حسين كمال.. كتب اسمه على باب “شبرا بالاس” بدلا من نادي السينما!

المُخرج السينمائى و المسرحى والتليفزيوني متعدد المواهب حسين كمال. ولد عام 1934 في الحلمية الجديدة بالقاهرة، ويُعد الراحل واحداً من أهم مُخرجى السينما الحديثة، يعتبره الكثيرون أسطورة السينما المصرية بلا مُنافس!.. فلهُ حوالى 30 فيلماً تعد من علامات السينما المصرية على مدار تاريخها بالكامل، و هو من القلائل الذين إستطاعوا تحقيق المعادلة الصعبة في إرضاء الجمهور و النقاد معاً! وهى المُعادلة التى وصفها المؤرخ و الناقد السينمائى الفرنسى جورج سادول بمحاولة إختراق المُستحيل و أثبت أنه مُخرج لكل ألوان الفن بلا إستثناء..

إستطاع حسين كمال بأفلامه الثلاثة الأولى (المُستحيل) و(البوسطجى) و (شيئ من الخوف) تقديم سينما جديدة أثارت إهتمام النُقاد وإعتبروها (المَرحلة التجريبية) للسينما المصرية، فعلى سبيل المثال نجده قد رفض تغيير مَشهد النهاية فى فيلم البوسطجى حيث تموت البطلة الشابة (والتي لعبت دورها الفنانة زيزي مصطفى) على يد والدها (والذي لعب دوره القدير صلاح منصور). ورغم مُحاولات المؤلف يحيى حقي بإثنائه عن ذلك، لإيمانه بأن الرؤية السينمائية تختلف عن الرؤية الأدبية التي دافع عنها باستماتة المؤلف للنهاية.

كما إستطاع المخرج الراحل من خلال الفيلم أن يُحطم بعض قيود السينما التقليدية ليُقدم شكلاً فنياً سينمائياً جديداً، و كان أيضاً شديد الذكاء، ففى فيلم (شيء من الخوف) حين رأت الرقابة أنه يحملُ إسقاطاً سياسياً على الحكم و هو ما نفاه كمال وقتها و عُرض الفيلم ليُمثل أسلوب فنى مُبتكر يُحاكى الحكايات الشعبية على الربابة ليقدم للمُشاهد العربى شخصية  عتريس و فؤادة (أو محمود مرسى و شادية) فى فيلم يتناول جميع أشكال القهر حتى فى الحب!..

ثُم يُقدم فيلم (أبى فوق الشجرة) مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ويُحطم الأرقام القياسية فى شباك التذاكر فى السينما المصرية و العربية حيث إستمر عرضه فى دور سينما أكثر من 52 أسبوعاً لكنه أشار و بقوة لوجود مخرج إستعراضى يستطيع صُنع سينما غنائية جذابة بغض النظر عن الحبكة الدرامية إضافة لإثرائه السينما العربية بمجموعة من التابلوهات و الأغانى الإستعراضية الخالدة فى تاريخها.

ثُم يعود ليؤكد من جديد أنه مُخرج إستعراضى من طراز فريد و يثبت أن للأغنية الفيلمية أهمية درامية و ليست مُجرد إضافة جمالية للسينما فحسب فيُقدم نموذجاً ناجحاً للبطولة الجماعية فى فيلم (مولد يا دُنيا) لكن ذكاء حسين كمال يفاجئك دائماً ليس فقط فى تقديم عفاف راضى فى أول أدوارها السينمائية و إنما أظهر الفنان القدير عبد المنعم مدبولي كما لم تراه من قبل فى مشاهده التمثيلية التراجيدية مثل مشهد أغنية (يا صبر طيب) حيث كان واحداً من أجمل و أرق أدوار مدبولى لإحتوائه على فلسفة ساخرة و معانى و لمسات إنسانية عميقة.

ثم يخلع كمال ردائه “الإستعراضى” من أجل التغيير و يُقدم كمال فيلماً يحمل إسماً كوميدياً (إحنا بتوع الأتوبيس) مع أكبر نجوم الكوميديا عادل إمام و عبد المنعم مدبولى فى فيلم سياسى قوى ينتمى إلى السينما التى ألقت الضوء على حِقبة الستينيات فى مصر و أقلام بعض الكُتاب عن التعذيب داخل المُعتقلات.

ثم يتجه للرومانسية ليُخرج فيلم (حبيبى دائماً) الذى يُعد من ضمن أهم أفلام الحب والرومانسية المُغلفة بالميلودراما التى تبدو مُستهلكة لكنها بنكهة حسين كمال أبكت الجمهور و مازال (إبراهيم و فريدة) قصة تحرك مشاعر الكثيرين رغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً عليها!..

ثم يتجه للمسرح فى (ريا وسكينة) ليُقدم واحدة من أنجح مسرحيات الكوميديا الإستعراضية التى مازالت تعيش فى الوجدان العربى مع “إفيهات” نجومها شادية و سُهير البابلى مع عبد المنعم مدبولى وأحمد بدير.

هذا بخلاف عشرات الأعمال الأخرى و ربما مازال النقاد يرون أنه مُخرج تجارى لكنه قدم رؤيته فى صناعة الفن لكل الجمهور و نجح في جميع قوالبه و حقق ما قاله من قبل:

“اخترت أن أصنع الفن الكبير .. لقد وضعت اسمى على باب سينما شبرا بدلا من وضعه على باب نادي السينما أو مركز السينما ”..

من أشهر أفلامه العذراء و الشعر الأبيض وإمبراطورية م وثرثرة فوق النيل ودمى ودموعى وإبتسامتى ونحنُ لا نزرع الشوك و أرجوك أعطنى هذا الدواء و المساطيل بالإضافة إلى مسرحية الواد سيد الشغال و مسرحية حزمنى يا و مسرحية أنا و النظام و هواك..

ظل المُبدع حسين كمال يُمتعنا بأعماله الرائعة حتى توفى فى مارس 2003 إثر إصابته بهبوطٍ حاد فى ضغط الدم عن عُمرٍ يُناهز الـ 69 عاما، رحم الله المخرج الكبير..

«بوسطجي» حسين كمال.. ورسائل ضلت طريقها

منذ اللحظة الأولى في فيلم “البوسطجي” وأن تدرك أنك مقبل على توتر ووضع غير مريح للبطل، شخص يأتي من العاصمة، بصخبها وأنوارها وانفتاحها، كي يعمل في قرية مملة رتيبة ناظر مكتب بريد.. الأمر أشبه بمنفى!.. فبعد فيلمه الأول والمميز (المستحيل – 1965) والذي ربما سيكون لي معه وقفة طويلة.. عاد حسين كمال ليثري السينما العربية بفيلمه البديع “البوسطجي”.

وردت قصة فيلم البوسطجي في مجموعة يحيى حقي القصصية “دماء وطين” وقارب عدد صفحاتها الخمسون صفحة، استطاع صبري موسى بمشاركة دنيا البابا تحويل هذه القصة الطويلة أو (النوفيلا) إلى سيناريو بديع، لم يكن ليكتب له الخلود لولا دماغ مخرج متفرّد ومتميّز لم يدخر جهدًا ولا حيلة في إخراج الفيلم بهذه الصورة المُثلى للإخراج السينمائي.

لم يرضَ حسين كمال بضيق الاستوديوهات وبناء الديكورات والذي يحرم المشاهد المتعة الكاملة وينتقص من مصداقية الفيلم ويجعل هناك حاجزًا بين المشاهد والأحداث فتجده يشاهدها بدلاً من أن يتفاعل معها.

بل ذهب إلى المكان الذي يجب أن تجري فيه الأحداث، حيث “النخيلة” القرية التي تم تصوير المشاهد الخارجية للفيلم فيها، لاسيما وأن قرية “كوم النحل” مسرح الأحداث في القصة هي قرية افتراضية بينما النخيلة التي تم ذكرها في القصة الأصلية موجودة بالفعل.

تخيّم على فيلم البوسطجي القصة الرئيسية؛ “عباس” المنتقل حديثًا من القاهرة، العاصمة الصاخبة المزدحمة أرض الحريات والسهرات والترفيه والشوارع التي لا يعرف أحد فيها الآخر.. إلى قرية “كوم النحل” بجنوب مصر (والتي سميت بذلك لأنها حسب ما ورد في قصة يحيى حقي اشتهرت بإنتاج العسل) حيث السكون والملل والتحفز والعدائية والأعين المترقبة لأي تصرف صادر من الموظف القاهري الجديد التي ترصد حركاته وتحصي أنفاسه مما يصيبه بالاختناق ويجعلك طوال الفيلم متعاطفًا مع مأساته شاعرًا طوال الوقت بالانزعاج الذي يشعر به عباس وبجحيم الحياة اليومية لعباس وسط خطابات صمّاء لا تفصح عن شيء وأهل البلد الذين يتربصون به وعامل مكتب البريد الذي ينتظر له أول خطأ كي يشي به بلا مبرر واضح لماذا يريد أن يفعل ذلك، ناهيك عن العمدة واستغلاله لـ”عباس” وتأجيره بيته له بسعر أغلى مما يستحق، ومع ذلك يضايقه ويزعجه ويريد منه إخلاءه.

داخل هذه القصة الرئيسية تدور قصة أخرى موازية بين علاقة حب تنشأ بين “جميلة” بنت أحد تجار العسل (صلاح منصور) وبين “خليل” شقيق صديقتها حيث التقت به بينما كانت تدرس في أسيوط عاصمة المحافظة الجنوبية.

تظل القصتان، القصة الرئيسية للبوسطجي والقصة الفرعية للحب بين خليل وجميلة تسيران في توازي لا تتقاطعان إلا بعد أن يقرر عباس، فتح الخطابات بالماء المغلي للتلصص على خطابات أهل البلدة.

قد يبدو هذا الفعل لا أخلاقيًا، ولكن هذا ما يدفعك حسين كمال إلى التعاطف معه والتبرير له أيضًا..

تصرفات أهل البلد تجبرك على الاشمئزاز منهم، نقل الفيلم الرؤية الكاملة للتقابل بين طباع عباس القاهري المتحضر وطباع أهل البلد المتحفزة المتخلفة العدوانية، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد.. حيث يتسم القرويون بالخوف من الآخر والرعب من كل غريب أو غير مألوف، ويتضح جدًا إصرار سير الأحداث في الفيلم على إبراز هؤلاء على إنهم مجموعة من الهمج المتخلفين ولا حتى يتسموا بالقيم أو النبل التي تجبر من يتعامل معهم على احترامهم.

هؤلاء الذين يرون في إهمال الغزية لهم وذهابها مع عباس أفندي البوسطجي إلى منزله برضاها؛ إهانة لهم ولكرامتهم.. ظاهر الأمر أنهم يستغفلونهم ويحطون من شأنهم ويستهينون بهم لأنهم يمارسون (الرذيلة) في بلدتهم، لكن باطنه أن الغزيّة (الراقصة) فضّلت عباس أفندي عليهم، لأنهم يريدون الرذيلة لأنفسهم أيضًا لكنهم لا يجدونها فيدّعون التعفف وأنهم حماة الفضيلة والأخلاق.

وأكبر دليل على ذلك في مشهد عبقري من حسين كمال تحرشهم بها عند خروجها من دار عباس عندما يذهبون إليه ويبدئون في قذفه بالطوب والزجاج من أجل إخراجها..

أثناء هذا المشهد يطلبون من عباس خروجها فيقول عباس أنه حر حتى ولو هذه الراقصة هنا فإن هذا بيته ويصنع فيه ما يشاء، هذه الأفكار التي لا يفهمونها جيدًا أو يفهمونها ولا يقيمون لها شأنًا ليجيبه أحدهم: “الكلام ده مفيش منه فايدة يا عباس أفندي خلي الغزية تخرج لاحسن نكلم العمدة”.. لا يخاف عباس ويصرخ فيهم أنه “طز” فيهم وفي العمدة!

لكن الراقصة الجميلة تطلب منه أن يمرر الأمر بدلاً من جلب المزيد من الشر.. وتوافق على الخروج مما يؤجج غيظ عباس وقهره وحزنه وغضبه من هذه البلد ومن أهلها الأفاعي.

خفير مكتب البريد (أدّى الدور باستفزاز الفنان حسن مصطفى) الذي يتلصص على عباس متصيدًا أي غلطة له، ويستطيع بالفعل سرقة إحدى مجلات البلاي بوي التي جلبها عباس من القاهرة، وينادي على بعض أهالي القرية ليعرض عليهم (الجريمة) التي يرتكبها عباس، رغم الانبهار الذي يكسو ملامحهم وهم يدققون في أجساد الفتيات التي تملأ المجلة.

ولا يتوقف الخفير عند هذا الحد بل إنه يخبرهم أن هؤلاء صديقات عبّاس من “مـَصْر” (القاهرة) بعثن له بصورهن ‘‘واللي تعجبه فيهم يبعت يجيبها هنا’’ هل يقول هذا عن جهل فعلاً بأن هذه مجلات؟ وهذه أزمة فعلاً؛ أم لزيادة الاحتقان وشحن أهالي البلد أكثر بلا مبرر معروف ضد عباس..؟ وهذه أزمة أكبر!

كل هذه الأجواء أضِف إليها الديكور الكئيب للمنزل الذي يعيش فيه عباس، الوحشة التي تبدو عليها القرية رغم اتساعها لدرجة أنك تشعر بالغربة التي يشعر بها عباس والضيق والملل، قد تدفعك إلى تفهم فعل غير أخلاقي مثل اختراق خصوصية الرسائل من أحد القائمين على حفظها وتسلمها وتسليمها يدًا بيد.

على الجانب الآخر وصلت قصة الحب بين خليل وجميلة إلى رفض والدها زواجهما بسبب ذهابها يومًا إلى منزل خليل لزيارة صديقتها التي هي شقيقة خليل.

نفس الأب هو من اعتدى على خادمته وبالتواطؤ مع زوجته أنكر علاقته بها، وسلموها لأهلها.

يتراسل كلاً من خليل وجميلة؛ وبشغف ولذة شديدة بدافع التسلية وبدافع لذة التلصص المبررة كما ذكرنا سابقًا، يتابعهما عباس عن طريق صهر المادة اللاصقة لأظرف الخطابات وقراءتها ثم إعادة لصقها مرة أخرى.

تسير الأمور بخير لولا أنه يقوم بإتلاف أحد الخطابات بختمه عن طريق الخطأ، مما يستحيل تسليمه هكذا مما يدل على أنه قد فُتح بواسطة “البوسطجي”، وللأسف يكون هذا هو أهم خطاب.. حيث يخبر فيه خليل جميلة بتغير عنوانه لتراسله عليه، وبذلك كل الخطابات التي ترسلها لن تصل، خصوصًا آخر رسالة كتبتها في صورة استغاثة أخيرة واستصراخ غير مُجدي بعد أن علم والدها بحملها من خليل، وهي أكثر ما أثّر في عباس سواءً في الفيلم وفي الرواية، كتبت تقول فيها فقط:
“خليل، أنقذني.. أنقذني.. أنقذني”

هذه الرسالة التي جعلت عباس يهيم على وجهه يبحث عن جميلة في كل أنحاء القرية ليسلمها خطابات خليل التي لم تصل والتي اكتشف أنه في مأزق بسبب أنه لا يعرف ملامحها، وكل علاقته بها من خلال تتبع علاقتها بخليل، وعندما يراها لأول مرة بالفعل.. يكون قد فات الأوان.

المشهد الأخير أسطوري فعلاً، كل شيء فيه.. الموسيقى الجنائزية.. خروج أهل القرية من بيوتهم الأشبه بالقبور كأن صرخة جميلة الأخيرة هي أشبه بصيحة يوم القيامة التي تجعل الأموات من الأجداث ينسلون، لقاء عباس بجميلة وتأمله لملامحها.. وقوفه أمامها وأمام والدها في مشهد صامت رائع.. مكان التصوير الذي اختاره حسين كمال بعناية ليناسب أسطورية المشهد.

وأخيرًا.. يقطّع عباس كل الخطابات التي بحوزته.. لينتهي فيلم البوسطجي وبقاياها طائرة في الهواء تذروها الرياح، بلا سبب معلن من الفيلم، لكنني شعرت أن عباس شعر بعدم جدوى كل هذه الخطابات، كل هذه الأيدي المُسّلمة والمستلمة، كل هذه الكلمات المصطفة في الأوراق البيضاء، كل هذه المصالح والأخبار والحكايات التي تمتلئ بها الخطابات ما لم تستطع أن تنقذ جميلة من مصيرها.

وبالفعل.. عندما قرأت القصة.. تأكد شعوري بتشابهه مع منطق عباس الذي أفصح عن تصرفه!

هنا يتردد السؤال: القصة أكثر إمتاعًا أم الفيلم؟ وهل يوجد اختلاف بينهما؟
حسنًا، مقارنة جائرة بين كلمات مطبوعة بالآلة الكاتبة على ورق أبيض.. بكاميرات وممثلين ومخرج وإضاءة وديكور!

حيث اختلاف الأدوات يجعل المقارنة بشكل موضوعي مجرد بين كل منهما عبثًا، لكن من حيث التأثير الأكبر بداخلي، فالفيلم بالطبع، لم تكن القصة إلا حكاية تجري في قرية.. مشوقة في بعض الأحيان ومملة في البعض الآخر.. أما الفيلم فقد جعلني أشعر بما يشعر به عباس، جعلني أنفصل عن العالم طالما أشاهده، لذلك أحببت الفيلم أكثر من القصة.

وقيل أن يحيى حقي قد اختلف مع حسين كمال بسبب نهاية الفيلم التي رآها قاسية حيث تركها مفتوحة في القصة دون حسم مصير الفتاة، والحقيقة إنني أرى إن لم تكن النهاية بهذا الشكل فقد يفقد الفيلم الكثير من قيمته ومتعته.

تمت الإشارة في الرواية إلى تحفظ الوالد عن الزواج بسبب اختلاف مذهبهما في الديانة فهو من الأرثوذكس وخليل من البروتستانت، وهذا ما اعتنى به يحيى حقي فعلاً وتطرق إليه بإسهاب في الرواية حول ديانة كلاً منهما.. بينما في الفيلم فلم يأتِ بسيرة ديانتهما أصلاً واكتفى بالإيحاء بانتمائهما للعقيدة المسيحية دون التصريح، ذلك وأن خليل ابن عم والده هو “معوض فلتس” الموظف بكوم النحل، و والده هو المقدس عياد راغب. وهذه أسماء وصفات مسيحية كما يظهر.

يجب الإشارة إلى أن فيلم البوسطجي قد اختير، عن جدارة، كأحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما العربية.

إحسان عبدالقدوس.. إسهامات سينمائية بارزة

قال عنه الشاعر الكبير صلاح جاهين «الكاتب المصري صحى شعبنا النعسان، وعلمه كلمة الحرية والانسان وكلمة الثورة اهداها لكل انسان. عاشت بلادنا، وعاش الكاتب المصري، وعشت للشعب كاتب مصري يا احسان».

إنه إحسان عبد القدوس الأديب والروائي الكبير الذي اختلفت حوله الآراء والذي تصادف اليوم 12 يناير الذكرى الخامسة والعشرين لوفاته حيث توفي عام 1990 عن عمر ناهز 71 عاما.

وقد كان من الطبيعي أن تختلف حوله الآراء وهو بهذه الغزارة من الإنتاج الأدبي. ليس هذا فقط، بل كان إنتاجه يصل إلى المتلقي بسرعة إما عبر الإذاعة أو السينما أو المسرح، وأخيرا عبر التليفزيون. وبالتالي تميز إحسان عبد القدوس بملامسة الشارع لأعماله واطلاع الملايين عليها حتى ولو كانوا «أميين» لا يستطيعون قراءتها.

وعلى عكس ما قيل عنه أنه كاتب المرأة والجنس، تقول السيدة نيرمين القويسني، مديرة مكتبه، وابنة شقيقة زوجته إنه كان شديد الإيمان وكتب قصة بعنوان «القرآن»، ويقول «أنا مؤمن بانه لا يمكن ان يصل القلم الى اسلوب له رنينه وله جاذبيته الا اذا كان الكاتب قد قرأ القرأن وتأثر بنغمات اسلوبه، والعقيدة ليس لها حدود جغرافية والإعتداء على العقيدة في أي مكان هو إعتداء عليها في كل مكان».

كما كان كاتباً سياسياً بإمتياز ويكفيه «قضية الاسلحة الفاسدة»، التي كشفها على صفحات مجلة «روز اليوسف».

اتهمه الأدباء والنقاد بأنه صاحب مدرسة أدب الفراش، وأنه كاتب الجنس للجنس، وأن قصصه تدعو للرذيلة، لكن من يقرأ روايات إحسان عبدالقدوس بوعي وبصيرة يدرك أن قصصه تدعو للفضيلة، وأن أبلغ رد على هذه الاتهامات هو ما يقوله «إحسان» نفسه عن نفسه: «إن نشر هذه العيوب سيجعلهم يسخطون، وهذا السخط سيؤدي بهم إلى الاقتناع بضرورة التعاون على وضع تقاليد جديدة لمجتمعنا تتسع للتطور الكبير، الذي نجتازه ونحمي أبناءنا وبناتنا من الأخطاء التى يتعرضون لها نتيجة هذا التطور، وهذا هو الهدف من قصصي». 

ويعتبر إحسان من أوائل الروائيين العرب الذين تناولوا في قصصهم الحب البعيد عن العذرية وتحولت أغلب قصصه إلى أفلام سينمائية. ويمثل أدب إحسان عبد القدوس نقلة نوعية متميزه في الرواية العربية، إذ نجح في الخروج من المحلية إلى حيز العالمية وترجمت معظم رواياته إلى لغات أجنبية متعددة.

كتب إحسان عبدالقدوس أكثر من ستمائة قصة وقدمت السينما عدداً كبيراً من قصصه، ويتحدث إحسان عن نفسه ككاتب عن الجنس فيقول: «لست الكاتب المصري الوحيد الذي كتب عن الجنس فهناك المازني في قصة «ثلاثة رجال وامرأة» وتوفيق الحكيم في قصة «الرباط المقدس” و….و…. وكلاهما كتب عن الجنس أوضح مما كتبت ولكن ثورة الناس عليهما جعلتهما يتراجعان، ولكنني لم أضعف مثلهما عندما هوجمت فقد تحملت سخط الناس علي لإيماني بمسؤوليتي ككاتب!! ونجيب محفوظ أيضاً يعالج الجنس بصراحة عني ولكن معظم مواضيع قصصه تدور في مجتمع غير قارئ أي المجتمع الشعبي القديم أو الحديث الذي لا يقرأ أو لا يكتب أو هي مواضيع تاريخية، لذلك فالقارئ يحس كأنه يتفرج على ناس من عالم آخر غير عالمه ولا يحس أن القصة تمسه أو تعالج الواقع الذي يعيش فيه، لذلك لا ينتقد ولا يثور.. أما أنا فقد كنت واضحاً وصريحاً وجريئاً فكتبت عن الجنس حين أحسست أن عندي ما أكتبه عنه سواء عند الطبقة المتوسطة أو الطبقات الشعبية – دون أن أسعى لمجاملة طبقة على حساب طبقة أخرى».

كان لإحسان عبد القدوس دور بارز في صناعة السينما ليس فقط عن طريق الأفلام التي أعدت عن قصصة ورواياته ولكن بالتي شارك في كتابة السيناريو والحوار للكثير منها، فقد كان علي النقيض من الأديب نجيب محفوظ الذي لم يكن يؤمن بأن صاحب العمل الأدبي الأصلي لا علاقة له بالفيلم أو المسرحية التي تعد من عمله الادبي. فقد شارك في صياغه وكتابة حوار العديد من الأفلام مثل فيلم «لا تطفئ الشمس» للمخرج صلاح ابو سيف الذي كتب نص الحوار فيه، كما كتب الحوار أيضاً لفيلم «إمبراطورية ميم» الذي كانت قصته مكتوبه علي أربع أوراق فقط والذى أخرجه حسين كمال، كما شارك كذلك الكاتبين سعدالدين وهبة ويوسف فرنسيس في كتابة سيناريو فيلم «أبى فوق الشجرة».


وقد وصلت عدد روايته التي تحولت إلى أفلام ومسلسلات قرابة الـ 60 فيلما ومسلسلا تلفزيونيا منها ما عرض ومنها ما لم يعرض ليتربع بذلك على عرش أكثر كاتب وروائي له أفلام ومسلسلات في تاريخ السينما والتلفزيون المصرية ولا ينافسه في ذلك الا الاديب نجيب محفوظ. وقد أخرج لإحسان عبد القدوس عدد محدود من المخرجين وصل الي 16 مخرجاً، وقد كان نصيب الأسد منها للمخرجين حسين كمال وصلاح أبو سيف وحسام الدين مصطفى وأحمد يحيى وهذا يدل علي أنه لم يكن يتعامل مع أي مخرج يعرض عليه إخراج أعماله، بل يتعامل فقط مع من يثق في قدراتهم في استيعاب أعماله بصوره جدية وجيدة. وقد قام المخرج حسين كمال بإخراج 9 أفلام من روايات إحسان عبد القدوس أولها «أبي فوق الشجره» 1969، الذي اعتبر في وقته نقلة جديدة في السينما الاستعراضية، ومن ثم اتبعه بفيلم «أنف وثلاث عيون» 1972، من بطولة نجلاء فتحي ومحمود ياسين، وتلاها بتقديم فيلم «إمبراطورية ميم» 1972، الذي كان نقلة نوعية جديده في السينما المصريه، وقد شهد عودة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة الى السينما بعد غياب، وليخرج بعدها فيلم «دمي ودموعي وإبتسامتي» 1973، من بطولة نجلاء فتحي ونور الشريف، وكذلك فيلم «بعيدا عن الارض» 1976 بطولة نجوى ابراهيم محمود ياسين مديحه كامل محمود قابيل، ومن ثم قدم فيلمين لنبيلة عبيد هما «العذراء والشعر الأبيض»1983 مع محمود عبدالعزيز، والذي كان إنطلاقه كبيرة لها في عالم النجومية و«أرجوك اعطني هذا الدواء» 1984 مع محمود عبد العزيز أيضا، وآخر ما قدم المخرح حسين كمال من أعمال إحسان عبد القدوس كان فيلم «أيام في الحلال» 1985 من نبيلة عبيد وبطولة محمود ياسين ومصطفى فهمي. 

وبالرغم من عدد الافلام التي انتجت من رواياته الا ان هنالك جزءا منها نجح نجاحاً باهراً في السينما المصريه مثل أفلام «لا أنام» وهو من بطولة فاتن حمامة وعمر الشريف ومريم فخر الدين وعماد حمدي ويحيى شاهين وإخراج صلاح ابو سيف، و«فى بيتنا رجل» من بطولة زبيدة ثروت وعمر الشريف ورشدي أباظة وحسن يوسف، وغيرها من الافلام التي أثرت السينما المصريه. وكذلك كان هناك بعض الأفلام التي كتبها ولم تنجح كما كان متوقعا لها بل وصفها بعض النقاد بأنها فشلت فشل زريعاً، مثل «أيام الماء والملح» من بطولة عبدالله محمود وأحمد سلامه ولوسي، و«قبل الوصول لسن الانتحار» من بطولة شكري سرحان وكمال ياسين وفايزة كمال، و«مايوه لبنت الأسطى محمود» من بطولة محمد رضا وحنان شوقي ودينا عبدالله وكلها من إنتاج التليفزيون المصري. وهناك أيضا أفلام سينمائية فشلت منها «القط أصله أسد» من بطولة محمود ياسن ومديحة كامل، من إخراج شريف يحيى، و«أنا .. لا عاقلة ولا مجنونة» من بطولة صلاح ذوالفقار ونادية ذوالفقار وعماد حمدي ومن إخراج حسام الدين مصطفى.

ويقول إحسان عبد القدوس: «كانت فاتن حمامه في مقدمة الممثلات اللاتي استطعن أن يجدن تمثيل شخصيات قصص. فقد استطاعت أن تصور خيالي عندما مثلت دور «نادية» في فيلم «لا أنام»، وعندما جسدت دور «فايزة» في فيلم «الطريق المسدود»، وأذكر اني ذهبت يوما انا ويوسف السباعي إلى الاستديو أثناء تصوير مشاهد من فيلم «لا أنام» ووقفت انا وهو  مشدودين ونحن ننظر إلى فاتن حمامة فقد كانت تشبه البطلة الحقيقة للقصة التي كتبتها، كذلك من افضل من جسدن شخصياتي نبيلة عبيد ونادية لطفي ولبنى عبد العزيز وسعاد حسني».

بدأ إحسان عبدالقدوس كتابة نصوص أفلام وقصص قصيرة وروايات في عام 1949، وهو ما جعله يقرر ترك مهنة المحاماة والتفرغ للصحافة والأدب حيث أصبح بعد أقل من بضعة سنوات صحفيا متميزا وروائيا وكاتبا سياسيا، وبعد أن عمل في روزاليوسف، تهيأت له كل الفرص والظروف للعمل في جريده الأخبار لمدة 8 سنوات ثم عمل بجريده الأهرام حيث عين رئيساً لتحريرها في عام 1975.

وشارك احسان عبدالقدوس باسهامات بارزة في الرواية وكذلك فى المجلس الأعلى للصحافة ومؤسسة السينما، وقد كتب 49 رواية تم تحويلها إلى نصوص للأفلام و5 روايات تم تحويلها إلى نصوص مسرحية و9 روايات أصبحت مسلسلات إذاعية و10 روايات تم تحويلها إلى مسلسلات تليفزيونية إضافة إلى 65 من رواياته ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأوكرانية والصينية،

ويمثل أدب إحسان عبدالقدوس نقله نوعيه متميزة في الرواية العربية إلي جانب أبناء جيله الكبار من أمثال نجيب محفوظ، ويوسف السباعي، ومحمد عبدالحليم عبدالله، لكنه تميز عنهم جميعاً بأمرين احدهما انه تربي في حضن الصحافة، وتغذي منذ نعومه أظفاره علي قاعدة البيانات الضخمة التي تتيحها الصحافة لاختراق طبقات المجتمع المختلفة، إضافة إلى صالون روزاليوسف والعلاقات المباشرة بكبار الأدباء والفنانين والسياسيين ونجوم المجتمع هي المنبع الذي أتاح له أن يصور الجوانب الخفية في الحياة المصرية. أما الميزة الثانية لأدب عبدالقدوس فهي انه كان عميق الإيمان بقضية الحرية، بمختلف مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كان عبد القدوس فى أعماله الأدبية يعرى المجتمع ليكشف أخطاءه، حيث كتب أكثر من ستمائة قصة وقدمت السينما عدداً كبيراً من قصصه، فلقد اتجه فى مجموعاته القصصية الثلاث التى أصدرها قبيل ثورة 23 يوليو 1952 باسم «صانع الحب» عام 1948 و«بائع الحب» عام 1949 و«النظارة السوداء» إلى تصوير دقيق لفساد المجتمع المصرى وما يعانيه خلال تلك الفترة من انغماس فى الشهوات والرذيلة والبعد عن الفضيلة والأخلاق السامية.

ويظهر ذلك فى روايته الخالدة «شىء فى صدرى» التى صدرت عام 1958 فنجده يرسم لنا صورة دقيقة وصادقة للصراع القائم بين المجتمعين الرأسمالى والشعبى والمعركة الدائرة بين الجشع الفردى والاحساس بالمجتمع، فهى قصة عذاب الاحتكاريين والاستغلاليين ومثلهم بحسين باشا شاكر (شكري سرحان في الفيلم بعد ذلك) ذلك الذى جمع ثروته من احتكار الآخرين واستغلالهم، وحقق انتصاراته على كل من حوله من الناس بذكائه وأمواله واشترى سكوتهم ومظاهر احترامهم ولكنه لم يستطيع أن يخدع هؤلاء الذين يعيشون داخل نفسه، وهو يحس بعذابهم ويحس باعتدائه على حقوقهم ولذلك فلن يستطيع شراء سكوتهم واحترامهم، لأن قطعة من المجتمع تعيش فى صدره وتعذبه.

وبعد عدة تكريمات لأدبه الواقعى حصل إحسان على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ووسام الجمهورية من الرئيس محمد حسنى مبارك وجائزة الدولة التقديرية فى الآداب فى 1989 والجائزة الأولى عن روايته «دمى ودموعى وابتساماتى» عام 1973 وجائزة أحسن قصة فيلم عن رواية «الرصاصة لا تزال فى جيبى»، وفى الثانى عشر من يناير عام 1990 رحل عن عالمنا كاتب وأديب رفض أن يعيش فى جلباب أحد، ليعلنها صريحة للعالم بأنه لا يكذب ولا يتجمل.

قالت السيدة نيرمين القويسني، مديرة مكتبه، وابنة شقيقة زوجته إن روايته بطلة «لا أنام» إمرأة حقيقية تدعى نفرتيتي مرزوق، تعرف عليها عن طريق الإذاعية البارعة آمال فهمي لتحكي له أوجاعها وبالفعل تعرضت لحادث حريق وأدمنت الخمور، وظلت على إتصال بالكاتب الكبير حتى وفاته، وإستمرت علاقتها بأسرته وبي أنا أيضا.

ومن صندوق ذكرياتها تشير السيدة نيرمين القويسني إلى شخصية حقيقية أخرى من أبطال أعمال عبدالقدوس الخالدة، وهي بطل «أنا لا أكذب ولكني أتجمل» قائلة «كنت أقيم بمنزل والدتي بحي مصر الجديدة وأمر على مدافن عائلتنا بصلاح سالم والتقيت بشاب طموح والده يعمل تربي ويدرس الرياضة البحتة بكلية العلوم جامعة القاهرة يحب زميلته بالكلية وكان والدها يشغل منصب وكيل وزارة، ونظراً للفارق الإجتماعي الكبير بينهما أخفى عليها الحقيقة، ولكنه ذهب ذات يوم لإصطحاب والدته من عملها ليلا حيث تعمل خادمة وفوجئ بأن حبيبته هي مخدومة أمه، وتحولت لفيلم أدى فيه النجم الأسمر أحمد ذكي دوراً من أروع ما قدم للسينما، وهذا الشخص يدعى وحيد ويعمل الآن بالمملكة العربية السعودية. و«لن أعيش في جلباب أبي» قصة المطرب المصري سمير الإسكندراني المشهور بأغانيه الوطنية، وكان والده من كبار تجار الخردة وتمرد على مهنة أبيه وشق لنفسه طريقاً مختلفاً بالحياة.

كما تعد قصة «وعاشت بين أصابعه» تأريخا لقصة حب المطربة الكبيرة نجاة والشاعر كامل الشناوي. وعن عاداته في الكتابة قالت القويسني: «كان مستمعا جيدا يحسن الإنصات وأنا «رغاية» أحكي له طوال الوقت عما أراه وبعدها يغلق عليه مكتبه بروز اليوسف ويصيغ بقلمه الرشيق أجمل القصص».

والمجموعة القصصية «يا ابنتي لا تحيريني معك» كانت بها قصة عن الكوافير الخاص بابنة الكاتبة نعم الباز، وهو كوافير شهير جدا في مصر، احب بنت مسؤل كبير وحملت منه وقام اهلها باجهاضها ولكنها عادت له بعد عام وتزوجته وانجبت منه ولدين وطلقها بعد ذلك. وقصة «ونسيت اني امرأة» الذي تحول لفيلم هي قصة الوزيرة الدكتورة عائشة راتب وزير التأمينات الاجتماعية السابقة، وقصة «آه يا ليل يازمن» عن جرحى ثورة 1952 وهي قصة مها عبد الحق وكانت ابنة احد البشوات، هربت بعد الثورة الى لبنان وعملت بالملاهي الليلية.

الممنوع مرغوب.. شعار رفعته الأفلام الممنوعة في السينما المصرية

عدد كبير من الأفلام العربية واجه المنع من العرض على شاشات السينما المحلية. وأبرزها الأفلام المصرية، إذ يخوض صناع السينما في مصر، معارك مستمرة مع الرقابة التي تضع المنع تحت خطوط “خدش للحياء”. هل هذا المنع تقييد للإبداع أو ضبط لما يعرض من أفلام حفاظاً على التقاليد العامة؟

يقول الناقد الفني رامي العقاد: “ليس جديداً على الرقابة منع أفلام من العرض، فلها تاريخ طويل في ذلك، لا بد أن نكون مع الحرية المسؤولة، لكن على الرقابة أن تعي أيضاً أن الجمهور يقوم بشراء تذاكر السينما ليشاهد ما يريده.

ويرى العقاد أنه كلما منعت الرقابة فيلماً من العرض بحجة “خدش الحياء” أو “الإثارة الجنسية”، انتشر الفيلم بشكل أكبر، كما حصل مع “حلاوة روح” الذي سبق ومنعه رئيس الوزراء المصري السابق، وحين سألوه عن أسباب المنع وهل شاهد الفيلم أم لا، قال “لم أره لكنني سمعت عنه”.

هذا أمرٌ يؤكد شيئاً هاماً وهو أن الرقابة لا تراقب بشكل جيد، فكيف يتم منع فيلم وصاحب القرار لم يره ويحكم عليه حكماً فنياً شاملاً. وهناك مشكلة حقيقة لدى صناع السينما العربية، فلا يوظفون تلك المشاهد بشكل يخدم أحداث العمل السينمائي، أو في إطار سياق درامي.

لا بد أن تكون هناك رقابة مسؤولة، لا تمنع إبداعاً من العرض، ووضع ميثاق شرف سينمائي يراعي ضوابط الفن وتركيبة المجتمع، كالشعوب العربية، ويراعي أيضاً أننا نعيش في عصر مفتوح يستطيع الشباب رؤية ما يريدون عبر الانترنت.

وقد بدأت الحرب بين الرقابة والسينما العربية مبكراً، فمنعت العديد من الأفلام، أشهرها:

“أبي فوق الشجرة”

يذهب عادل “عبد الحليم حافظ” إلى الاسكندرية لقضاء عطلة الصيف، وهناك يتعرف إلى فردوس”نادية لطفي”، وهي راقصة. ثم يلحق والد عادل “عماد حمدي” ابنه، فتوقع به راقصة، طلبت منها فردوس ذلك كي لا يتمكن من إعادة عادل. لكن الابن يتمكن من إنقاذ والده ويعودان معاً، تاركاً فردوس ومستنقعها.

الفيلم أنتج عام 1969 للمخرج حسين كمال، وقصة وسيناريو وحوار “إحسان عبد القدوس”. عرض في السينما ل53 أسبوعاً، وحقق إيرادات عالية، لكن الرقابة صنفته “للكبار فقط”، ومنعت عرضه على شاشات التلفزيون، نظراً لما يحتويه من قبلات ومشاهد ساخنة.

“حمام الملاطيلي”

ينتقل “أحمد”، الذي يجسده الفنان “محمد العربي” إلى القاهرة، بعد تخرجه من الثانوية العامة. يجد عملاً مع دراسته الجامعية، ليدخل إلى عالم آخر يستقطبه. فيضيع بين رجل يحاول إغواءه لممارسة الجنس معه، جسد دوره الفنان “يوسف شعبان”، وبين نعيمة، جسدتها “شمس البارودي”. وهي فتاة الليل التي أحبها وأحبته، وأقاما علاقة جنسية.

“فيلم حمام الملاطيلي” أنتج عام 1973 للمخرج صلاح أبو سيف، والمؤلف محسن زايد. منعته الجهات الرقابية لاحتوائه على مشاهد جنسية واضحة، وما عرضه من حياة المثليين. وبعد أن حذفت تلك المشاهد، عرض في السينما في التسعينيات، ومع ذلك يظل ممنوعاً من العرض تلفزيونياً حتى الآن.

“ذئاب لا تأكل اللحم”

يحكي الفيلم قصة صحفي يجسده “عزت العلايلي”، يتحول إلى مراسل حربي، فيرى فساد الأنظمة السياسية، ويتحول إلى مهرب ويسافر إلى الكويت ليقابل حبيبته ثريا “ناهد شريف”، التي تزوجت من رجل أعمال كويتي، وتطورت أحداث الفيلم في هذا السياق. يعد ظهور ناهد شريف عارية تماماً في أحد المشاهد، هو ما جعل الفيلم يصنف أنه فيلم إباحي، ومنع من العرض في جميع الدول العربية.

صورت مشاهد الفيلم بدولة الكويت وهو من تأليف وإخراج المخرج اللبناني سمير خوري، وشارك في التمثيل الفنانة إيمان والكويتيان علي المفيدي وخالد عبدالله.

“درب الهوى”

“أنا عايز واحدة تهزئني …تهزئني …تهزئني”. كان عبد الحفيظ باشا طوسون، الذي جسده “حسن عابدين”، يردد تلك الكلمات كلما ذهب إلى “درب الهوا”، ليمارس الجنس مع إحدى فتيات الليل.  وكونه مريضاً بالماسوشية، لا يستطيع إكمال العملية الجنسية إن لم تسبه المرأة وتنعته بالحيوان.

كان يتم ذلك في لوكاندة “البرنسيسات”، التي أنشأتها حسنية “شويكار”، لتكن سوقاً خاصاً للدعارة، جمعت فيه بنات الليل وراحت تبيع أجسادهن للزبائن، من أهمهن زينات “أمل ابراهيم” وأوهام “يسرا” وسميحة “مديحة كامل”.

فيتعرف عبدالعزيز إلى أوهام ويعجب بها وتبادله الحب، ثم يخاف من بطش خاله فيتم زواجه بابنته، ويوم الزفاف يفضح الباشا أهم زبائن اللوكاندة، ويهرب ليذهب إلى أوهام فيجدها مذبوحة، فقد قتلها شقيقها بعد خروجه من السجن انتقاماً لشرفه.

أنتج الفيلم عام 1983 وبعد عرضه بستة أسابيع صدر قرار وزاري بسحبه ومنع لعرضه سوق الدعارة، إلى أن عاد إلى الشاشة الكبيرة عام 1991.

“المذنبون”

من أبرز الأفلام المصرية التي منعت أيضاً بسبب الجنس “فيلم المذنبون” الذي أنتج عام 1975، من إخراج سعيد مرزوق، وتأليف نجيب محفوظ وبطولة حسين فهمي وزبيدة ثروت، وكمال الشناوي وسهير رمزي، التي قدمت فيه مشاهد جنسية خارجة عن المألوف حينها.

“العقرب”

هبة “شريهان” يتبناها طارق “كمال الشناوي ” وزوجته ناهد “رجاء الجداوي” من أحد الملاجئ، لتعيش حياة ثرية بدلاً من التشرد بالملجأ، وتقيم علاقة مع حسين “أشرف طلبه” السائق الخاص بهما، ويخون الأب زوجته ناهد مع زوجة صديقه فتطلب الطلاق منه.

بينما هبة تريد قتل ناهد بعدما اكتشفت أنها ابنتها بالتبني وتحرض السائق على قتلها، واتهام صديقها ماهر “صلاح قابيل” الرسام بالجريمة. ثم تكتشف أن الرسام هو والدها الحقيقي، وأن ناهد والدتها الحقيقية من خلال علاقة غير شرعية.

الفيلم من إخراج عادل عوض، وإنتاج عام 1990، ومنع من العرض لاحتوائه على مشاهد جريئة.

“جنون الحياة”

في فيلم “جنون الحياة”، إنتاج عام 2000، جسدت إلهام شاهين دور المرأة التي تكتشف خيانة زوجها “محمود قابيل” لها، فتقرر الانتقام وإقامه علاقه جنسية مع سائقها “كريم عبدالعزيز”، الذي يقيم علاقة مع زكية “منى درويش” جارته المتزوجة.

هنا تتعدد المشاهد والإيحاءات الجنسية في الفيلم، فتم منع عرضه، بمبرر أنه يسيء إلى الآداب العامة، وما زال ممنوعاً من العرض العام والتلفزيوني حتى الآن. وهو من إخراج سعيد مرزوق وقصة اسماعيل ولي الدين وسيناريو وحوار مصطفى محرم.

“حلاوة روح”

تدور أحداث الفيلم في إطار اجتماعي رومانسي لكن يظهر ولد في مشاهد جنسية مع جارته الجميلة روح “هيفاء وهبي”، التي تسكن الحارة مع والدة زوجها المسافر خارج البلاد، ليطمع في جمالها جيرانها، ويحاول أحدهم الوقيعة بها وإقامة علاقة جنسية معها، لكنها ترفض، فيتفق هو وجاره عليها ليتمكنا منها. وتعد المشاهد الأكثر إثارة بالفيلم مشاهد الولد أو المراهق مع هيفاء وهبي، ما تسبب في الهجوم الشديد على الفيلم وصناعه، حتى قرر رئيس الوزراء المصري منع عرضه.

الفيلم من إنتاج محمد السبكي عام 2014، وإخراج سامح عبدالعزيز، وتأليف علي الجندي، كما شارك في بطولة الفيلم باسم سمرة ومحمد لطفي وأحلام الجريتلي وصلاح عبدالله ونجوى فؤاد.

أبرز الأفلام التي منعت من العرض لأسباب سياسية

يذخر التراث السينمائي المصري بالعديد والعديد من الأفلام التي صُنفت على أساس أنها تحمل توجهات سياسية معارضة، ما تسبب في أنها منعت من العرض في دور السينما، سواء بقرار من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية أو من جهات أخرى.

الكاتب والمؤرخ الفني طارق عبد الجابر، قال إن هناك أفلام كثيرة تم منعها من العرض، منها أفلام تاريخية، وأفلام سياسية، وأفلام رومانسية، لأسباب متعددة منها صدور أوامر من “جهات سيادية”، وأمنية نظرا لوجود بعض المصطلحات والكلمات التي تم استخدامها في هذه الأفلام.

وضرب مثالا على ذلك بأزمة المخرج سعيد مرزوق، مع الرقابة، والتدخلات السياسة في منع فيلمين له وهما (المذنبون، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه)، وأضاف أن “الصراع الحقيقي للرقابة مع السينما، بدأ بعدما تولى يوسف السباعي وزارة الثقافة قبل الحرب، إذ مُنعت 4 أفلام من العرض، هي “العصفور” و”زائر الفجر” و”التلاقي” و”جنون الشباب” و”الكرنك”. وهنا ابتكرت الرقابة أداة الحذف من الأفلام بدلاً من منعها

تقول الناقدة السينمائية المصرية ماجدة موريس “لدى كل دولة منعت فيلماً سينمائياً أسبابها الخاصة، منها الحفاظ على النظام الذي تخشى أن تهتز صورته أمام الجمهور بعد عرض الفيلم”. وفي هذا التقرير نستعرض بعض الافلام التي منعت في فترة الستينات والسبعينات لاسباب سياسية، ثم عرضت في وقت لاحق.. 

شيء من الخوف 1969

فيلم شيء من الخوف

أكثر الأفلام التي منعت عربياً في مصر كانت بسبب الأمن، بحسب قول الناقدة موريس، فإن الأفلام التي منعت لم يكن وراءها قرار رسمي، بل كان شفهياً.

تقول الناقدة ماجدة موريس إن في الستينات وإبان حكم الرئيس السابق جمال عبد الناصر، منع عرض فيلم “شيء من الخوف”، وانتشرت إشاعات بأن شخصية “عتريس” تمثيل لشخصه، إلا أن عبد الناصر شاهد الفيلم وقال إنه لا يرى أي تشابه بينه وبين عتريس وقال: “إذا أنا طاغية إلى هذه الدرجة امنعوه، إنما أنا مش شايفه شبهي”.

فيلم من إخراج حسين كمال عام 1969، تمثيل محمود مرسي وشادية، وعرض الفيلم بعد ذلك في دار العرض.

المذنبون 1975

فيلم المذنبون

بعد أزمة “زائر الفجر” جاءت أزمة فيلم “المذنبون” لسعيد مرزوق، الذي تعرضت مشاهده للحذف — أثناء عرضه — أكثر من مرة، فبالرغم من أن الفيلم فاز بجائزة وزارة الثقافة كأحسن فيلم مصري عرض في العام 1976، إلا أن الوزارة نفسها أحالت 15 شخصًا من العاملين والعاملات في الرقابة للنيابة الإدارية بسبب موافقتهم على عرضه وتصديره، ووصلت الاتهامات التي وجهت للمتهمين حد اتهامهم بالخيانة العظمى، بحسب ما قال عبد الجابر.

وتتلخص أحداث الفيلم حول جريمة قتل تكون ضحيتها الممثلة (سناء كامل)، والتحقيقات التي تطول كل من له صلة بالقتيلة، ابتداءً من خطيبها الذي أبلغ عن وقوع الجريمة أصلًا، وكذلك كافة الشخوص الذين كانت الممثلة سناء كامل على صلة بهم، حتى تصل التحقيقات كذلك إلى علاقاتها المتفرعة بعدة شخوص بارزين ونافذين في السلطة.

البريء 1985

فيلم البرئ

يعتبر فيلم “البريء” من أكثر الأفلام المصرية إثارةً للجدل، فالفيلم الذي تم إنتاجه عام 1986 وقام ببطولة أحمد زكي، ومحمود عبد العزيز، وجميل راتب، وممدوح عبد العليم، ناقش قضايا حسّاسة كمفهوم الطاعة العسكرية في الحياة النّظامية والعسكرية، وفكرة تناقضها مع مصلحة الوطن، وفكرة الجلاد كصنيعة السلطة والّذي يتحوّل إلى النّقيض فيثور على صانعيه، ويصل حتّى القضاء عليهم.

وواجه الفيلم صعوباتٍ عديدة بداية من رفض وزارة الدّفاع عرضه بعد أن اتهم أحد الأشخاص العاملين على الفيلم بتصويره في داخل إحدى المعتقلات الحقيقية، ما يُعتبر إفشاء لسرّ عسكري، بالإضافة لاعتراض وزارة الدّاخلية بحجة أن الممثلين يرتدون ذات الملابس الّذي يرتديها جنود وضبّاط الأمن المركزي.

تمّ حذف بعض المشاهد من قبل الرّقابة الّتي أصرّت على تغيير نهايته لتنتهي بصراخ مجنّدٍ بريء وساذج، يقوم بدوره الممثّل الراحل أحمد زكي، في وجه رؤسائه في المعتقل بدلًا من النّهاية الأصلية الّتي يفتح فيها المجند النّار على رؤسائه، و يُقتل بعدها من قبل مجنّد آخر؛ ممّا أدّى إلى لتصوير نهاتين للفيلم لم تُعرض النهاية الأصلية إلّا على بعض القنوات الفضائية.

ولكن في 2005، سمح وزير الثّقافة المصري حينها بعرض النّسخة الأصلية للفيلم على شاشة السينما في افتتاح مهرجان السينما القومي، أي بعد 19 عامًا من إنتاج الفيلم.

حائط البطولات 1998

فيلم حائط البطولات

في مصر منعت أفلام لأسباب سياسية بأمر شفهي غير رسمي، أبرزها فيلم “حائط الصد”. خلال فترة التسعينات من القرن الماضي كان منتظرا، أن يصنع المنتجون فيلماً عن الضربة الجوية في حرب 6 أكتوبر 1973 وتكون الشخصية الأساسية هي شخصية الرئيس السابق محمد حسني مبارك، وبعد الانتهاء من تصوير فيلم حائط البطولات، تقول موريس إن محتوى الفيلم وصل إلى مبارك فغضب لعدم تناوله سيرته الذاتية، وأمر بمنع عرض الفيلم بشكل غير رسمي. وظل الفيلم حبيساً حتى تنحى مبارك عقب ثورة 25 يناير 2011.

بطولة محمود ياسين وفاروق الفيشاوي، إخراج محمد راضي، 1998

الهروب من الخانكة 1986

فيلم الهروب من الخانكة

فيلم “الهروب من الخانكة” محتواه سياسي بالدرجة الأولى من البداية إلى النهاية، وهو عن الفساد والمحسوبية داخل أروقة الدولة واعتقال شخصيات معارضة والتنكيل بهم بعد ثورة 1952، وإدخال أصحاب الرأي مستشفى الأمراض العقلية

الفيلم بطولة ماجدة الخطيب وفريد شوقي وكمال الشناوي، وأنتج في 1987 إبان حكم الرئيس السادات، وتناول استخدام مراكز القوى بعد 1952 مستشفى الأمراض العقلية كسجن لأصحاب الرأي، وعرض التهم الموجهة للمفكرين بأنهم عملاء وممولون من الخارج. وكيف اختلف أعضاء مجلس قيادة الثورة بعد خلع محمد نجيب في الاستيلاء على السلطة أم تسليمها للمدنيين.

زائر الفجر 1973

فيلم زائر الفجر

تقول الناقدة موريس إن “زائر الفجر” الذي أنتج 1973 من أكثر الأفلام التي رصدت إجراءات البوليس السياسي والقسوة التي تعامل بها مع المواطنين في حقبة الستينيات.

الفيلم من إنتاج ماجدة الخطيب وتم عرضه في السينما نحو أسبوع واحد، وحجب سريعاً لمحتواه في انتقاد قسوة البوليس السياسي مع المعارضة السياسية، بداية من إلقاء القبض عليهم وإخفاء المعارضين في المعتقلات والسجون.

بعض الروايات تقول إن الخطيب حاولت مقابلة الرئيس السادات في هذه الفترة لطلب إجازة عرض الفيلم مرة أخرى، إلا أنها لم تفلح، وقبل مرور عام عرض الفيلم ولكن حُذفت منه مشاهد عدة. حتى الآن “زائر الفجر” لا يعرض في الفضائيات المصرية خوفاً من رد فعل الجمهور على الممارسات العنيفة للنظام وقتذاك.

وراء الشمس 1978

فيلم وراء الشمس

بعد أن أطلق الرئيس السادات ثورة التصحيح واعترافه بأن العهد السابق احتوى على ممارسات قمعية للمعارضة والمواطنين، انطلقت شركات الإنتاج في لحظة ثورية في إنتاج أفلام عدة لتوثيق هذه الفترة.

تناول فيلم “وراء الشمس” عام 1978، الممارسات التي فرضتها الدولة بعد نكسة 1967 داخل السجون الحربية، وتجسس الشرطة على طلاب الجامعة ورصد كل من له ميول سياسية، وتناول اغتيال شخصيات طالبت بالتحقيق في أسباب الهزيمة.

جملة “وراء الشمس” كانت تستخدم في الأحاديث المرتبطة بالتخلص من أي شخص، وتعني عدم الظهور مجداداً والاختفاء تماماً.

SADAT 1983

فيلم السادات 1983

بعد وفاة الرئيس محمد أنور السادات، أنتجت شركة أمريكية عام 1983 فيلماً تليفزيونياً من جزئين “سادات”، بطولة الممثل لويس جوست، لسرد سيرته ورحلة صعوده للحكم. لكن منعته وزارة الإعلام المصرية في السينما وأحكمت الشرطة قبضتها على سوق التوزيع حتى لا ينتشر الفيلم. ما فسرته وزارة الإعلام وقتذاك بأنه يحتوي على مغالطات تاريخية تشوه شخصية السادات.