وداد عرفي.. المخرج الذي خرج من ذاكرة التاريخ!

لم تعرف الحياة السينمائية في مصر شخصا مثير للجدل مثل المخرج التركي وداد عرفي. ربما لأرتباط اسمه بالكثير من الأخبار والأمور المثيرة للقلاقل والمشاكل في الحياة السينمائية المصرية نهاية العشرينات من القرن الماضي، أو لقلة المعلومات التي وصلت عنه اصلا، واختلاف كثير من المؤرخين عليه. في هذه التدوينة نحاول ان نجمع عنه اغلب الأخبار الصحيحة قدر الأمكان ونسقط كثير من الأخبار المزيفة..

وتتفق اغلب المصادر التي تحدثت عن وداد عرفي انه كان ممثل ومخرج تركي الجنسيه، بدأ حياته الفنية في بلاده، ولكن اوضاع الهزيمة من الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وسقوط الدولة العثمانية وغيرها من احداث زخمة حدثت في تركيا منذ بداية العشرينات من القرن الماضي دفعته الى السفر إلى فرنسا حيث قضى فيها عدة سنوات يعمل كومبارس في عديد من الأفلام الفرنسية. تعرف على عديد من المخرجين المصريين في فرنسا والذين كانوا يحصلون على الخبرة في مجال السينما، فتعرف على شيئا من النشاط السينمائي في مصر، ومن ثم جاء إلى القاهرة ليشارك في أنشطة مسرحية وسينمائية. قدم وداد عرفي الى عديد من رواد المسرح ككاتب وممثل ومخرج، عمل مع فاطمة رشدي وبدر لاما ويوسف وهبي وغيرهم من رواد السينما المصرية، شارك في أخراج أفلام هامة مثل (ليلى، تحت سماء مصر، مأساة الحياة)، وفي عام 1933 عاد مطرودا إلى بلاده ليستانف نشاطه هناك. توفى في عام 1969.

ويرتبط اسم وداد عرفي أكثر بالأنباء التي تتكلم عن الأعمال الممنوعة رقابيا، فقد ظهرت الرقابة على المصنفات الفنية في مصر قبل دخول السينما بعدة سنوات، وكانت رقابة على المطبوعات كالجرائد والمجلات، وعروض المسرح وغيرها، وعند ظهور السينما في مصر أضيفت إلى قوانين الرقابة، لتصبح تحت سلطتها. ومن وقتها والرقابة تتدخل بحذف بعض المشاهد أو تعديلها، إلا أن أول فيلم تم منعه بالكامل من العرض في تاريخ السينما المصرية بناء على طلب الرقابة، كان فيلم “مأساة الحياة” الذي أنتج سنة 1929. الفيلم كان من إخراج وتمثيل وداد عرفي، الذي شاركه العمل في الفيلم كل من الراقصة التركية الشهيرة في ذلك الوقت إفرانز هانم، بالإضافة إلى ممثل امريكي اسمه جو ساسون وعبد الغني البدراوي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

تدور أحداث الفيلم الممنوع من العرض، حول قصة فتاة لعوب تعمل راقصة في احدى الملاهي في القاهرة، وتسعى لخداع شقيقين لإيقاعهما في غرامها بهدف ابتزاز أموالهما، كان من نوعية الأفلام الصامتة، والتي كانت مشهورة وقتها بأن يكتب الحوار في كادرات منفصلة على الشاشة، إلا أن الناقد السينمائي حينها، الفنان عبد السلام النابلسي، انتقد الفيلم بشدة، مؤكدًا أن به “عيوبًا فاضحة يندى لها الجبين خجلًا”، وهو ما كان سببا في التفات الرقابة للفيلم، ومنعه من العرض في كل دور السينما!!.. وقالت وزارة الداخلية حينها، إن الفيلم “يزخر بالملاهي ومواد الترف، وهو ما استنزف الجزء المهم فيه، مع أن العظة لم تتناول إلا أمتارا قلائل، ولا تترك أثرا عنيفا في المشاهد يعطيه فكرة سامية عن عاقبة الإثم والاستهتار”، معتبرة أن الفيلم به مشاهد جنسية مخلة.

وفي عام 1926 حدث أكبر صدام بين الحكومة والملك فؤاد الأول ملك مصر وقتها من ناحية وبين صناع السينما من ناحية اخرى، حيث نمى إلى علم الملك ان شركة ‘ماركوس السيماتوغرافية’ الألمانية تنوي إنتاج فيلم الرسول محمد صلوات الله عليه وسلامه، وقد أوفدت الشركة المخرج ‘وداد عرفي’ إلى القاهرة مندوبًا عنها، بصحبة الممثل الأمريكي المعروف جو ساسون للاتفاق مع أحد أبطال السينما المصريين لتجسيد شخصية النبي في الفيلم الالماني، وادعوا ان له اغراضا مسمومة واساءة للاسلام، في الوقت الذي كانوا يعدون الملك فاروق فيه لاعلان ترقيه عرش الخلافة عوضا عن سلاطنة ال عثمان الذين زالت دولتهم!.. وتولي المدنيين وعلى رأسهم مصطفى كمال أتاتورك مقاليد الحكم في تركيا.

وما إن بلغ الملك فؤاد هذا حتى كان حاسمًا في رفضه، بل وتجاوز ثورة الأزهر ووزارة الداخلية المصرية إلى إصدار قرار حاسم برفض حتى مناقشة الأمر(!!) وقتها كان المخرج وداد عرفي قد عرض على يوسف بك وهبي تجسيد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ووعده انه أول سبيله الى للعالمية!!.. هدد الملك فؤاد، يوسف وهبي بسحب الجنسية المصرية منه واخراجه من البلاد، ولكن المؤرخ والناقد السينمائي ‘أحمد رأفت بهجت’ يؤكد أن يوسف وهبي رفض عرض وداد عرفي قبل تهديدات الملك فؤاد، وتم غلق هذا المشروع وللأبد، ولكن ‘وداد عرفي’ لم يرحل الى أوروبا كما جاء ولكن قدم نفسه الى عدد من المنتجين المصريين كصانع سينما له خبرة كبيرة، معلنًا أنه تركي مسلم، في حين أنه أكد لأحد كبار التجار اليهود في مصر واسمه ‘إيلي درعي’، أنه اضطر إلى ادعاء الإسلام ليعمل في السينما، فما كان من التاجر إلا أن ساعده على تولي منصب مدير فني في شركة ‘كوكب مصر’، التي كانت تملكها الفنانة فاطمة رشدي. وبدأ معها مشروع فيلم “مأساة الحياة” التي تحدثنا عنه سابقا، ومن ثم بقي عاملا في مجال السينما في مصر.

بعدها تعرف بالأخوة لاما (بدر لاما وابراهيم لاما) واشترك معهما في اخراج فيلم (قبلة في الصحراء) عام 1927 وطبعا بالأشتراك مع الأمريكي ساسون والذي ساهما في تقديم كلا منهما لصناع الأفلام في مصر بوصفهما مخرج وممثل عالمي!..

بعدها اقنع المنتجة والممثلة ‘عزيزة أمير’ بإنتاج أول فيلم روائي في السينما المصرية باسم ‘نداء الله’، تحمست المنتجة الكبيرة للمشروع، ورصدت ميزانية كبيرة للفيلم. وأبرمت عقدا مع عرفي للعمل نصت بعض بنوده على توفير مسكن وطعام خاص للمخرج طوال فترة التحضير والعمل بالفيلم (!!) في سابقه غير معهودة في تاريخ السينما المصرية. ولكن سرعان ما توقف العمل لأن المشاهد التي صورها عرفي كانت على درجة رديئة من التنفيذ، كما انها تحتوي على عديد من المشاهد الخارجة!.. فقررت عزيزة أمير اعدام ماتم تفيذه بمعرفة وداد عرفي وفسخ العقد معه، فضلت خسارتها عن اتهام الناس لها بالفجور كما يؤكد المؤرخون للسينما، وبعدها قررت المنتجة الكبيرة استكمال الفيلم مع فريق عمل اخر. وأكمل الفيلم بالفعل بعد التعديل وتحول اسمه إلى ‘ليلى’، وأصبح أول فيلم روائي مصري عام 1927 وأخرجه استيقان روستي.

ومع بداية الثلاثينات، بدأت السينما المصرية تتخذ وضعها من حيث الحرفيه والتقنية العالية وقتها، بعد ظهور عديد من المخرجين المهرة ذوي الخبرة مثل محمد كريم وتوجو مزراحي وغيرهم. وجد عرفي انه لا مكان له في مصر، فعاد الى بلاده عام 1932 ليستكمل نشاطه الفني هناك، ومن وقتها انقطعت اخباره، ولا نعرف أفلاما ساهم فيها سواء تركية أو غيره، ولا أي من المؤرخين السينمائيين الأتراك يتحدث عنه او عن اعماله، أي انه بخروجه من مصر، قد خرج من ذاكرة التاريخ.

ولو قارنا بينه وبين المخرج الكبير توجو مزراحي سنجد فرقا كبيرا، فعلى الرغم من ان كلاهما من اليهود العاملين في حقل السينما في مصر، الا أن مزراحي من عائلة ثرية جدا من اليهود من اصل ايطالي وليس مجهول الأصل، مزراحي كان دارسا للسينما في فرنسا مطلع العشرينات وليس مُدّعيا بأيه حال، مزراحي لم يكن اغراض خبيثة ولا أظهر يوما انحيازه لليهود أو تعامل مع غير اليهود بشئ مختلف، فقد أخرج افلاما عديدة وعمل معه كثير من المصريين كأم كلثوم وعلي الكسار والجزايرلي وابنته “الشهير بالمعلم بحبح” ولم يتكلم احدهم على انه فرق بينهم وبين اخرين!.. وبرغم ماقيل عن مزراحي لدعمه الصهيونية، الا ان اغلب المصادر تؤكد عكس هذا وانه خرج من مصر بعد عام 1948 خوفا على حياته وأملاكه ليس أكثر، وتوجه الى ايطاليا وظل بها الى وفاته عام 1986.

حسين صدقي.. “واعظ” في هيئة فنان!!

لقب الفنان حسين صدقي بـ”الفنان الواعظ”!.. وهو أحد رواد السينما المصرية ومبدعيها، يعتبر من الرعيل الأول الذي قدم العديد من الأعمال التي رسخت الساحة الفنية في ذلك الوقت، ولقب فيها بـ”الملتزم “، وأثار جدلا كبيرا بعدما قام بإحراق عدد من نسخ أفلامه السينمائية لأنها من وجهة نظره حرام!!..

درس التمثيل في الفترة المسائية بمدرسة الإبراهيمية ، واستمر في دراسته لمدة عامين أنهاها بحصوله على دبلوم التمثيل، ومنها انطلق إلى عالم التمثيل من خلال فرقة جورج أبيض المسرحية، حتى وصل إلى فرقة فاطمة رشدي التي أسندت إليه عددا كبيرا من البطولات. واتسم بالخجل، ولقبه كل من حوله بالشخص الخجول، حيث كان يجلس في المقاهي بالقاهرة، في الوقت الذي كانت السينما الأمريكية وافلامها ونجومها تسيطر فيه على السوق السينمائي، وظهرت استخدامات وطرق ومؤثرات صوتية جديدة فيها.

وفي عام 1937 دخل عالم الفن ليقوم بأول بطولة سينمائية في فيلم “تيتا وونج”، إلا أنه كان لا يسعى إلى الربح والكسب المادي، وإنما كان هدفه الحقيقي إيجاد سينما تعالج المشاكل الاجتماعية، واستطاع لعب دور الواعظ والناصح والمرشد الاجتماعي، في أعماله، كما لعب دور ”سي محمد” في فيلم “العزيمة” الذي أدى إلى ظهور تيار الواقعية، أو اقتراب السينما المصرية من روح الحياة المصرية، بعدما كانت تسير على خطوات السينما الأجنبية.

 

عالجت أفلامه بعض المشكلات، مثل: مشكلة العمال التي تناولها في فيلمه ‘العامل’ عام 1942، ومشكلة تشرد الأطفال في فيلمه ‘الأبرياء’ عام 1944م، وغيرها من الأفلام الهادفة. ايضا قدم العديد من الأفلام التي تنوعت وأثرت الساحة الفنية في ذلك الوقت وكان من بينها، “أجنحة الصحراء” عام 1939 ، و”العريس الخامس” عام 1941، و”تمن السعادة”، و”ساعة التنفيذ”، و”عمر وجميلة”، و”إمراة خطرة”، بالإضافة إلى مجموعة من الأفلام الدينية “الشيخ حسن”، و”خالد بن الوليد”.

كما شارك صدقي عدد كبير من المطربات في أفلامه السينمائية، ومن بينهم نجاة على، صباح ، نور الهدى، رجاء عبده، مها صبري. وحصلت ليلى مراد على نصيب الأسد في الظهور في أعماله ، حيث قدمت معه عددا كبيرا من الأفلام، كان أولهم فيلم “ليلى”، وهو تمصير لفيلم “غادة الكاميليا”، وحقق كل منهما نجاحا كبيرا بعد عرض الفيلم في دور العرض المصرية .

وفي بداية الخمسينات فاجأ حسين صدقي الجمهوره باعتزاله، بعد بلوغ رصيده 32 فيلما، وقرر الترشح لأحد المناصب في البرلمان بناءً على طلب جيرانه وأهل حيه، وكما حقق نجاحا في الحياة الفنية، استطاع أن يحقق نجاحا كبيرا في الانتخابات، وكان أول برلمانيا من الفنانين، اقترح عدد من المشاريع لتحسين الفن في مصر، كما طالب من موقعه في البرلمان بمنع بيع الخمور في الأماكن العامة أو التكسب من القمار أو الدعارة، إلا أن المسئولين تجاهلوا العديد من تلك المشروعات.

ظل يعيش في هدوه الى ان رحل عن عالمنا في 16 فبراير عام 1976 ، ولاقى نهاية حزينة، أقيمت له جنازة خالية من الفنانين، فقامت الهيئة العامة للسينما عام 1977 بتكريمه كأحد رواد السينما المصرية.

سلطانة الشاشات ورائدة الفن والموسيقى التصويرية.. انها بهيجة حافظ!

تعد الفنانة بهيجة حافظ أول من اهم رواد السينما المصرية منذ نشأتها الأولى، كما كانت أول امراة قامت بتاليف الموسيقى التصويرية للافلام في السينما المصرية. فكانت بحق من أوائل الرائدات في صناعة السينما وأكثرهن تثقيفًا. نطالع في هذه التدوينة لمحات من حياتها الفنية والشخصية وأشهر اعمالها..

ولدت في 4 أغسطس عام 1908 في الإسكندرية، هي ابنة إسماعيل محمد حافظ باشا ناظر للخاصة السلطانية في عهد السلطان حسين كامل وكان إسماعيل صدقي رئيس وزراء مصر في عهد الملك فؤاد الاول من أقربائها. نشأت وتعلمت في مدرسة الفرنسيسكان ومدرسة الميردي ديو. ثم سافرت إلى فرنسا عندما كان عمرها 15 عامًا وحصلت على شهادة جامعية من الكونسرفتوار في الموسيقى عام 1930. كما درست الموسيقى ايضا في باريس، وكانت من عائلة موسيقية فقد كان والدها “إسماعيل حافظ باشا” هاوياً للموسيقى، وقد مارس تأليف الأغاني وتلحينها، وكان يعزف على العود، والقانون، والرق، والبيانو. وكانت والدتها تعزف على الكمان والفيولنسيل، بينما أخوتها يعزفون على الآلات المختلفة، أما بهيجة فكانت تعزف على البيانو.

وحسب ما ورد عن الفنانة الكبيرة، كان للمايسترو الإيطالي “جيوفاني بورجيزي”، والذي كان يقود الفرقة الموسيقية بالإسكندرية، أثر كبير في توجهها للموسيقى، فقد كان يتردد على قصرهم في حيّ محرَّم بك بالإسكندرية بحكم صداقته لوالدها، لذلك درست قواعد الموسيقى الغربية على يديه. وتقول “بهيجة حافظ” إنها بدأت تعزف على البيانو وهي في سن الرابعة، وإنها قد ألّفت أول مقطوعة موسيقية وهي في التاسعة، حيث أعجب والدها بهذه المقطوعة وأسماها “بهيجة”. بعد ذلك ألّفت مقطوعتين، الأولى اسمها “من وحي الشرق” والثانية “معلهشي”.

وللأسف تزوجت بهيجة حافظ من رجل لا يحب الموسيقى، وبذلك لم يشاركها هوايتها، لذلك فقد طلبت منه الطلاق، وبعد طلاقها من زوجها وأيضا بعد وفاة والدها لم ترغب بهيجة في البقاء بالاسكندرية، فتركت بيت الأسرة بالاسكندرية وقررت الاستقرار بالقاهرة لتبدأ حقبة جديدة من حياتها.

وبعد أن نالت شهرة في عالم الموسيقى، كأول سيدة مصرية تقتحم هذا الميدان، نُشرت صورتها في مجلة “المستقبل” التي كان يصدرها إسماعيل وهبي المحامي شقيق يوسف وهبي، وقد نُشرت صورتها على غلاف المجلة، بالبرقع والطرحة، وكُتب تحتها عبارة “أول مؤلفة موسيقية مصرية”، حينها كان “محمد كريم” يبحث عن بطلة لفيلمه الأول (زينب)، بعد أن رفض “يوسف وهبي” قيام الفنانة “أمينة رزق” بالبطولة.

عندها، لفتت فتاة الغلاف انتباه المخرج محمد كريم، فعرض عليها بطولة الفيلم، ورحبَّت “بهيجة” بالعمل في السينما بالرغم من معارضة أسرتها الشديدة، لدرجة أنه قيل أن شقيقتها وقفت في السرادق حينها تتلقى العزاء فيها. ولم تكتفي “بهيجة حافظ” ببطولة الفيلم فحسب، بل قامت أيضاً بوضع الموسيقى التصويرية له، والتي تتكون من اثنتي عشرة مقطوعة موسيقية.. وقد قامت بدور زينب أمام سراج منير و زكي رستم ودولت أبيض وعلوية جميل وعبد القادر المسيري.. ولأن هذا الدور يعتبر أول علاقتها بالتمثيل، فلم تكن بهيجة على دراية بكافة إمكانياته، خصوصاً بأن الدور ـ لكونه صامتاً ـ يحتاج بل يعتمد على التعبير بالحركة والإشارة والتحكم في ملامح الوجه وتقلصاته، لذلك كان محمد كريم حريصاً بأن تكون بهيجة دوماً بين كبار الممثلين، لتحتك بهم بما فيه الكفاية، حتى تتعلم منهم وتندمج معهم من ثم يكون باستطاعتها إعطاء الانفعالات المطلوبة، والطريف في الأمر إن محمد كريم قد استعان في ذلك الوقت بعازف على الكمان ليعزف لها لحناً أثناء التمثيل حتى تستطيع أن تعبر من موقف حزين.

لم يتوقف عطاء بهيجة الفني على التأليف الموسيقي فقط فقد أنشأت شركة إنتاج سينمائي تحت أسم (فنار فيلم) وأنتجت فيلم (ليلى بنت الصحراء) و(الضحايا)، كما أخرجت أفلام (ليلى البدوية)، و(الضحايا) و(ليلى بنت الصحراء) الذي كان أول فيلم مصري ناطق يعرض في مهرجان برلين السينمائي الدولي وينال جائزة ذهبية.

يذكر في مسيرة «بهيجة حافظ» السينمائية إجادتها لكل العناصر السينمائية، فإلى جانب التمثيل والإنتاج والموسيقى التصويرية كانت بارعة في تصميم الأزياء والإخراج، الذى اتجهت إليه بعد اختلافها مع المخرج «ماريو فولبى». فأخرجت فيلم «ليلى بنت الصحراء» الذى يمثل حدثاً تاريخياً في الأوساط السينمائية في ذلك الوقت لما تضمنه من ديكورات ضخمة وأزياء شدت المتفرج وخاصة ملابس البطلة، فضلاً عن الموضوع الذى كان جديداً على السينما المصرية. وكان أول فيلم مصرى يستخدم اللغة العربية الفصحى بسهولة وسلاسة، وشارك في بطولته حسين رياض، وزكى رستم، وعبد المجيد شكرى، وراقية إبراهيم. وقد رشح هذا الفيلم للعرض في مهرجان البندقية عام 1938 ولكنه منع في آخر لحظة لصدور قرار بمنع عرضه داخلياً وخارجياً لما تضمنه من إساءة إلى تاريخ كسرى أنوشروان ملك الفرس وذلك بناء على شكوى واعتراض من الحكومة الإيرانية. وعلى الرغم من مكانة هذا الفيلم في تاريخ السينما المصرية إلا أنه كان السبب في إفلاس شركة «فنار فيلم» واضطرت بهيجة حافظ للتوقف عن الإنتاج لمدة تصل إلى عشر سنوات لما تكبدته من خسائر نتيجة منع عرضه ومصادرته.

عادت شركة فنار فيلم إلى الإنتاج بعد مُضي عشرة أعوام من التوقف، لتنتج فيلم (زهرة السوق) عام 1947 وهو من إخراج حسين فوزي، وأكمل إخراجه المونتير كمال أبو العلا وكتبت بهيجة حافظ قصته، وعهدت إلى إبراهيم حسين العقاد بكتابة السيناريو والحوار، وقامت فيه بدوري بهيجة وزهرة مع أحمد منصور وكمال حسين وعلوية جميل وعبد الفتاح القصري، واشترك فيه بالغناء المطرب اللبناني وديع الصافي حيث كان مطرباً مغموراً أنذاك، وضم الفيلم مجموعة من الأغنيات قامت بهيجة بتلحينها، إضافة إلى وضع الموسيقى التصويرية. وبالرغم من أن الفيلم قد ضم مجموعة من كبار النجوم والوجوه الجديدة، إلا أن الحظ في النجاح لم يحالفه، وكان سبباً في خسارة بهيجة حافظ وإشهار إفلاسها في ذلك الوقت. وكانت بالفعل صدمة كبيرة لها جعلتها تتوقف نهائياً عن الإنتاج السينمائي، لتكون نهاية مؤسفة لقصة كفاح رائدة من رائدات السينما المصرية، ولم تظهر مرة أخرى في السينما ألا في دور قصير من فيلم (القاهرة 30) انتاج عام 1968، وذلك عندما اختارها المخرج صلاح أبو سيف لتقوم بدور الأميرة السابقة “شويكار”.

وكانت بهيجة حافظ أول مصرية تُقبل عضوةً في جمعية الموسيقيين بباريس، وتحصل علي حق الأداء العلني لمؤلفاتها الموسيقية. إلا أن المكتبة الفنية المصرية (وللأسف) لا تملك تسجيلات لهذه المؤلفات، ولم تُقدم أفلام توثق مسيرة هذه الرائدة سوى فيلم أنتجه المخرج العالمي يوسف شاهين يحمل اسم “عاشقات السينما” من إخراج ماريان خوري، يتناول مسيرة عدد من نساء السينما الأوائل، مثل بهيجة حافظ، وعزيزة أمير، وفاطمة رشدي، اَسيا داغر، ماري كويني، وكان الفيلم ضمن مشروع سينمائي اسمه “نساء رائدات”. وفضلًا عن الفيلم، خصصت لها الكاتبة اللبنانية منى غندور، جانبًا من توثيقها لمرحلة بناء السينما على عاتق الرعيل الأول من السينمائيات المصريات في كتاب “سلطانات الشاشة”.

وصحيح بأن “بهيجة حافظ” قد ابتعدت عن السينما، إلا أنها قد عاودت نشاطها الفني الموسيقي. فقد أنشأت في عام 1937 أول نقابة عمالية للموسيقيين وظلت هذه النقابة قائمة حتى عام 1954. كما أنشأت صالونها الثقافي الخاص عام 1959 داخل قصرها المجاور لقصر هدى شعراوى في شارع قصر النيل والذي كان له نشاط ثقافي وفني بارز وكان من بين حضوره الفنان محمد القصبجى، وقد كانت تلك الندوات فنية غنائية حيث كانت بهيجة حافظ تعزف على البيانو الأغنيات القديمة وأيضًا حديثة العهد. كان يتم تعريف الحضور بالأصوات الجديدة على الساحة، وكانت الندوات لاتخلو من الشعراء “علي الجنبلاطى”، و”روحية القلينى”. وكانت تحرص على تقديم الحلوى التى تشرف على صنعها في قصرها وكانت لديها مكتبة زاخرة بشتى الكتب عن الفن اوالأدب باللغتين العربية والفرنسية.

وظلَّت “بهيجة حافظ” طريحة الفراش لسنوات طويلة، لا يطرق بابها إلا القليل من معارفها، حتى اكتشف الجيران وفاتها بعد يومين من حدوث الوفاة. وحضرت شقيقتها سومة وابن شقيقها من الاسكندرية وقد شُيعت لمثواها الأخير دون أن يمشي في جنازتها أحدًا من الفنانين. ودفنت في مدافن الاسرة في القاهرة، ولم يتم كتابة النعى في الصحف او حتى إقامة العزاء ليلاً. وهكذا، رحلت “بهيجة حافظ” في صمت، بعد أن عاشت شبابها بين أضواء النجاح والشهرة، وهي التي جعلت من بيتها مزاراً لمحبي الفن والأدب والموسيقى، وكثيراً ما استضافت الوفود الأجنبية من الفنانين والكُتّاب واحتفت بهم في بيتها هذا، إلى أن حولته فيما بعد إلى جمعية ثقافية استمر نشاطها حتى رأت حلها في عام 1968.

الإغراء في السينما المصرية.. بداية ونهاية

من أول راقية إبراهيم في فيلم عبد الوهاب وهي بتقول.. “سِنتى” و”عشان تحرمى تاكلى جلاس وتدوبى في قلوب الناس” لغاية مروى و روبى و هيفا و”أنت مابتعرفش”.. نتكلم اليوم عن كيف بدأت مسيرة الإغراء فى السينما المصرية وكيف تطورت وإلى ماذا وصلت.. خليكو معانا..

  • البدايات:

لم يكن الإغراء بصورته الواضحة عاملاً هاماً أو محسوساً فى بدايات السينما وحتى نهاية أربعينيات القرن الماضى. وإنما بدأ فى البزوغ في شكله البسيط الذى تمثل فى شخصية الأنثى ذات الأنوثة الطاغية والملامح الشكلية الجمالية الواضحة فى الخمسينات من خلال ظهور نجمات قدمهم مخرجيهم كألهة جمال الأغريق الجاذبة للذكور من كل اتجاه، والواثقة فى قدرتها على هذا الجذب والتحكم فى شدته للغاية.

فكانت سامية جمال و تحية كاريوكا ايقونتا الإغراء –بلا تصنيف رسمي- فى الخمسينات وبدايات الستينات حيث كان لكل منهما طابعاً وطعماً مختلفاً هو مزيج سحري بين الثقة والاقتحام والأنوثة الكاملة وبين الخجل والتحفظ والتوارى الكلاسيكي خلف سطوة الذكر وقوته. وظهرت معهم شريفة ماهر ولولا صدقي وسميحة توفيق وغيرهن وقدمت كل منهن الاغراء في عديد من الافلام.

وظهرت بعدها هند رستم أو مارلين مونرو الشرق فى أواخر الخمسينات لترسم خطاً جديداً فى مملكة الإغراء وتؤرخ لأنوثة من نوع خاص لا تعتمد فقط على الجمال الشكلى الذى امتلكته بجدارة، وإنما لأسلوب خاص آسر لم ينجح حتى من حاولوا فى الاقتراب منه بنظرة متوحشة مخترقة لكبرياء الرجل بشدة وغنج آخاذ قادر على أسرك وإخضاعك بلا أدنى مجهود.. فكانت “هنومة” بائعة الكازوزة في فيلم باب الحديد إسطورة كل العصور وفتاة أحلام مشاهديها من كل الطبقات.

  • إغراء كوميدى:

وفيما كانت سامية وكاريوكا وهند يقدمن أعمالاً جادة فى مجملها، وتقدمن الإغراء بشكله الطبيعى والمعتاد، ذهبت شويكار فينوس الشرق وعلى خطاها نجوى سالم إلى منحى جديد. غير أن الأخيرة لم تجد فرصة حقيقة فى البطولات المطلقة رغم استحقاقها لذلك فى نظرى. فشويكار هى من اخترعت تلك الطريقة الغير مسبوقة فى تقطيع الجمل فى تناغم وعذوبة تجعلك تشعر وكأنها تغنى طوال الوقت. ولأن معظم ما قدمته كان بصحبة الأسطورة فؤاد المهندس فقد ارتبطت كنجمة إغراء –ونظراً لخفة ظلها الشديدة وحضورها الطاغى– بالكوميديا أكثر من قريناتها كـ هدى سلطان مثلاً التى اعتادت تقديم شخصية الأنثى “الشعبية ” التى امتلكت كل مقوماتها وتمكنت منها وعبرت من خلالها لبوابة النجومية فى أفلام رائعة شاركت في بطولتها أمام ملك الترسو فريد شوقى وفتى الشاشة الأروع رشدي أباظة.

وبينما انحصرت أدوار الإغراء فى الخمسينات والستينات فى شخصيات “الراقصة” و ايضا “الجارة العزباء” والأرستقراطية التى تقع فى غرام ابن طبقة أدنى، ولم يكسر أحد هذا القالب إلا فيما ندر، فأن السبعينات حملت صخباً أكثر ووضوحاً أقوى فى تقديم تلك الشخصية لا سيما مع ظهور بعض النجمات اللاتى لم يمانعن المشاهد ولا الملابس الساخنة وقدمنها بأريحية واستعداد كبير، فى مثال ذلك شمس البارودى وفيلمها الأشهر “حمام الملاطيلى” و مديحة كامل والعديد من الافلام التى حملت بصمة خاصة وأنوثة خاصة حاولت من خلالها وبالتزامن مع المشاهد الساخنة، تقديم قصة ذات معنى أو مناقشة قضية ما مثل “شوارع من نار” و”درب الهوى” و”الجحيم”.

  • نجمة الجماهير الأولى:

وبحلول الثمانينات والوصول لمنتصفها يبدأ المجتمع فى الميل بشكل واضح للتحفظ والعودة لموروثات وتقاليد قديمة والتمسك بالتعاليم الدينية التى تحض على الاحتشام وما إلى ذلك من المفاهيم. فينعكس ذلك على حال السينما التى كانت من الأصل تعاني الركود ويبدأ المنتجون فى إنتاج الأفلام الخفيفة التى لا تحمل سخونة تنفر العائلات والمحافظين إلا من مشهد أو أثنان على الشاطىء أو غيره. إلا أنه يوجد محاولات لكسر القالب بظهور ما سمى بسينما المقاولات وما حمله ذلك من هياتم و هيام طعمة و سميرة صدقى، وكميات هائلة من الملابس الشفافة والرقصات الغير مبررة إطلاقاً. وفى التسعينات يبزغ نجم نجمتين عولت السينما بأسرها على إنتاجهما وحدهما لفترة ليست بالقليلة هما “نجمة مصر الأولى” و”نجمة الجماهير” أو نبيلة عبيد و نادية الجندى، اللتين كانتا وقود كل الصفحات الفنية وتخيل معظم الجمهور، إنهما لا تنامان الليل ولا تطيقان بعضهما من احتدام المنافسة.

قدمت كلتا النجمتين مشاهد ساخنة لا ريب وأن اختلف أسلوب كلاً منهما فكانت نبيلة ناعمة متسربة رقيقة أحيانا وواثقة كل الأحيان، بينما كانت نادية مقتحمة شرسة ضاربة بكل شىء عرض الحائط. وعلى الرغم من المشاهد الساخنة قولاً وفعلاً إلا أن النجمتين قدمتا أفلاماً تعد إلى الآن تأريخاً للمجتمع فى ذلك الوقت بشكل عام، والسينما المصرية بشكل خاص. ومنها ” قضية سميحة بدران” و”توت توت” و” كشف المستور” ولنادية ” ملف سامية شعراوى” و” الإرهاب” و” الرغبة” مشاركة مع إلهام شاهين التى تعد من أبرز نجوم تلك المنطقة أيضا ومن أهم أدوارها فى ذلك الشأن ” سوق المتعة” مع العظيم محمود عبد العزيز.

  • تحفظ شبابي:


ظهور اصطلاح “السينما النظيفة” و”السينما الشبابية” مطلع الالفينات ادى إلى أن تظهر نجمات يملن بطبعهن للتحفظ فى بداية مشوارهن كـ منى زكى و غادة عادل و ياسمين عبدالعزيز إلا أن الوضع لا يلبث أن يتبدل من جديد باستمرار الجريئة إيناس الدغيدى فى تقديم الأفلام المثيرة للجدل مثل”دانتيلا” و” كلام الليل” وبعدها ” مذكرات مراهقة” ويقدم خالد يوسف فيلمه المثير للجدل أيضا “خيانة مشروعة” فتظهر سمية الخشاب وتتوالى أعماله فتظهر غادة عبدالرازق ويصاحب ظهورهما ظهور علا غانم التى التصق بها هذا الدور بلا محاولات تقريباً للهروب منه على عكس غادة وسمية؛ وبظهور هؤلاء النجمات يظهر نوع أخر من الإغراء لا يمانع فى تقديم أى شىء طالما أنه كما يدافعن عن عملهن “فى سياق الدراما”.

وكما بدا من خلال ما استعرضناه فأن وجود الأنثى بشكل عام والأنثى التي تقوم بالإغواء بشكل خاص، كان ولا زال عاملاً مشتركاً وخطاً دائماً فى كل عمل سينمائى وإن خفت تأثير هذا الخط فى بعض الأحيان إلا أنه لا زال عامل الجذب الأكبر تقريباً لقطاع كبير من جمهور السينما فى مصر.

محطات في حياة رائد مدرسة الأندماج.. الفنان زكي رستم

«الباشا» لقب اشتهر به خلال مسيرته الفنية، يعد أحد أساطير التمثيل في السينما العربية والعالمية، ترك بصمة لا يمحوها زمن، أو تتجاهلها الأجيال، استطاع أن يلفت بأسلوبه أنظار النقاد في مصر والعالم، 6 صفحات في مجلة «لايف» الأمريكية، تشهد بأنه أعظم ممثل في الشرق وتقارن بينه وبين الممثل البريطاني الكبير تشارلز لوتون، قال عنه المؤرخ والناقد السينمائي الفرنسي إنه فنان قدير ونسخة مصرية من أورسن ويلز بملامحه المعبرة ونظراته المؤثرة، واختارته مجلة «باري ماتش» الفرنسية، بوصفه واحداً من أفضل 10 ممثلين عالميين.

أطلق عليه «رائد مدرسة الاندماج» فكان نموذجاً رائعاً للنجم السينمائي المنفرد في مواهبه، الذي يقوى على أن يتقمص أي شخصية مهما تعددت حالاتها النفسية ومواقفها المتقلبة والمتلونة، ولهذا أطلق عليه النقاد لقب «الفنان ذو الألف وجه»، فكان لا يكاد ينتهي من أداء موقف من المواقف أمام الكاميرا حتى تتصاعد موجة من التصفيق من الحاضرين في البلاتوه بمن فيهم من شاركوه تمثيل الموقف، فاتن حمامة كانت تخاف من اندماجه عندما يستولى عليه فتقول «بخاف منه لما يستولى عليه الاندماج لدرجة أنه لما يزقني كنت ألاقي نفسي طايرة في الهواء».

وفي تلك اللحظة الميلودرامية الرائعة بين الفرح والحزن صاغها وجه وملامح وحركات وصوت «مدبولي» كأنها الدهر كله، وكأن الزمن قد توقف في لحظتها‏.

كان يرقص ويلهو في الخمارة ويشرب ويلعب القمار مع رفاقه، وهو في قمة السعادة وهو يرقص مع راقصة درجة ثانية أو ثالثة، حتى جاء من يهمس في أذنه‏ قائلا: «ابنك الوحيد وذراعك اليمين داسه الترماي».

هذا المشهد قال عنه النقاد إنه سُجل في كتاب السينما العالمية باسم زكي رستم من فيلم «عائشة» بطولة فاتن حمامة، إذ استطاع «رستم» أن يقدم مشهد فرح وحزن في لحظة واحدة‏‏‏، وكان «رستم» أو «مدبولي» بلطجيا كبيرا يسرّح أولاده في الشوارع لبيع اليانصيب أو السرقة والنشل‏، ثم يجمع حصيلة شقاء وتعب ابنه وابنته «عائشة»، ليسهر في الملهي الشعبي يرقص ويشرب البيرة والنبيذ والبوظة‏، ويلعب النرد والقمار حتى الصباح‏، وكانت «عائشة» تذهب للمدرسة صباحا ثم تعود إلي البيت لترتدي لباس العمل، جلابية سوداء غبراء لتبيع اليانصيب علي المقاهي‏، حتى رأف قلب أحد الوجهاء بها فأخذها عنده لتعيش وتدرس واعتبرها ابنته‏، بمقابل مادي شهري لوالدها «مدبولي».

1280x960زكي.jpg

وفي ذكرى رحيله يرصد لكم (غاوي سينما) محطات في حياة فنان بارع أعطى للفن كل عمره، فاستحق أن يكون من أهم ممثلي السينما المصرية والعالمية.

43-ولد زكي محرم محمود رستم، الشهير بزكي رستم في 25 مارس 1903، بقصر جده اللواء محمود رستم باشا بحي الحلمية الذي كانت تقطنه الطبقة الأرستقراطية في أوائل القرن العشرين عائلها الأكبر محمود باشا رستم الذي كان من كبار ملاك الأراضي الزراعية حيث كان يملك 1800 فدان بالوجه البحري ما بين المنصورة والمنوفية، تولي رعايتها من بعده ابنه محرم بك العضو البارز بالحزب الوطني وصديقًا شخصيًا للزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد، وكان وزيرا في عهد الخديوي إسماعيل، وكان من كبار ملاك الأراضي الزراعية، ولم يكن في أسرته من يحمل لقب أفندي.

42-عشق «رستم» التمثيل منذ الصغر، وكان يخرج مع مربيته لمشاهدة الموالد وعروض الأراجوز، وعندما كان طالباً في المرحلة الابتدائية كان يذهب مع أسرته لمشاهدة العروض المسرحية التي تقدمها فرقة جورج أبيض، وفي أحد المرات شاهد جورج أبيض وهو يؤدي شخصية «أوديب» في مسرحية «أوديب ملكاً»، فعاد لمنزله وحاول استرجاع طريقة تمثيله.

41-كانت السراي مقامة علي مساحة 5 أفدنة، ومقسمة إلى 50 غرفة، وفي بدروم هذه السراي أقام «رستم» أول مسرح في حياته، حيث كان ينتهز فرصة سفر أبيه إلى المنصورة ليباشر الأرض الزراعية، ويأخذ «الطرابيزات» وستائر البيت والمفارش ويصنع بها المسرح، أما أبطال المسرحية فهم شقيقاته البنات وأخوه الأصغر «عبدالحميد» ومجموعة الخدم والمربيات، ويقوم هو بكتابة المسرحية وإخراجها، كانت كل هذه المسرحيات تجري في السر لا يعلمها أحد سوى المشتركين فيها، حتى أفشت المربية الإيطالية جوزفين السر إلى والدته التي نهرته بشدة، وصادرت الملابس والأدوات التي كانوا يستخدمونها في بناء المسرح، وسرعان ما علم أبوه أيضا بهذا السر فهدد بحبسه في العزبة حتى يستقيم.

40-كان صديق طفولته سليمان نجيب لديه الميول نفسها، ويعاني نفس الكبت والحرمان والتهديد المستمر حيث كان والده أيضا من كبار الأعيان وخاله أحمد زيور باشا رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشيوخ، لكنهما اجتمعا على حب الفن والتمثيل.

39-في عام 1915، توفي والده وباعت الأسرة سراي الحلمية بمبلغ 40 ألف جنيه، وانتقت إلى حي الارستقراطية الجديد الزمالك وبالتحديد في الفيلا رقم 1 شارع الكامل محمد، في هذه الفترة اضطر «رستم» ترك التمثيل مؤقتا، وأخرج طاقته في الرياضة حيث اختار رياضة المصارعة ورفع الأثقال وحصل علي المركز الثاني علي مستوي مصر في مسابقة رفع الأثقال عام 1923، ونشرت صورته في المجلات وهو يستعرض عضلاته بطريقة كمال الأجسام.

38-نال «رستم» عام 1924 شهادة البكالوريا ورفض استكمال تعليمه الجامعي وكانت أمنية والده أن يلتحق بكلية الحقوق، إلا أنه اختار فن التمثيل، وبعد وفاة الأب، تمرد على تقاليد الأسرة العريقة معلنًا انضمامه إلى فرقة جورج أبيض، ما أثار دهشة والدته أمينة هانم عبدالغفار، التي قالت «إن من يعمل بالفن فهو أراجوز وأنا لا أسمح للأراجوزات دخول منزلي»، وطردته من السرايا لأنه مثل سيئ لإخوته بعدما خيرته بين سكة الفن والتحاقه بكلية الحقوق فاختار الفن، وأصيبت فيما بعد بالشلل حتى وفاتها.

37-منعته والدته من الاتصال بإخوته خاصة أخيه الأصغر «عبدالحميد»، حتى لا يتأثر «عبد الحميد» بأخيه أرسلته إلى انجلترا ليكمل تعليمه، ويكون تحت رعاية أخيه الأكبر وجيه باشا رستم الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب سفير مصر بفرنسا.

36-كانت بدايته في التمثيل من خلال سليمان بك نجيب، الذي كان والده صديقا لوالد «رستم»، فقدمه لعبد الوارث عسر الذي نجح في ترتيب لقاء مع جورج أبيض، وعندما رآه طلب منه أداء مشهد تمثيلي، وبعد نجاحه في أداء هذا المشهد بتفوق واضح، وافق على انضمامه لفرقته عام 1924، حيث ظل يعمل فيها لمدة عام ونصف تعلم خلالها الاندماج الكامل في الشخصية وهو الأسلوب الذي اشتهر به جورج أبيض، ورفض «رستم» خلال عمله مع «أبيض» تقاضي أي أجر، فكان حبه للتمثيل يجعله سعيدا بممارسة هوايته دون مقابل، رغم أن الأجر المحدد له كان نحو 7 جنيهات، وهو رقم كبير بمقاييس هذا العصر.

35-انضم إلى فرقة «رمسيس» مع أحمد علام في عام 1925، وأسند إليه أدوارا رئيسية، ووقتها أقنعه يوسف وهبي بأهمية الاحتراف وتقاضي أجر، وبالفعل تقاضى أول أجر شهري في حياته 15 جنيها، وكان من الأجور المميزة داخل الفرقة، حيث كان البطل الأول يحصل على 25 جنيها.

34-بعد عامين من عمله بالفرقة، انتقل إلى فرقة فاطمة رشدي وعزيز عيد، وتركهما بعد شهور لينضم إلى فرقة «اتحاد الممثلين» وكانت أول فرقة تقرر لها الحكومة إعانة ثابتة لكن لم يستمر فيها طويلاً فتركها، وفشلت ولم تستمر بعد خروجه منها، ثم تركها لينضم للفرقة القومية وكان يرأسها شاعر القطرين، خليل مطران، وظل فيها 10 أعوام.

زكي رستم1.jpg

33-اشترك في 45 مسرحية كان أبرزها «مجنون ليلى، والوطن، ومصرع كليوباترا، وكرسي الاعتراف، والشيطانة، وتحت سماء إسبانيا، واليتيمة، وغيرها» إلى أن صدر قانون يمنع من يعمل بالمسرح من العمل بالسينما، وفي الوقت نفسه كان «رستم» قد وقع 5 عقود سينمائية فاضطر إلى الاستقالة من الفرقة وكان ذلك نهاية عهده بالمسرح.

32-اختاره المخرج محمد كريم عام 1930 ليشترك في بطولة الفيلم الصامت «زينب» وأدى دور «حسن» أمام بهيجة حافظ، دولت أبيض، وحسين عسر، وسراج منير وعدد من النجوم، تأليف الدكتور حسين هيكل، وإنتاج يوسف وهبي.

ومن المواقف الطريفة التي حدثت أثناء تصوير فيلم «زينب» وتدل على خفة دم «رستم» عكس ما كان يشاع عنه أنه متجهم وحاد المزاج، أن المخرج محمد كريم طلب منه في أحد مشاهد الفيلم أن يحمل زوجته المريضة بالسل، التي تجسد دورها الفنانة بهيجة حافظ، وبالفعل أدى المشهد، لكن «كريم» لم يعجبه أداءه، وطلب منه إعادة المشهد ليكون أكثر رومانسية، فغضب «رستم» لأن «بهيجة» كانت ثقيلة الوزن، فألقاها من يده على الأرض، وصرخ في وجه «كريم» قائلا: «اتفضل شيلها أنت».

31-بعد نجاحه في فيلم «زينب»، قدم مجموعة من الأدوار الصغيرة في أفلام «الضحايا، والعزيمة، وليلى بنت الصحراء».

30-اشترك في تمثيل فيلم «الوردة البيضاء» أول أفلام محمد عبدالوهاب عام 1933 بطولة سميرة خلوصي، وفي العام نفسه، شارك في فيلم «الضحايا» الذي قام ببطولته الفنان محمود الأحمدي، وبهيجة حافظ، وعبد السلام النابلسي.

29-ظهر «رستم» في بطولة فيلم «كفري عن خطيئتك» عام 1933، بطولة محمود صلاح الدين، وعزيزة أمير، وزينب صدقي، كما شارك في بطولة فيلم «الاتهام» عام 1934، بطولة محمود الأحمدي، ومنير فهمي، وبهيجة حافظ، وزينب صدقي.

28-في عام 1937، شارك «رستم» في بطولة فيلم «ليلى بنت الصحراء» بصحبة راقية إبراهيم، وبهيجة حافظ، ومحمد بيومي، وجميل حسين، كما اشترك «رستم» عام 1939 في فيلم «العزيمة» وقام ببطولته أنور وجدي، مختار حسين، وحكمت فهمي.

27-شارك «رستم» عام 1945 في فيلم «قصة غرام» أمام أميرة أمير، وإبراهيم حمودة، وبشارة وكيم، ومحمود المليجي، وفي العام نفسه، قدم «رستم» فيلم «السوق السوداء» أمام عماد حمدي، وعقيلة راتب، وعبد الفتاح القصري.

26-ظهرت عبقرية «رستم» التمثيلية في فيلم «هذا جناه أبي» عام 1945، تأليف يوسف جوهر وهنري بركات وإخراج هنري بركات، وقدم «رستم» في الفيلم شخصية عادل المحامي الشهير القوي المحافظ صاحب المثل العليا والفضائل الكثير الذي يوكله صديقه كي يترافع في قضيه رفعتها فتاة تتهم ابنه بالاعتداء عليها، ليقدم «رستم» دورا غاية في التعقيد فهو يزلزل أركان المحكمة في حديثه عن الشرف والفضيلة وكيف أن الفتاة خاطئة وأنها الملام الوحيد في هذه القضية، لكن الأمر يتغير حينما يعرف أن تلك الفتاة هي ابنته من نزوة ارتكبها في الماضي، لتتحول شخصية «عادل» إلى النقيض حيث يدافع عن الفتاة ويصر على أن يصلح ابن صديقه ما أفسده ليدور صراعا جديدا بين «رستم» وصديقه سراج منير، وقال النقاد إن القدرة على التحول في الشخصية والتقمص وتقديم ما يستلزم لتظهر الشخصية كما هي، جعلتنا نصدق شخصية عادل في المرحلتين، وهي عبقرية تحسب لممثل بقامة «رستم».

25-من المواقف الشهيرة أثناء تصوير فيلم «هذا جناه أبي»، كان تلقي الفنانة صباح صفعة على وجهها من «رستم»، لأنها ضحكت على أدائه أثناء أحد المشاهد وكان هذا أمام كل العاملين بالفيلم، لكنه حضر إلى غرفتها ليعتذر منها بعد ذلك، وهى أيضا اعتذرت له، لأنها ضحكت عليه وهو مندمج في أحد المشاهد أمامها.

24-في عام 1946، شارك «رستم» في بطولة فيلم «عدو المرأة» بصحبة محمد فوزي، وصباح، ورياض القصبجي، كما ظهر «رستم» في العام نفسه في فيلم «النائب العام» بطولة عباس فارس، ومديحة يسري.

23-في فيلم «خاتم سليمان» عام 1947، إخراج حسن رمزي، قدم «رستم» شخصية مركبة فهو «المعلم بيومي» الكهل الذي يحب ابنه صديقه الشابة ويطلبها للزواج ولكن والدها يرفض لفرق السن الكبير، فيجد «بيومي» خاتم سليمان ليظهر له المارد فيحوله إلى واحد من الأثرياء ليتزوج الفتاة التي أرادها ويسجنها في قصره، الشر في دور «المعلم بيومي» ليس شرا لمجرد الشر لكنه شر الانتقام، ويقول النقاد إن بعيدا عن القصة التي أتسمت بالسذاجة الشديدة، قدم «رستم» تطور الشخصية واختلافها من رجل بسيط الحال لثري ذو سطوة وجاه بتفوق يحسده عليه أعتى ممثلي السينما.

22-في الخمسينات من القرن العشرين، كان لـ«رستم» علامات بارزة في السينما المصرية منها مشاركته في فيلم «عائشة» مع فاتن حمامة، كما قدم دور الباشا الذي فقد حفيدته في فيلم «ياسمين» عام 1950 أمام مديحة يسري، وأنور وجدي، وفيروز، وكان له مجموعة من المشاهد المؤثرة في هذا الفيلم مثل المشهد الذي وجد فيه «ياسمين» حفيدته التائهة لسنوات، وعندما أعطى لها الريال في قسم الشرطة.

21-في فيلم «معلش يا زهر» الذي عرض عام 1950، وكتبه يوسف عيسى وأبو السعود الإبياري، وأخرجه هنري بركات، قدم «رستم» شخصية مختلفة تماما عن أدواره السابقة فهو الأب الطيب المثابر الحمول، لكنه يرفض تزويج ابنته من ابن البقال المجاور له لأنه لا يرى الأمان إلا في الوظيفة الحكومية، دور مختلف عن أدوار الشر التي اعتاد «رستم» تقديمها، لكن الغريب أن «رستم» الذي أقنعنا في كل أفلامه بشراسته وشره، أقنعنا أيضا في هذا الفيلم بطيبته الشديدة فلا يمكن أن نعتبر عدم موافقته على زواج ابنته شرًا حيث أنه يرفض لسبب منطقي من وجهة نظره، ليصبح ذكر «رستم» هو الفنان القادر على لعب الأدوار المختلفة بنفس المستوي ودون اختلاف.

20-اشترك عام 1951 في فيلم «أنا الماضي» مع فاتن حمامة، وعماد حمدي، وفريد شوقي، إخراج عز الدين ذو الفقار.

19- تقمص ببراعة دور الباشا الإقطاعي المخطط للظلم الاجتماعي في «صراع في الوادي» مع فاتن حمامة، وعمر الشريف، إخراج يوسف شاهين، إنتاج عام 1954.

18-تفوق على نفسه في شخصية رئيس العصابة الداهية الذي يتظاهر بالورع والتقوى ويخدع الجميع في سلسلة أفلام نيازي مصطفى مثل «حميدو»، و«رصيف نمرة 5» عام 1956 أمام فريد شوقي، وهدى سلطان، واشتهر بجملته «نويت أصلي العصر.. الله أكبر»، حيث جسد شخصية زعيم الحقيقي للعصابة التي تسببت في قتل زوجته وفصله من عمله، وكذلك فيلم «إغراء» بصحبة شكري سرحان، وصباح، وشارك كذلك في فيلم «أين عمري» أمام ماجدة، ويحيى شاهين، وأحمد رمزي.

17-تألق في فيلم «الفتوة» رائعة المخرج صلاح أبو سيف، أمام فريد شوقي، وتحية كاريوكا، ومن المواقف الشهيرة التي تدل على أن «رستم» يندمج في الشخصية التي يقدمها وينفعل بها ويتجاوب معها أنه أثناء التصوير عام 1957 أصر على أن يدخل فريد شوقي ثلاجة الخضار التي حبسه فيها «رستم» في أحداث الفيلم، وذلك لأن «شوقي» خرج من مكانه في الثلاجة ليتابع الأداء البارع لـ«رستم»، الذي لم يستطع أن يواصل الأداء عندما لمح «فريد» خارج الثلاجة، وأصر على دخوله الثلاجة حتى يكتسب المشهد الصدق والفاعلية.

16-في عام 1958، شارك «رستم» في فيلم «امرأة في الطريق» إخراج عزالدين ذو الفقار وتأليف عبدالحي أديب ومحمد أبو يوسف، واشتهر «رستم» بجملته «عمتنى يا صابر»، الفيلم الذي شهد صراعا تمثيلا كبيرا بين «رستم» و هدى سلطان و رشدي أباظة وشكري سرحان، وقدم «رستم» دور الأب أيضا لكن الأب ذو الوجهين القاسي على ابنه الأكبر «صابر» والرقيق المتراخي أحيانا مع الابن الأصغر «حسنين»، بسبب أن والدة صابر» خانته وتركته لكن والدة «حسنين» كانت سيدة طيبة، ويقول النقاد إنه يمكن أن تشاهد عبقرية «رستم» في المشاهد الذي يجتمع فيها «صابر، وحسنين»، فكيف ينتقل «رستم» من القسوة إلى اللين بمنتهى البساطة ودون افتعال أو ضجيج وحتى في لحظات الرفق بـ«صابر» كان «رستم» يقدم لنا اللين الحذر الذي سرعان ما ينقلب إلى قسوة وحدة، كما شارك في فيلم «الهاربة» بطولة شادية، وشكري سرحان، وعبد المنعم إبراهيم.

15-في الستينات، قدم «رستم» عددا رائعا من الأعمال السينمائية منها اشتراكه في فيلم «ملاك وشيطان» بطولة شكري سرحان، ونجوى فؤاد، ومريم فخر الدين، وصلاح ذو الفقار.

hqdefault

14-ظهر «رستم» في فيلم «نهر الحب» عام 1960 بطولة عمر الشريف، وفاتن حمامة، وفؤاد المهندس،  إخراج عز الدين ذو الفقار، ولعب دور «طاهر باشا» الوزير الذي اكتشف خيانة زوجته «نوال»، واشتهر بطريقته في نطق اسمها وتوبيخها بعد اكتشاف خيانتها له، ووضعه هذا الدور على مستوى عالمي، ولم يقل أداؤه لدور الزوج الوزير السياسي عن الكبار من ممثلي الشاشة العالمية الذين مثلوا الدور نفسه في 17 فيلما مأخوذة عن رائعة تولستوي «أنا كارنينا».

13- في عام 1961، قام «رستم» ببطولة فيلم «أعز الحبايب» الذي شاركه بطولته شكري سرحان، وسعاد حسني، ونور الدمرداش.

12-ظهر «رستم» في عام 1962 في فيلم «يوم بلا غد» مع فريد الأطرش، ومريم فخر الدين، وظهر كذلك في فيلم «الحرام» عام 1965، بطولة عبد الله غيث، وفاتن حمامة.

10-في عام 1962، حصل على وسام الفنون والعلوم من جمال عبد الناصر.

9-عانى «رستم» في أوائل الستينات من ضعف السمع، وأعتقد في البداية أنه مجرد عارض سيزول مع الأيام، وأنه بحفظه جيداً لدوره وقراءته لشفاه الممثلين أمامه قد يحل المشكلة، لكن هذا لم يحدث، ففي آخر أفلامه «إجازة صيف» كان قد فقد حاسة السمع تماماً، فكان ينسى جملاً في الحوار أو يرفع صوته بطريقة مسرحية، وعندما كان المخرج يوجهه أو يعطيه ملاحظاته لا يسمعها، ما أحزنه كثيراً، حتى أنه في أحد المرات بكى في الأستوديو من هذا الموقف.

8-قدم «رستم» دور الأب البخيل في قالب من الكوميديا الهادئة الراقية البعيدة عن الابتذال، كأنما أراد أن يؤكد على موهبته الكبيرة التي طالما حصرت في أدوار الشر، وذلك في آخر أفلامه «أجازة الصيف» عام 1968، أمام فريد شوقي، ومحمود المليجي، ونيللي، وحسن يوسف، وجسد دوره وهو فاقد لحاسة السمع تماماً، وكان يكره أن يستعين بسماعة من تلك الاختراعات الإلكترونية، خاصة أن السماعات في ذلك الوقت كانت لم تزل بأسلاكها وبطاريتها ظاهرة للعيان إلى جانب إنها تقيد من تحركات الاندماج، ومع ذلك أدى الدور على أحسن ما يكون، وفي هذا الوقت ظهرت عبقرية فكان يحفظ جيداً لدوره وقراءته لشفاه الممثلين أمامه.

7-اشتهر «زكي» بالوحدة والانطواء، حيث لم يكن يقبل أي دعوة للسهر ولا يدعو أحدا، وكان الفن عنده هو «البلاتوه»، وتنقطع صلته به تماماً لحظة خروجه منه، لهذا لم يكن له أصدقاء سوى سليمان نجيب، وعبد الوارث عسر.

6-نظراً لموهبته الفنية الكبيرة، عًرض عليه التمثيل في فيلم عالمي إنتاج شركة كولومبيا، لكنه رفض معلقاً «غير معقول اشتغل في فيلم يعادي العرب».

5-عاش طوال حياته أعزب لا يفكر في الزواج ولا يشغله سوى الفن، كان لهذا أسبابا عدة، ففي البداية كانت تؤرقه عقدة والدته التي توفت بعد إصابتها بالشلل بسبب اتجاهه للفن، ومع ضغط أسرته عليه للزواج تقدم لفتاة من خارج الوسط الفني كانت أسرته قد أشادت بها، لكن عريس آخر كان أسرع إليها منه، فلم يكرر التجربة ثانية، وعندما كبر نصحته شقيقاته بالزواج من امرأة في مثل سنه لترعاه، لكنه رفض قائلاً «لا أنا مش هظلم معايا بنات الناس»، خاصة أنه عرف بميله إلى العزلة، وكان يقول «أنا لا أطاق وعارف إني صعب العشرة»، حيث كان حاد الطباع عصبي المزاج لا يزور أحد ولا يدعو أحدا لزيارته في صومعته.

4-اعتزل التمثيل نهائياً عام 1968 وابتعد عن الناس بعد فقدانه لحاسة السمع تدريجيا، وكان يقضي معظم وقته في القراءة ولعب البلياردو، بعد أن قدم أكثر من 240 فيلمًا لكن المشهور منها والموجود 55 فيلمًا.

3-كان يسكن بمفرده في شقة بعمارة «يعقوبيان» بشارع 26 يوليو، ولم يكن يؤنس وحدته سوى خادم عجوز قضى في خدمته أكثر من 30 عامًا وكلبه الذي كان يصاحبه في جولاته الصباحية، وإذا ما اضطر للخروج فكان يسير في منطقة محدودة من شارع سليمان وعبدالخالق ثروت، وأحيانا كان يقوده مشواره للحلاق فيجلس فوق مقعده المرتفع تاركا أقدامه لـ«الجزمجي» يلمع حذائه، وغالبا ما كانت وجبة الغداء في مطعم «الأونيون» وفنجان القهوة في «الإكسلسيور»، لم يكن يلبي فيها عزومة أحد ولا يدع من جانبه أحد، وبمرور الوقت تعرف على أحد الجرسونات وأصبح صديقا له، وكانت لديه ثروة ضخمة لكنه لم يكن يحب أن يطلع أحداً على مدى ثرائه.

D8B9D985D8A7D8B1D8A9_D98AD8B9D982D988D8A8D98AD8A7D986

2- قالت عنه ابنة أخيه المهندس عبدالحميد بك رستم، المذيعة ليلى رستم، إن «شخصيته كانت مهابة ومخيفة ورغم أن زياراته لنا كانت قليلة إلا أننا كنا نخشاها ونحسب لها ألف حساب وفي نفس الوقت كانت جلساته ممتعة وخفيفة وكان يتميز بخفة وحينما كنا نضحك علي ذلك كان يتعجب من هذا الضحك لأنه لم يكن يريد أن يقاطعه أحد أو يعلق علي كلامه أحد»، وأضافت: «وبالمناسبة كانت شخصيته كذلك في الوسط الفني حيث نقل لي الكثير من الممثلين والممثلات حكايات وطرائف تدل علي احترام الجميع له ومناداته دائما بكلمة (زكي بك)».

وحكت «ليلى» في حوار مع الإعلامي مفيد فوزي عن عمها قائلة: «الفنان زكى رستم كان إنسانا غير عادى وهو فنان حقيقى بمعنى الكلمة»، وأضافت: «جمال عبد الناصر زكي رستم بعدما أخذ الكثير من الأطيان التي كان يملكها دون وجه حق».

1.أصيب بأزمة قلبية حادة نقل على إثرها إلى مستشفى دار الشفاء، وفي 15 فبراير 1972 كان قد أسلم الروح ولم يشعر به أحد ولم يمش في جنازته أحد.