في مشهد زيارة صلاح وعاطف واللمبي لأحد بيوت الدعارة، ووجود مترجم مرافق لها بغرفة النوم، الأمر الذي أكسب المشهد قدراً كبيراً من التميز والاختلاف عن كثيرٍ من المشاهد الشبيهة في الكثير من الأفلام المصرية. أما الدور الأهم فكان شخصية اللمبي، الشخصية والمظهر وطريقة الأداء، واختيار محمد سعد.

عرفة كما أشرنا مراراً في مواضع عديدة هنا على الصفحة، متميز للغاية في اختيارات الأدوار المساندة، سواء من بين ممثليه المفضلين مثل يوسف عيد ومحمد يوسف وحجاج عبد العظيم و-طبعاً طبعاً- سامي سرحان الذي سطر هنا بمشاهد قليلة دوراً كوميديّاً خالداً لشخصية نظمي بيه، أو من الوجوه الشابة الجديدة مثل غادة عادل في “عبود” وبسمة هنا في “الناظر” والراحلة حنان الطويل بل وحتى أحمد حلمي نفسه بكلا الفيلمين.. أو من بين ممثلين نصف مغمورين نصف مشهورين ولكنهم خارج دائرة الكاستينج التقليدية مثل محمد سعد، الممثل المسرحي الذي عرفه الجمهور على نطاق ضيق من خلال ظهوره بأعمال تسعيناتية ناجحة كالفيلم التليفزيوني “الطريق إلى إيلات” ومسلسل “من الذي لا يحب فاطمة؟”.

أذكر بوضوح في تلك الآونة أن كل من شاهد الفيلم من الأصدقاء والمعارف خرج من السنيما ليتحدث أول ما يتحدث عن اللمبي وطريقة اللمبي وإفيهات اللمبي. الكاراكتر الطازج بهيئته ولغته وخلفيته الاجتماعية والثقافية الجديدة على الشاشة، والّذي استحوذَ على الانتباه منذُ لقطة ظهوره الأولي بمشهد الفرح الشعبي (والّذي أراه بشكل شخصي أقوى مشاهد الكوميديا التي قدمتها السنيما المصرية على الإطلاق). هذا الظهور الّذي لم يتجاوز العشرين دقيقة موزعة بهندسة ممتازة على زمن الفيلم كان بداية لـ cult أو طائفة سنيمائيّة جديدة ابتدأت كوميديّة صِرفة بأفلام “اللمبي” و”اللي بالي بالك” وبقية الأفلام التي لَعِبَ بطولتها محمد سعد الّذي صعد به الكاراكتر لقمة النجومية بسرعة الصاروخ في غضون سنتين لا أكثر، قبل أن تتحور وتظهر لها تنويعات أكثر ميلودراميّة على كاراكتر البطل الشعبي أو للدقة: نقيض البطل القادم، من العشوائيات التي انتشرت حول وداخل العاصمة، بلطجي يُمارس أعمالاً غير مشروعة وغالباً ما يُقاتل ضد أعداءه وضد الحكومة وضد قدره الّذي لا حيلة له فيه. ومع القبول الجماهيري العام لهذا الكاراكتر الجديد، تقاطر المنتجون وعلى رأسهم السُبكيّة ليغترفوا من تلك البئر وامتلأت السنيمات في كل المواسم بأفلام السرسجيّة والعشوائيات لتحصد الملايين، العديد منها كتبه أحمد عبد الله، وكتب واشترك في كتابة البقية أسماءُ أخرى مثل بلال فضل وخالد يوسف وناصر عبد الرحمن، وامتزجت أفلام هذه الأسماء الثلاثة الأخيرة بجرعة ميلودراميّة نضاليّة زاعقة وشديدة الافتعال في أغلب الأحيان بالتزامن مع تصاعد الحراك السياسي ضد نظام مبارك منذ العام ٢٠٠٤. وامتد تأثير الـ cult إلى المزيكا، فانتشرت موسيقى وأغنيات المهرجانات كالنار في الهشيم واستقرت في عمق ذائقة الطبقة الوسطى، والبداية كانت عشرين دقيقة من فيلم “الناظر”.

مع انتهاء عروضه الصيفيّة حصد الفيلم ستة عشر مليوناً من الجنيهات مُقابل ميزانيّة بلغت خمسة ملايين جنيه كانت رقماً فادحاً في ذاك الحين، بمعنى أنَّ السوق الداخلية غطت تكاليف الفيلم وحققت له الربح، الأمر غير المتصور حدوثه طبعاً في الظروف الحالية، ليحتل المركز الأول في قائمة الأعلى إيراداً من بين أفلام ٢٠٠٠، وليعيش طويلاً في ذاكرة مُشاهديه حتى لحظة كتابة هذه السطور، ويتفاعل الجيل الجديد مع إفيهاته وكادراته بكثافة في بورصة الكوميك والميمز على السوشيال ميديا، وهو نجاح جمعي يُمثِل خلاصة إرادة النجاح لدى الجميع مُنذُ بدأ الحراك السنيمائي الّذي ذكرنا في مُفتتَح المقال، السنيمائيين والنقاد ورجال الأعمال وأصحاب دور العرض والدولة المُشاهِد نفسه الّذي أحب الفيلم وتفاعل معه بالطريقة الطبيعية الخالية من الأدلجة وشهوة التحقق الرخيص، في زمن ما قبل وسائط الزفت الاجتماعي التي فتحت آبار القبح وأثارت شهوة الهدم لدى عموم وآحاد الناس والنقاد.

المقال الأصلي من كتاب (افلام فترة النقاهة) لشريف ثابت بتصرف بسيط..

ايس كريم فى جليم.. اول تمرد لشباب التسعينات!

يعتبر فيلم ايس كريم فى جليم للمخرج المبدع خيرى بشارة من أهم أفلام التسعينيات من القرن العشرين، الفيلم في حد ذاته عمل مختلف، ويحتوي على بصمة خاصة، وتركيبة مستقلة بدأها بشارة مع فيلم “كابوريا” انتاج عام 90 للنجم أحمد زكي.. مرحلة الأفلام الغنائية!.. ولكن الأغنيات فى آيس كريم في جليم لها شكل وطعم ولون (انا حر، ح اتمرد ع الوضع الحالى، رصيف نمرة خمسة، يا دانة، بس انت تغنى واحنا معاك)..

فيلم عن جيل جديد مختلف يريد أن يتحقق فى بداية التسعينات متحديا بدايات الركود والملل والعادى، هناك مشاهد جيدة جدا بالذات فى علاقة الشاب سيف (عمرو دياب) مع المغنى الشوارع زرياب (أو على حسنين فى واحد من اجمل أدواره)، ليس فى الفيلم صعود أو نجاح كامل لهذا الجيل الجديد على طريقة الأفلام الغنائية القديمة، ولكن هناك انتزاع للفرصة بالغناء سواء على محطة المترو أو على الشاطئ. جيل الشباب هم الأقوى وهم يقاومون استغلال جيل الوسط الإستهلاكى (والذي لعب دورهم حسين الإمام وعزت أبو عوف)، ويتحررون من إحباطات جيل الكبار (أو زرياب الذى يموت بهدوء ودون أن يشعر به احد).

الملاحظ أن سيف يتيم، وصديقه نور اليساري فقد والديه، وآية والدها يموت، وحضوره في حياتها كان أقرب الى الغياب!.. سيف سينتقل من كشك مغلق فى شارع 9 الى الفضاء المفتوح، يستخدم المخرج عدسة واسعة تجعل الكشك أقرب الى العالم الواسع، فكرة انتزاع الميكروفون ستقدم فيما بعد فى فيلم آخر عن الموسيقى والغناء هو “ميكروفون”، ولكن يظل “آيس كريم فى جليم” من أهم الأفلام التى رصدت بداية تمرد جيل بأكمله، وأدانت المحاولات المضادة لإحباط وقتل المواهب، هناك تحية لكل أنواع الموسيقى قدمها خيرى بشارة على تراك الصوت، من الراى الى موتسارت، ومن عبد الحليم الى الأغنيات الغربية، وهناك طموح فى تحقيق ما يقترب من أفلام الميوزيكال الأمريكية (أغنيات تغنى عن الحوارات مثل أغنية سيمون فى بيتها وهى تقلد مادونا، وأغنية لجيهان فاضل تعبيرا عن حيرتها فى الإختيار بين اثنين يعشقونها، أو أغنية حسين الإمام “افهم فنون اللعب وما تبقاش غبى”..

ولدينا أيضا صورة رائعة صنعها طارق التلمسانى، وكأنها تتحدى قتامة الفشل والإحباط، المشكلة الواضحة فى بعض الحوارات المباشرة التى لم يستطع أن يتخلص منها مدحت العدل، ولكنه عوضها بالأغانى الجميلة، ومشكلة أخرى هى أداء عمرو دياب بتعبير وجهه الجامد فى كل المشاهد تقريبا، وإن كان هذا الفيلم هو أفضل أفلامه على الإطلاق

شاهدت الفيلم وقت عرضه فى سينما ريفولى، فى أول مشاهدة لم أسمع شيئا لأن جمهور عمرو دياب كان يصفق وقوفا عندما يغنى، وكلهم دون سن العشرين، أعجبنى هذا التجاوب، كنت سعيدا بحالة البهجة فى الصالة، ولكنى لم أستطع التركيز، فى المرة الثانية التى شاهدت فيها الفيلم كان الأمر أفضل، وخصوصا عندما بدأ الجمهور ينتبه الى اغنيات عبد الحليم الوطنية، وعندما بدأ يتفاعل مع المشاهد التسجيلية التى دمجها خيرى بشارة فى الفيلم، لن أنسى فى المرتين حفاوة الجمهور وتصفيقه مع ظهور ممثلين كانا وقتها فى خطواتهما الأولى.

أشرف عبد الباقى فى دور الشاعر السياسى الشاب الثوري المناضل المتلفع بالغترة السمراء، والراحل الموهوب علاء ولى الدين الذى ظهر فى مشاهد معدودة أثار فيها الضحك (أحد مفاتيح الفيلم عبارة “نضحك أحسن ما نبكى” التى يقولها له سيف).. الفيلم ببساطة هو صياغة متفائلة لماساة جيل.

شهد الفيلم أيضا مولد جيهان فاضل التى لم تحقق حتى الآن ما يعادل موهبتها الكبيرة، أما المرة الثالثة اللى شاهدت فيها الفيلم فكانت بأمر أختى التى لا أستطيع أن أرفض لها أى طلب بدخول الفيلم الذى تختاره، كانت من جمهور عمرو دياب، فشاهدتُ الفيلم معها للمرة الثالثة، لم أجد تكرار المشاهدة مزعجا بأى حال من الأحوال .

يكفى “آيس كريم فى جليم” أنه قدم تحية عذبة لجيل الشباب، ولحقه فى التعبير والحرية التى يعبرعنها طائر النورس فى السماء، يكفيه تلك الروح المتفائلة التى تصل إليك مع كلمات أغنية النهاية :” آيس كريم فى ديسمبر/ آيس كريم فى جليم/ الناس حاسين بالبرد/ وفى قلبنا شم نسيم”، أغنية متحدية وجميلة، وجيل جديد يعلو صوته بالغناء يريد أن ينتزع الإعتراف، يلقون بالعكاكيز الى البحر ويغنى كل واحد منهم بكل قوة الحياة تعبيرا عن التحدى : “لوشمس الدنيا دى غابت/ أنا شمسى تشق الغيم”

المقال الأساسي كتب بقلم محمود عبد الشكور بموقع التحرير الأخباري.. وقد نقلناه بتصرف.