واحد من اعظم مخرجي السينما المصرية.. انه نيازي مصطفى

يُعتبر المخرج الراحل نيازي مصطفى من رواد الإخراج السينمائي في مصر، وترسخت أعماله في أذهان النقاد والجمهور بشكل ملحوظ، وهو ما أكدته أفلام «عنتر وعبلة»، و«رصيف نمرة 5»، و«إنت اللي قتلت بابايا»، وغيرها، وعلى نفس الإثارة التي قدمها في أفلامه رحل عن عالمنا بنفس الدرجة. حوّل شغفه وحبه بالسينما إلى وسيلة لتحقيق مجد شخصي له، ساعده على حفر اسمه ضمن أعلام الفن في التاريخ المصري، وما أهله لذلك نشأته منذ الصغر والتعليم الذي تلقاه في صباه ومرحلة شبابه، حتى تمخض عن كل تلك المقدمات أعمال لا تُنسى في ذاكرة الجمهور.

نستعرض في هذا التقرير معلومات قد لا تعرفها عن المخرج الكبير نيازي مصطفى، وفق ما هو مذكور بكتاب «سينما نيازي مصطفى» من تأليف محمد عبدالفتاح، ومقال بجريدة «المصري لايت»، وموقع «جولولي»:

وُلد نيازي مصطفى أحمد، في 11 نوفمبر 1911، وكان والده من أصل سوداني وأمّه كانت تركية، ونشأ في محافظة أسيوط. وكان يذهب مع والدته إلى دار العرض الوحيدة بالمحافظة، وهو ما لعب دورًا مؤثرًا في حياته الفنية فيما بعد. وشغف نيازي بالسينما دفعه إلى طلب الاطّلاع على بعض الكتب في هذا المجال من أحد أصحاب المكتبات، ليساعده الأخير أولًا بتعلم اللغة الإنجليزية حتى يتمكن من قراءة مجلة «بكتشر جوير» الإنجليزية الفنية، وفق ما هو منشور في صحيفة «القاهرة» في ديسمبر 2011.

خلال مرحلة دراسته الثانوية انتقل نيازي من أسيوط إلى محافظة القاهرة. لم يُعرف عن نيازي انضمامه لأي من الأحزاب السياسية، لكنه كان يعد نفسه وفديًا كأغلب الشعب المصري في ذلك الوقت. في عام 1929 سافر نيازي إلى ألمانيا لتعلم السينما لمدة ثلاث سنوات، وفيها درس الطبع والتحميض والعدسات والتصوير والكهرباء، وكل ما له علاقة بفن التصوير والإخراج.

ذكر الناقد الفني محمد عبدالفتاح في كتابه «أن نيازي لعب دور عربي (جمّال) أثناء وجوده بألمانيا، وهو دور أقرب إلى الكومبارس، وكان الفيلم من إنتاج شركة ميونخ». الى ان حصل نيازي على إجازة (شهادة) التخرج في عام 1933، وكان من أوائل الطلاب المصريين الذين درسوا السينما بطريقة أكاديمية حينها، وفقًا لما ذكره عبدالفتاح.

وأثناء فترة تدريبه في ألمانيا، عقب الانتهاء من الدراسة، تعرف نيازي على المخرج ولي الدين سامح هناك، وعرف منه أن طلعت باشا حرب يقوم بإنشاء استوديو مصر، ونصحه بالعودة للعمل فيه. وكان المخرج أحمد بدرخان من المقربين إلى نيازي، والذي استمر في مراسلته خلال سفر الأخير إلى ألمانيا، كما ساعده في مقابلة طلعت باشا حرب بعد عودته من ميونخ للعمل في استوديو مصر.

وعقب عودة نيازي مباشرةً من الخارج شارك في تكوين «جماعة النقاد»، التي ضمت أحمد كامل مرسي، وأحمد بدرخان، وحسن عبدالوهاب، وسراج منير، والسيد حسن جمعة، وأصدرت مجلة ناطقة باسمها. وألقى نيازي محاضرات وأدار ندوات قبل وبعد عروض الأفلام المختارة بـ«نادي السينما» بنقابة السينمائيين، واهتم بالعمل النقابي وحركة النقابات الفنية ودرس أهم الحركات والقوانين ونظم اتحاد المخرجين، وذلك وفق ما ذكره عبدالفتاح.

عمل نيازي رئيسًا لقسم المونتاج بافتتاح استوديو مصر، بعدها بدأ في إخراج الأفلام القصيرة وأفلام الدعاية. عمل نيازي كمساعد مخرج للفنان يوسف وهبي في عام 1935 في فيلم «الدفاع»، وتأثر به وفق رواية عبدالفتاح. وكان العمل الأول لنيازي في استوديو مصر عن «شركات بنك مصر»، ثم قام بـ«مونتاج» لكل أعمال استوديو مصر كالجريدة السينمائية الأسبوعية.

وكانت أول ثلاثة أفلام أنتجها استوديو مصر، وهي «وداد» و«لاشين» و«الحل الأخير»، أشرف نيازي على «المونتاج» الخاص بها. وتدرب على يد نيازي في قسم المونتاج كثيرٌ من المخرجين والمؤلفين، مثل أخيه جلال مصطفى، وحسن الإمام، وصلاح أبو سيف، وكمال الشيخ، ومحمد عبدالجواد، وإبراهيم عمارة.

في عام 1937 أخرج نيازي أول فيلم سينمائي له، من إنتاج استوديو مصر، وكان اسمه «سلامة في خير» من بطولة الراحل نجيب الريحاني، وعمل كذلك حينها في تصوير ومونتاج العمل، وساهم في كتابة السيناريو، وفق ما ذكره عبدالفتاح. وكان النجاح الكبير الذي حققه الفيلم دفع نجيب الريحاني إلى التراجع عن قراره بـ«تطليق السينما» واعتزالها، وفق رواية عبدالفتاح.

في عام 1939، اجتمع نيازي مع الريحاني مجددًا في فيلم «سي عمر»، إلا أن الخلاف دب بينهما بسبب تدخل الأخير في السيناريو، نجيب الريحاني كما نعلم اخرج معظم مسرحياته، وكان من الصعب عليه تلقي اوامر من مخرج صغير السن!.. مما عطل التصوير لفترة امتدت الى عام ونصف، حتى تم عرض الفيلم في 6 يناير 1941، واكتفى المخرج الراحل بتصوير النصف الأول منه، وفق ما هو مذكور على موقع «السينما كوم».

وفي 1941، أخرج فيلم «مصنع الزوجات»، الذي تبنى خلاله قضية تحرير المرأة، ما تسبب في تعرضه لحملات صحفية شرسة حينها، و«مظاهرات نسائية تُهاجمه بتهمة التحريض على تحرير المرأة ودعوته لها لممارسة حقوقها السياسية»، كما دخل في مشكلات مع الرقابة، وفق رواية عبدالفتاح.

وبعد النقد الذي واجهه فيلم «مصنع الزوجات» اتجه لأعمال الفروسية «رابحة» الذي حقق نجاحًا كبيرًا، وكذلك «عنتر وعبلة» لسراج منير وكوكا والتي كانت مساعدته وزميلته في قسم المونتاج باستوديو مصر، كما أنها من أب سوداني مثله، تزوجها نيازي مصطفى في منتصف الأربعينات وفق رواية عبدالفتاح. وبسببها تعرض نيازي لهجوم حاد من النقاد بادعاء تفضيله لزوجته «كوكا» على بقية الفنانين في أعماله، بعد نجاحها في «رابحة» و«عنتر وعبلة»، ورد على ما أُثير، وقال «بأنه يعمل تحت سلطان إحساسين، هما قلبه وعقله».

ويقول محمد عبدالفتاح إن نيازي مصطفى هو من أوائل المخرجين الذين لجأوا لاستخدام الخدع في أفلامهم، وهو ما حدث عام 1959 في فيلم «سر طاقية الإخفاء». كما قدم نيازي عددًا قليلًا من الأفلام الروائية، وفق رواية عبدالفتاح، وأبرزها «التوت والنبوت»، و«رابحة»، و«عنتر بن شداد»، و«فتوات الحسينية» وغيرها. كما تأثر نيازي بالمخرج الأمريكي «روبين ماموليان»، وتمنى أن يصل في يوم من الأيام إلي عظمته.

في عام 1965، تزوّج نيازي من الراقصة نعمت مختار، وذلك بناءً على طلب «كوكا» بعد اكتشافها عدم قدرتها على الإنجاب، وفق رواية موقع «جولولي»، ثم طلقها بعد مرور شهر واحد، واستمرت علاقته بزوجته الأولى حتى توفيت في يناير 1979. وبعد وفاتها توقف نيازي عن العمل لمدة 5 سنوات، نتيجة الاكتئاب الذي أصابه، وفق رواية عبدالفتاح.

 

في عام 1986، أخرج نيازي آخر عمل له، وكان فيلم «القرداتي»، من بطولة فاروق الفيشاوي.

نال نيازي العديد من الجوائز، كان منها تكريم الدولة له في عيد العلم عام 1965، وحصل على الشهادة الذهبية من «الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما» في 1976، وكرمه «المركز الكاثوليكي» عن مجمل أعماله في 1977، ونال جائزة الريادة من «الجمعية المصرية لفن السينما» في 1986.

وفي صباح الـ20 من أكتوبر 1986 عُثر على المخرج الكبير نيازي مصطفي مقتولا بشقته في الدقي، وإلى الآن لم يتم حل لغز مقتله، إلا أن الوقائع و الملابسات توحي بالغموض والغرابة، فبداية من الليلة التي سبقت اكتشاف جثته، عاد نيازي إلى منزله في السابعة بعدما أنهى تصوير آخر مشهد في فيلمه الأخير “القرادتي” ليتناول طعام العشاء وينصرف الطباخ وفي الصباح عاد الطباخ وإتجه إلى باب المطبخ ولكنه وجده مغلقا من الداخل على غير العادة، طرق الباب عدة مرات ولكن لم يجيبه أحد.

ذهب الطباخ إلى عمله الحكومي وعاد في الظهيرة وطرق الأبواب ولا مجيب فنظر فوجد جميع أضواء المنزل مضاءه، فذهب إلى زينب، شقيقة نيازي مصطفى، في المنيل ليأخذ نسخة المفتاح الاحتياطية ليجده في غرفة نومه مقيد اليدين من الخلف، وشرايين يديه مقطوعة، ومكمم بفوطة من القماش، وأوراق مذكراته متناثرة وشهادات استثمار بأسماء عدد من السيدات وأوراق اعماله السينمائية الأخيرة.

أبلغ الطباخ أهل نيازي مصطفى، وحينما وصلت الشرطة إلى مسرح الجريمة كان قد تم العبث به بعدما انتشر الخبر وجاء أقاربه وأصدقاءه وظلت الأجهزة الأمنية تحاول حل اللغز الذي تشابكت خيوطة بين علاقات نسائية متعددة وخلافات سياسية بينه وبين بعض السياسين وخلافات بينه وبين عائلة الفنانة كوكا زوجته الراحلة. حتى وصلت التحريات والبحث إلى طريق مسدود، فقيدت القضية ضد مجهول.

الناصح الأمين خلف وأمام الكاميرا.. انه محمد الدفراوي

عُرف دائما بدور الرزين، الناصح الأمين دائمًا وأبدًا، وكانت هذه هي شخصيته الحقيقية بعيدًا عن الكاميرات والدراما السينمائية والتلفزيونية، فنذكر في أحد اللقاءات التلفزيونية المسجّلة له، جلس الفنان محمد الدفراوي خلف نظارته الطبية، يتحدّث عن أهمية المواعيد في حياة الفنان، فهو الذى اعتاد أن يستيقظ في الثامنة صباحًا، يتناول فنجان القهوة، ثم يذهب إلى أماكن تصوير الأعمال السينمائية التى حددته لفترة في دور الفتى الأول في الستينيات من القرن الماضي، إلى أن خلع ذلك الثوب، بأداء عدد من الأدوار المختلفة، فأصبح الجمهور يناديه في الشوارع «يا خميس أفندي يا أبو كوباية»، وفي تدوينة اليوم نتعرف على عدة محطات في حياته..

 

ولدَ محمد الدفراوي داخل مدينة «دسوق» التابعة لمحافظة كفر الشيخ. بتاريخ 29 مايو 1931. وكان اسمه وفقًا لدليل الممثل العربي في سينما القرن العشرين، محمد الصغير أحمد الدفراوي.

بعد انتهاء المرحلة الثانوية، التحق الدفراوي بكلية الآداب جامعة القاهرة. وفي الخمسينيات من القرن الماضي، قرر الدفراوي دراسة الفن، وبالفعل التحق بمعهد الفنون المسرحية، وحصل على البكالوريوس عام 1955.

بعدها انضم الدفراوي إلى الفرقة المصرية الحديثة، وبدأ مشواره الفني عبر المسرح، والتحق بعدد من الفرق المسرحية الخاصة والقومية، ليصبح نجما من نجوم المسرح القومي في الستينيات. يقول الدفراوي في لقاء تلفزيوني عن بداية التحاقه بالمسرح: «دخلت عالم المسرح هاويا وكان راتبي 15 جنيها، ووقفت أمام فطاحل المسرح القومي، أمثال فؤاد شفيق، حسين رياض، نبيل الألفي».

مثَّل على مسارح القطاع العام والخاص في مسرحيتي «السلطان الحائر» و«مصرع كليوباترا». وكان يفتخر بمشاركة نخبة من فناني المسرح في التمثيل، أبرزهم أمينة رزق، نجمة إبراهيم، فردوس محمد، سناء جميل، عبد المنعم إبراهيم، محسنة توفيق، توفيق الدقن، سميحة أيوب.

برز الدفراوي فيما بعد في عدد من الأدوار المسرحية عن أعمال أخذت من أهم الأدباء المصريين أو مُقتبسة عن رواية أجنبية، ومن أهم أدواره شخصية «لوفت» بمسرحية «تحت الرماد»، شخصية «برانزوفسكو» بمسرحية «الخطاب المفقود»، «العسكري» بمسرحية «جمهورية فرحات»، «ألن» بمسرحية «سيأتي الوقت»، «شيخ الحارة» في مسرحية «الست هدى».

وكان يعتز الدفراوي بدور «خميس أفندي أبو كوباية»، في مسرحية «السقا»، والتى قالت عن دوره فيها الفنانة، سميحة أيوب: «كان يرتدي جلباب صعيدي قصير، وكان معروف عنه طوله، وقدمه واضحة هي والحذاء بسبب قصر الجلباب مرتدياً فوقها جاكت ويزين رأسه طربوش أحمر معوج، ويظهر جالس على مقهي وفي يده كوب صغير ولا أحد يعلم ما بداخله».

ايضا شارك في التمثيليات الإذاعية مثل «أبواب المستحيل الخمسة» في التليفزيون. لمع في المسلسل الديني «محمد رسول الله»، حيث أدى دور «فرعون» وكان اشهر أدواره على الأطلاق. كما قدَّم أدوارًا بارزة في الدراما التلفزيونية، أشهرها، مسلسل «رأفت الهجان» بعد أن أدى دور مدير المخابرات العامة، ودوره في مسلسل «ناصر» حيث جسَّد دور جد الزعيم الرحل جمال عبدالناصر، و«ذئاب الجبل». وكانت آخر أعمال الفنان محمد الدفراوي دوره في مسلسل «سنوات الحب والملح» والذي عرض في عام 2010.

جاءته فرصتين للنجومية والشهرة المطلقة، وكانت الفرصة الأولي أمام شادية عندما وقف يرقص معها فقط في مطلع فيلم «المرأة المجهولة» على أنغام أغنية «على بالي وشاغل بالي» عام 1959، وطار من الفرح و تمنى أن يكون مكان عماد حمدي بطل الفيلم.

أما الفرصة الثانية، فكانت عندما عرض عليه المخرج الكبير كمال الشيخ الدور الذي اداه الفنان إبراهيم خان في فيلم «غروب و شروق» أمام النجمة سعاد حسني عام 1968، وفرح الدفراوي جدًا بالدور ولكن كانت مفاجأة للجميع أنه هو الذي رفض قُبلة سعاد حسني(!!) فكان المخرج كمال الشيخ مخرج دمث الخلق، فاستجاب له وقال «أسف الدور ده مينسبكش» فأسند له دورًا آخر في نفس الفيلم، وهو دور ضابط في القلم السياسي.

لم تكُن مشاركة الدفراوي في السينما بحجم ما قدّمه للمسرح، ورغم ذلك كانت له أدوار سينمائية علقت في أذهان الجمهور من بينها دور «الملك» في فيلم «سلام يا صاحبي». ومن الأدوار التي لا ينساها الجمهور للدفراوي الملك في فيلم «سلام يا صاحبي»، المفكر صاحب الكلمة في «الإرهابي»، «الله أكبر»، «حب ودلع»، «كل هذ الحب»، «الفتى الشرير»، «شروق وغروب»، «في بيتنا رجل»، «قبلني في الظلام»، و«عمارة يعقوبيان».

قال عنه الناقد رجاء النقاش «كان محمد الدفراوي رائعا، أدى دور الإنسان المرتبط بالأرض، والذى يمضي في الحياة بلا خوف، وكان من الطبيعي أن تتوج تلك المسيرة الكبيرة بالتكريم».

في بداية عام 1979، حصل الدفراوي على شهادة تقدير من الرئيس أنور السادات. كما حصل على شهادة تقدير في العيد الفضي للتلفزيون 1985، ودرع المهرجان المصري العربي 2004، كما تم تكريمه بمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، 2005.

وعلى الصعيد النقابي شغل منصب وكيل نقابة الممثلين، وفقًا لرواية نقيب الممثلين، أشرف زكي.

وقد عانى الدفراوي من أمراض الكبد وتدهورت حالته الصحية في أيامه الأخيرة، وأودع لدى معهد ناصر أكثر من مرة، وحرص عدد من زملائه على زيارته للتخفيف عنه من بينهم كريمة مختار، سوسن بدر، أشرف زكي، نهال عنبر. وفي أواخر أيامه، رقد الفنان، محمد الدفراوي، فترة طويلة بمعهد ناصر، يتلقى العلاج بعد أن داهمته آلام الكبد، وخضع لعدة عمليات جراحية، ثم تدهورت حالته الصحية فى الفترة الأخيرة من حياته، وأصيب بكسر مضاعف فى الفخذ بعد سقوطه من على سلالم المسرح، أثناء الاحتفال بذكرى تأميم قناة السويس. وكان أكثر ما يؤلم الدفراوي، وفقا لشهادة زوجته، عدم قدرته على أداء الصلاة بصورتها الطبيعية، حيث كان يؤدي الفروض وهو راقد على الفراش ما كان يجعله يبكي خجلا من الله.

أوضحت زوجته أيضًا أنه رفض تماما زيارات الفنانين له في منزله، خلال الفترة الأخيرة، حتى لا يراه من أحبوه وهو في حالته المتأخرة. الى ان حان أجله في يناير 2011، بعد معاناة طويلة مع المرض، لم يتحملها.

ترك الطب ليصير من أكبر نجوم عصره.. انه سراج منير

هو فنان متميز، شامل، مثقف، يُعتبر من الرعيل الأول في المسرح والسينما المصرية على حد سواء، لعب أدوار البطولة في افلام عديدة ولكنه تميز أكثر في الأدوار الثانية، في دور والد البطل أو صديقه. قدم العديد من الشخصيات التي اشتهر بها دونا عن كل ممثلين جيله.. انه الفنان سراج منير.. أو “سراج منير عبد الوهاب”، وهو اسمه الكامل، وهو اسم مركب اتفقت عليه الأسرة بعد خلاف بين الأب والجدة على تسميته “سراج” أو “منير”، وهو من مواليد حي “باب الخلق”، 15 يوليو 1904، ووالده هو “عبد الوهاب بك حسن”، كان مديرًا للتعليم في وزارة المعارف او التربية والتعليم حاليا، أما أخواه فهما المخرجان السينمائيان حسن وفطين عبد الوهاب.

البداية في المسرح المدرسي

خلال دراسته الابتدائية اهتم “سراج” برياضة الملاكمة، وفور دخوله المدرسة الخديوية في المرحلة الثانوية أظهر ميولًا أدبية، وأصدر مع أحد زملائه مجلة “سمير” بتشجيع من ناظر المدرسة، والذي استمر إصدارها أربع سنوات، ثم توقفت مع خروج الناظر على المعاش واستبداله بغيره، فانصرف الجميع للاشتراك في نشاط المسرح المدرسي. ومن هنا نطلقت موهبته التمثيلية على مسرح المدرسة، وأُسندت إليه بطولات مسرحية شاركت المدرسة، وفي كل عام كان يفوز بكأس المنطقة التعليمية، لكن الأب الذي كان محافظا على التقاليد القديمة رفض أن يُكمل الابن مشواره مع الفن، فضربه “علقة ساخنة” أمام أصدقائه عندما ضبطه يُجري بروفات إحدى المسرحيات في صالون البيت، وكان نصيبه الطرد فذهب إلى بيت جده في العباسية، وأقام معه لفترة من حياته.

سراج منير

وفي عام 1918 سافر “سراج” إلى ألمانيا لدراسة الطب، تنفيذًا لرغبة والده، ولقلة المبلغ الذي ترسله له أسرته في ألمانيا، بحث سراج منير عن مصدر آخر يزيد به دخله أثناء الدراسة، عندها تعرف في أحد النوادي على مخرج ألماني سهل له العمل في السينما الألمانية مقابل مرتب ثابت، وبدلاً من العكوف على دراسة الطب، أخذ يطوف استوديوهات برلين عارضًا مواهبه، حتى استطاع أن يظهر في بعض الأفلام الألمانية الصامتة، وهناك تعرف بالمخرج المصري محمد كريم والذي كان يدرس في تلك الفترة في المانيا، تعرف ايضا بالفنان فتوح نشاطي والذي ايضا كان يدرس الفن في المانيا، واشترك معهما في الدراسة والعمل، ومن ثم صرفته السينما عن دراسة الطب فهجرها لدراسة السينما والتمثيل مع بعض الفرق الألمانية.

سراج منير بنات اليوم

وقبل أسابيع من نهاية الحرب العالمية الأولى في 1918، تلقى “سراج” برقية من فرقة مسرحية مصرية تستدعيه للعمل معها، فترك ألمانيا عائدًا إلى وطنه، فعاد ليعمل معها وتتفاجأ أسرته بدراسته للسينما بدلًا من الطب، فأصيب الأب بصدمة عجّلت بوفاته في اليوم التالي لوصوله، لتطرده الأسرة مرة ثانية وتتبرأ منه.

مسيرته الفنية

بعد طرده من منزل أسرته عمل في وظيفة مترجمًا في مصلحة التجارة لمدة 5 سنوات، إلا أن حنينه للتمثيل جعله ينضم لفرقة يوسف وهبي “فرقة رمسيس”، وقد حرص في بداية حياته المسرحية على أن يقوم بأدوار معينة تتميز بالجد والرزانة ويتمسك بأدائها، وذلك حرصاً على مظهره الاجتماعي. إلا أن الفنان زكي طليمات أثناء إعداده لإخراج أوبريت “شهرزاد”، قد رشحه للقيام بدور “مخمخ” الهزلي فثار سراج منير وغضب واتهم زكي طليمات بأنه يريد تحطيم مكانته الفنية، لكن طليمات، الذي كان عنيداً جداً في عمله، أصر على إسناد الدور لسراج منير، والذي بدوره انصاع لذلك، وعرضت المسرحية ونجحت الشخصية وارتفع سراج منير إلى قمة المجد كممثل مسرحي، واكتشف في نفسه موهبة جديدة كممثل كوميدي، كما أسند إليه أيضاً دور البطولة في مسرحية “سلك مقطوع” الهزلية، وذلك بسبب مرض بطلها فؤاد شفيق، فنجح سراج منير نجاحاً ملحوظاً.

ثم للفرقة الحكومية، ليختاره بعد ذلك صديقه القديم محمد كريم لبطولة فيلمه الأول “زينب” الصامت، عام 1930، أمام الفنانة بهيجة حافظ، وكان هذا أول أدواره في السينما، وسرعان ما توالت أعماله المسرحية ومنها: “ابن الشعب، الدفاع، ساعة التنفيذ، سي عمر”، مع نجيب الريحاني الذي رشحه بعد الفيلم ليعمل معه في المسرح ويترك يوسف وهبي، وعندما مات الريحاني استطاع سراج منير أن يسد بعض الفراغ الذي تركه هذا الكوميدي العظيم في فرقته، وأن يسير بهذه الفرقة إلى طريق النجاح بعدما تعرضت لانصراف الناس عنها. ويحكى عنه أنه كان محباً للجميع يمد يد العون والمساعدة لكل من يلجأ إليه طلباً لمعونته، لدرجة إلى أنه في السنوات الأخيرة من حياته أراد أن يجعل من فرقة الريحاني مدرسة تخرج جيلاً جديداً من فناني المسرح الكوميدي، وبالفعل ضم عدداً كبيراً من الشبان وأراد أن يكون صاحب هذه المدرسة، إلا أن غالبية هؤلاء الشبان قد انصرفوا عن الفرقة ولم يبق منهم إلا قلة.

وكان سراج منير كفنان يبذل أقصى جهده لكي يصبح علماً بارزاً من أعلام الفن، فقد كان يشعر في قرارة نفسه بالندم لأنه لم يستكمل دراسته للطب، وعاد من ألمانيا ليجد كل أفراد أسرته قد اعتلوا مناصب بارزة ونالوا شهرة واسعة في الحياة الاجتماعية، ولم يكن الفن في ذلك الوقت من الأعمال التي ترتاح لها الأوساط الاجتماعية التي كان ينتمي إليها سراج منير. لهذا سعى ليكون من المشاهير في دنيا الفن، ليعوض ذلك النقص الذي كان يشعر به في وسطه الاجتماعي.

وقد عرف عن سراج منير ثقافته العالية وإدمانه على القراءة، وكان من أكثر الفنانين إلماماً بقواعد اللغة وأصول النحو والصرف، وكان واحداً من اثنين أو ثلاثة من الممثلين ممن لايخطئون لفظ أدوارهم، خصوصاً في المسرحيات المكتوبة بالعربية الفصحى، وكان الممثلون والممثلات يلجئون إليه لضبط أواخر الكلمات في أدوارهم.

قام سراج منير ببطولة 18 مسرحية حققت له نجاحا كبيرا، أما فيلمه “عنتر ولبلب” عام 1945 فقد حقق له ايضا نجاحًا جماهيريًا كبيرًا عوضه عن شعور النقص بعد استكمال دراسته في مجال الطب، حيث إن شهرته في هذا الفيلم جعلت لشخصيته في الحياة توازنًا اجتماعيًا يتناسب مع وسطه الاجتماعي.

زواجه ووفاته

كونا ثنائيا ناجحا على الساحة الفنية، حتى وقعا في الغرام، ليتزوج الفنان سراج منير من الفنانة ميمي شكيب، بعد قصة حب وعشرة طويلة لم ينهيها سوى الموت. وتزوج سراج، من ميمي شكيب عام 1942، واستمر زواجهما قائما حتى رحيله عام 1957، واعتبر هذا الزواج في وقته أحد أقوى الارتباطات الفنية. وكونا ثنائيا فنيا عشقه الكثيرين، ومن أشهر الأفلام التي جمعت بين الزوجين: “الحل الأخير”، و”بيومي أفندي”، و”نشالة هانم”، و”ابن ذوات”، و”كلمة الحق”.

ميمي شكيب وسراج منير

 بعد وفاة سراج منير، قررت ميمي أن تغادر مسكن الزوجية إلى بيت آخر لا يوجد فيه “شبح” سراج وأيامهما الجميلة، حد وصفها. كما غيّرت قطع الأثاث التي كان يفضلها، حسبما قالت في حوار عنها، نُشر على صفحات مجلة “الكواكب”: “لم أستطع أن أعيش في الشقة التي كنا نعيش فيها معا، لأن كل ما فيها يُذكّرني به، لقد بقيت 40 يومًا مذهولة على أثر الصدمة ولم أكف عن البكاء، ولقد قمت بتغيير قطع كثيرة من الأثاث، وكنت أتذكره كلما أراها وتثير في نفسي الحزن والشجن”.

سراج منير

وفى فترة ما تدهورت أحوال السينما عقب الحرب العالمية الثانية، واقتحم اغنياء الحرب مجال الأنتاج السينمائي وهبطت مواضيع الأفلام كثيرا، قرر “منير” اقتحام مجال الأنتاج السينمائي بقصة وطنية تصور حقبة من تاريخ مصر، وتعالج مواضيع كثيرة كالرشوة والفساد وغيره.. فأنتج فيلم “حكم قراقوش” عام 1953، وكلفه أربعين ألف جنيه فى ذلك الوقت، وكان مبلغًا ضخمًا جدًا، لكن الفيلم فشل ولم تحقق إيراداته أكثر من 10 آلاف جنيه فقط، مما اضطر سراج منير لأن يرهن الفيلا التى بناها لتكون عش الزوجية مع زوجته الفنانة ميمى شكيب، لكنه لم يتحمل صدمة الخسارة فأصيب بالذبحة الصدرية وهو في تمام عافيته، وتوفي في 13 سبتمبر 1957، عن عمر ناهز 53 عامًا.

الأفيش وتاريخ تطور صناعته في السينما المصرية

الأفيش.. كان وما زال العلاقة الأولى بين المشاهد والعمل السينمائي، فمن خلاله يستطيع أن يتعرف إلى جميع أجواء العمل، وأبطاله، ويمكنه أن يستوحي طبيعته، رومانسية، اجتماعية، حركية، شبابية، قديمة، أم حديثة، وغيرها من التفاصيل التي يتفنن مبدعو الأفيشات في تضمينها تصاميمهم للعمل. ولذلك فهو إحدى المقومات الأساسية التي تُحدد نجاح أو فشل أفلام السينما.

كما يمكن من خلال أولويات ظهور النجوم، وأحجامهم على الأفيش، وترتيب أسمائهم أن تتعرف إلى ترتيب البطولة، وأهمية الأدوار، إلى غير ذلك من المعايير التي تتحكم في مسيرة العمل، يلخصها الأفيش في نظرة واحدة.. تعالوا في هذه التدوينة نتعرف إلى هذه الصناعة، وكيف انتقلت من إبداعات الريشة إلى ثورة الجرافيك..

منذ بداية السينما صنعت الأفيشات من الشوارع معرضا تشكيليًا مفتوحًا متجددًا كل فترة سواء عربيًا أم عالميًا، بعد أن تحوَّل إلى سلعة تجارية وظيفتها جذب أكبر عدد من الناس لمشاهدة الفيلم، بشرط أن يجمع هذا المنتج بين التجارة والفن، وظلت أفيشات السينما عبر السنوات بمثابة الكيان المدلل لعشق الناس للفن السابع خاصة سواء كان سينما أم مسرحًا أم تليفزيونًا.

ومع مرور الزمن أصبح الأفيش صناعة مهمة تبحث عن التجديد بتطور صناعة التصوير والألوان وصولاً إلى استخدام تقنيات متنوعة مثل الجرافيك والكمبيوتر، ورغم هذا التطور والسهولة في تنفيذ الأفيش ما زالت أفيشات أفلام الزمن الجميل محتفظة بقيمتها وجمالها، وأصبحت تُعامل مثل اللوحات الفنية النادرة، ويعرض معظمها في معارض للمقتنيات الأثرية مثل أفيشات أفلام أنور وجدي وجورج أبيض وغيرهما.

الريشة والألوان

عبر تطور التاريخ احتل واجهات الأفيشات نجوم بعينهم كانت صورهم وأسماؤهم المكتوبة بشكل منفرد سببًا في جذب الناس، بمعنى أنه يكفي ظهور النجم وحده على الأفيش اسمًا وصورة كي يؤدي غرضه، خاصة في مجال الغناء والكوميديا مثل «عبدالوهاب، فريد الأطرش، عبدالحليم حافظ، أنور وجدي، إسماعيل يس، أمين الهنيدي، وعادل إمام» وغيرهم، ولم تتغير هذه الصورة حتى بداية الثمانينيات.

وكان رسم الأفيش في تلك الفترة يعتمد على الورقة والقلم والريشة والألوان، حيث يقوم الرسام برسم أبطال الفيلم، وكتابة أسمائهم بصورة فنية تختلف باختلاف نوع الفيلم وتوجهه، وتخضع لعدة معايير أخرى، ويتم طبعه سواء بالأبيض والأسود أم الألوان، ولا يكتب لأي أفيش الاستمرار أكثر من أسبوع؛ نظرًا لرداءة خامة الورق وقتها، وتأثرها بالعوامل الجوية سواء حرارة أم برودة أم أمطارًا، والتي كانت تتسبب في تلفها بصفة مستمرة، فيضطر المنتج لتغيير الأفيش، ولصق آخر بصورة دورية خلال فترة عرض الفيلم.

ثورة تكنولوجية

مع التطور الهائل في صناعة الورق والتقدم الرائع في التكنولوجيا، بدأت صناعة الأفيش تتطور وتأخذ شكلاً مختلفًا في الجوهر والمضمون أيضًا بمساعدة الآلات والتكنولوجيا والإضاءة المتميزة، ولعل معظمها قام على أفكار الشباب المتخصصين في هذا المجال.. ويعد محمد مفتاح واحدًا من أقدم من ساهموا في صناعة الأفيشات في مصر، حيث بدأ التصميم في منتصف الأربعينيات، وصمم بواسطة الآلات البدائية والأوراق الضعيفة العديد من الأفيشات لأهم الأفلام في السينما بواسطة الريشة والأحبار، منها أفلام «لحن الوفاء، علي بيك مظهر، الخرساء، وغراميات امرأة» وغيرها.

حيث كان يقوم دائمًا برسم العشاق بطريقة توحي بما يدور في جو الفيلم، إذ يقوم باختيار بعض اللقطات الحسَّاسة من ألبوم صور الفيلم، وقراءة سريعة لما يدور في داخله، وبعدها يقوم بتصميم الأفيش، وتكبيره، واختيار معداته اللازمة. كما يعتبر مرتضى محمد من أقدم الخبرات في هذا المجال أيضا، خاصة أنه عاصر حقبتين مختلفتين تمامًا، أبدع في الأولى بإمكانات ضعيفة، ووصل إلى الاحتراف في المرحلة الثانية مع التقدم العلمي والتكنولوجي، حيث قدَّم خبراته للجيل الحالي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

صانعي الأفيش يتحدثون

وعن رحلته مع عالم الأفيشات، يقول مرتضى: «إن الأفيش الناجح هو اللافت للنظر لدرجة أنه يقنع المشاهد بالتفكير في دخول الفيلم، وإذا لم يصل المشاهد لهذا الانطباع يكون الأفيش فاشلاً، ويرى أن البعض لا يهمه سوى وجه النجم ولا تهمه فكرة الأفيش، كما أن هناك بعض المخرجين يصرون على إظهار فلان وإخفاء آخر، أو إظهار بعض المؤثرات الأخرى مثل المخرج الراحل يوسف شاهين الذي كان يطلب منه أن تكون الفكرة مجنونة، كذلك رأفت الميهي، وروجيه إسكندر، عكس خالد يوسف الذي يعتمد دائمًا على اسمه واسم الفيلم، ويطلب منه أن تكون فكرة الأفيش بسيطة، ويترك له حرية التصميم والتنفيذ».

ويعد مرتضى المنفذ الوحيد لأفيشات أفلام عادل إمام، حيث حصل على جائزة قيمة عندما قام بتصميم أفيشي فيلمي «رسالة إلى الوالي، واللعب مع الكبار».. مشيرًا إلى قيامه بالاستعانة بالصور الفوتوغرافية لبعض النجوم في تصميم الأفيشات مثل أفلام «مذكرات تلميذة، غصن الزيتون، صراع الجبابرة، خلخال حبيبي، يا حبيبي، عودي يا أمي، وعنبر الموت». ويضيف أنه في السنوات الأخيرة تمت الاستفادة من الصور الفوتوغرافية عن طريق «الفوتوشوب»، ولكن لم تُوقَّع مثل الأفيشات القديمة باسم صانعها مثل ملصقات أفلام «عايز حقي، اللي بالى بالك، ميدو مشاكل، زكي شان، وعوكل».

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

أما سارة عبدالمنعم أحد أشهر مصممي الأفيشات، فترى أن أفيشات الأفلام القديمة متشابهة إلى حد ما، وهذا ما يُلاحظ في أفلام إسماعيل ياسين في الجيش، الأسطول، الطيران، البوليس الحربي وغيرها، وأيضًا الأفلام القديمة التي قام ببطولتها الفنان القدير عادل إمام، كما انتقلت ظاهرة الاقتباس من القصص إلى الأفيشات، لكن لم تحدث بالصورة نفسها، بل أدخل المصممون عليها بعض التغيير، كذلك اقتبس عدد منهم أفيشات الأفلام الأجنبية وهذا ما حدث مع فيلم «بئر الحرمان» لكمال الشيخ 1969.

حيث اقتبس الأفيش الخاص بالفيلم الأميركي البريطاني «Far From the Madding Crowd» الذي تم إنتاجه العام 1967، وكل ما فعله المصمم أنه قام بتصوير وجه كبير لسعاد حسني وقد تدلى شعرها بطول الأفيش، وعلى الجانب الأيمن كل من محمود المليجي، نور الشريف، ومريم فخر الدين تعانق ابنها، والأفيش كان عبارة عن صورة طبق الأصل من أفيش الفيلم البريطاني الأميركي، حيث قام المصمم بوضع ملامح وجه سعاد حسني مكان بطلة الفيلم جولي كريستي، ورسوم الأبطال المصريين مكان أبطال الفيلم الأجنبي.

ولم يكن فيلم «بئر الحرمان» الذي تم اقتباس أفيشه فقط – على حد قول المصممة سارة عبدالمنعم – حيث تم اقتباس أفيش فيلم «حواء والقرد» للمخرج نيازي مصطفي من فيلم «مليون سنة قبل الميلاد» الذي تم إنتاجه في أميركا، وظهرت فيه سعاد حسني أيضا مرتدية ملابس امرأة بدائية، وتقف بالطريقة نفسها التي تقف بها بطلة الفيلم الأميركي، وهناك تشابه كبير بين أفيشي فيلمي «أرض الأحلام» لكمال الشيخ، و«الرداء» العام 1953، وهناك تشابه آخر بين أفيش فيلم «نهر الحب» العام 1955، والفيلم الأمريكي «ذهب مع الريح»، و«الهروب» لحسن الصيفي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ولعل أبرز الأفيشات التي لفتت الانتباه أخيرًا أفيش فيلم «أمير الظلام» لرامي إمام العام 2002 المأخوذ من الجزء الثالث من فيلم «الأب الروحي» لفرانسيس فورد، حيث قام النجم الكبير عادل إمام بتهديد المصمم برفع دعوى ضده بعد أن شاهد تعليقات على الإنترنت تؤكد اقتباس الأفيش، في حين أكد المصمم أنه تلاقٍ في الأفكار فقط، ولم يكن يظن أن الأفيش موجود بالفعل.

رقابة اجتماعية

وتذكر سارة أن أفيشات زمان الجريئة خاصة كانت تستوقف الناس قبل أن تستوقف الرقابة، حيث كانوا يقومون بقذفها بالحجارة أو الطين؛ لتغطية أجزاء بعينها من أجساد فنانات برزت على الأفيش، بمعنى أن الرقابة الاجتماعية كانت أكثر تشددًا من رقابة وزارة الثقافة، وظلت هذه الظاهرة فترة طويلة حتى ظهرت ظاهرة جديدة وهى رشق الأفيشات بالطينة، ومن الأفيشات التي تمت تغطيتها كاملة بالطين أفيش فيلم «شهر عسل بدون إزعاج» لأحمد فؤاد العام 1968 بعد أن ظهرت فيه الراحلة ناهد شريف وهى تعري ظهرها، بينما ظهر زوجها حسن يوسف وهو يهم بتقبيلها.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ومن الأفيشات الحديثة التي تعرَّضت للهجوم من الأهالي، وقاموا بتغطيتها بالطين أيضًا أفيش فيلم «النوم في العسل» لشريف عرفة العام 1997، حيث ظهرت فيه دلال عبدالعزيز وعادل إمام وشيرين سيف النصر وقد اختفوا وراء ملاءة طويلة، بينما ظهرت أجزاء من سيقان دلال وشيرين، وقد أثيرت حول هذا الأفيش الكثير من الاعتراضات في فترة تصاعدت فيها حدة العمليات الإرهابية، وقضايا الحسبة ضد الأفيشات ما أجبر السينمائيين على تغيير أفيشاتهم في الفترة الأخيرة.

جميل راتب ورحلته من خشبات الكوميدي فرانسيز لحوارات “سليم البهظ”

بعد رحلة طويلة قضاها متنقلا بين مصر وفرنسا، يسطع نجمه في عالم الفن ويتلألأ على خشبة كلا من مسارح البلدين، رحل عن دنيانا الفنان الكبير جميل راتب، في 19 سبتمبر 2018 عن عمر يناهز الثانية والتسعين عاما بعد ان ترك اعمالا تجعل اسمه بين سجل الخالدين مسطورا.. تعالوا بنا اليوم نتعرف على لمحات من مسيرته الفنية وحياته الشخصية..

في 28 نوفمبر عام 1926 ولد “جميل أبو بكر محمد راتب” وهو اسمه كما أكد مدير اعماله هاني التهامي في فيديو مطول على حسابه على فيسبوك، لأب مصري وأم مصرية صعيدية (وليست فرنسية كما كان يشاع) فهي ترتبط بصلة قرابة بالناشطة المصرية المعروفة في حقوق المرأة هدى شعراوي.. الأب والأم من عائلة ثرية عريقة، وهذا أهل ابنهما جميل للدراسة في المدارس الفرنسية الثقافة ودخول كلية الحقوق الفرنسية لما بلغ من العمر 19 عاما، ثم سافر لباريس لأكمال دراسته هناك وكان معاه منحه لدراسة العلوم السياسية.

في اوائل الأربعينات بدأ عمله بالفن، من خلال فيلم “الفرسان الثلاثة” للمخرج توجو مزراحي انتاج عام 1941 ولكن، كأي ابن ذوات وقتها، رفضت عائلته عمله بالفن وطلبت من توجو مزراحي حذف المشاهد الخاصة به والا ستسبب له مشكلة!.. وطبعا استجاب توجو مزراحي لذلك لأنه كان متخفي من اسرته في بدايه مشواره تحت اسم احمد المشرقي.. ولكن جميل المتألق حصل على جائزة افضل ممثل في المدارس المصرية، ولذلك يؤكد تاريخ السينما على ان بدايته الحقيقية في مصر لا في فرنسا كما كان يشاع..

عندما سافر جميل الى فرنسا لدراسة العلوم السياسية، أبدى اهتمامه بأعمال المسرح الكوميدي الفرنسي، وتعرف بالمخرج والكاتب الفرنسي اندريه جيد، والذي نصحه الى الاتجاه لدراسة المسرح، وهو ما بدأ فيه بالفعل، فغضبت اسرته و انقطعت اموال المنحة التي كانت حوالي 300 جنيه مصري (مبلغ كبير جدا!) فاضطر جميل للعمل في مهن متواضعة “شيال” و”كومبارس” في الأفلام او المسرح ومترجم لبعض العرب المقيمين في باريس ليتمكن من المعيشة والأنفاق على نفسه ودراسته..

عاد الى مصر بداية الخمسينات مع مسرح “الكوميدي الفرنسي” لتقديم بعض العروض في القاهرة، مسرحية “الوريث”، والتي خطف الأنظار بنظراته الحادة وحضوره القوي كما يؤكد تقرير منشور في الصحافة الفرنسية.. بعدها تلقى جميل عرضا بالعمل في فيلم مصري فرنسي مشترك وهو فيلم (انا الشرق) انتاج عام 1956 وبطولة الممثلة الفرنسية كلود جودار مع جورج أبيض، وحسين رياض، وتوفيق الدقن، ثم عاد إلى فرنسا مرة أخرى. بعدها شارك بدور صغير، عام 1962، في الفيلم الأمريكي الشهير “لورانس العرب” مع الفنان عمر الشريف.

ومن جديد، استقر جميل في مصر في منتصف السبعينات، وبدأ الظهور في السينما المصرية منذ ذلك الحين بشكل أكبر. في عام 1975 تم ترشيحه لدور خالد صفوان في فيلم الكرنك والذي اداه بعد ذلك كمال الشناوي، ولكن لغرابة لكنته في ذلك الوقت تم استبعاده.. وكان فيلم «الصعود إلى الهاوية»، الذي قدمه عام 1978، نقطة التحول الرئيسية في مشواره السينمائي، حيث أدى دور «أدمون» ضابط المخابرات الأسرائيلي. وحصل عن دوره في الفيلم على جائزة الدولة التقديرية تسلمها من الرئيس الراحل أنور السادات كأحسن دور ثاني. وكان جميل يساري الميول السياسية، كان عضوا في حزب التجمع المصري، وكان المنتجون يرفضون التعامل معه لذلك السبب، وظل شهور بلا عمل حتى فاز بالجائزة السابقة فانهالت عليه العروض بعد ذلك.

خاض تجربة الإخراج المسرحي في مسرحيات «الأستاذ»، و«زيارة السيدة العجوز» و«شهرزاد». كما رشحه صلاح أبو سيف، عام 1975، في فيلم «الكداب»، ثم أدى نجاحه في الدور إلى تلقيه عدد كبير من العروض التالية، قدم عام 1985 واحدا من أهم أدواره السينمائية، في فيلم «الكيف»، مؤديا دور تاجر المخدرات «سليم البهظ».

في منتصف الثمانينات بدأ مشواره مع الدراما من خلال مسلسل “رحلة المليون” مع محمد صبحي، حيث قدم دور رجل الأعمال لطفي الدمنهوري، ليشارك محمد صبحي بعد ذلك في عديد من الأعمال اهمها عام 1994 سلسلة أجزاء مسلسل «يوميات ونيس»، حيث قدم دور «أبوالفضل جاد الله»، والد «ونيس»، ونجح في دوره نجاحا كبيرا جعله يرتبط بأذهان عدد كبير من الأجيال. وكان من اواخر اعماله مسلسل «شمس» عام 2014 من بطولة ليلى علوي، التي كانت تقول في كل لقاءاتها: «أشارك جميل راتب في بطولة شمس».

وكان جميل يرى أن فاتن حمامة هي «أم كلثوم» التمثيل، وحضر جنازتها رغم مرضه الشديد لحبه الكبير لها. ويرى ايضا ان افضل ممثل في مصر حاليا هو يحيى الفخراني، وأحسن ممثلة هي عبلة كامل. صرح بذلك في اخر حوار له على صفحات جريدة «المصري اليوم»، حيث أبدى جميل راتب رأيه في المخرج الكبير يوسف شاهين، قائلا: «هو نموذج، ونفتخر به مخرجا عالميا مصريا، فاهما للسينما، مخرجا تكنيكيا عظيما جدًا، ولكن تدخله فى سيناريوهات الأعمال التى يخرجها كان سببًا فى ضعفه بالنسبة لى، لأن أفضل أفلامه كانت من تأليف كتاب كبار، وبمجرد أن بدأ مرحلة التعبير بالكتابة ضعف، وبعض أفلامه لم تكن واضحة كفكره، رغم أنها كانت إخراجيًا على أعلى مستوى، ولكنه عانى من نقطة ضعف بعد قراره كتابة أفلامه».

ايضا تحدث راتب في نفس الحوار عن الفنان الراحل أحمد زكي، قائلا: «أحمد زكى ممثل عظيم، وأتذكر أن صلاح جاهين عرض علىّ المشاركة فى فيلم «الكرنك»، ووقعت عقدا بالفعل، والصحافة كتبت ذلك فى حينها، وكذلك عرض على أحمد زكى وقتها المشاركة فى الفيلم، وعندما قرر جاهين استبعادى وأحمد زكى عن الفيلم، لأننا لم نكن أسماء تجارية فى هذا الحين، كان لذلك تأثير كبير على زكى، لدرجة أن البعض أكد أنه فكر فى الانتحار، لكنه بعد ذلك نجح فى اكتساب قاعدة جماهيرية عريضة، وتعرض لظلم شديد وقتها، لكنه ممثل موهوب، وأثبت ذلك فيما بعد خلال مشواره». كما يرى الفنان القدير أن أحمد السقا وكريم عبدالعزيز وخالد النبوى ومنة شلبى ونيللى كريم من أفضل ممثلى الجيل الحالى.. وكان آخر الأفلام المصرية التي شاهدها هي «هروب اضطرارى» لأحمد السقا وأمير كرارة و«الخلية» لأحمد عز، وقال عنها: «هى أفلام مميزة فى صناعتها».

كما يعلن جميل رفضه التام للرقابة، قائلا: «أنا ضد الرقابة فى المطلق، لأن الفن والتعبير يجب أن يتمتع بالحرية، ولكنى أؤيد التصنيف العمرى للأفلام والمسلسلات، لأن بعض الأفلام قد لا تكون رسائلها وأفكارها مناسبة للأطفال فى سن معين، وقد يفهمونها بشكل خطأ، وأطالب بأن يكون الباب مفتوحا أمام كل الأفكار والقضايا، بعيدًا عن التابوهات». وعن الأعمال التي شارك فيها يؤكد انه لم يندم على أي عمل سابق شارك فيه، لكنه يرى أن هناك بعض الأعمال الضعيفة التي اضطر للمشاركة فيها، يقول: «لا يوجد عمل أندم عليه، ولكنى قدمت بعض الأعمال الضعيفة خلال مسيرتى، وقبلت أفلاما فى بعض الأوقات لحاجتى للعمل، وبعد ذلك قدمت أعمالا مهمة، ابتداءً من مشاركتى فى فيلم (الصعود إلى الهاوية) الذى غير نظرة المنتجين والجمهور عن جميل راتب، ومن بعده قدمت أدوارا وشخصيات متنوعة، وكنت أبحث دائما عن الشكل البعيد عن شخصيتى تماماً، وأستمتع بها، وأتذكر مثلا مسلسل (الراية البيضاء) الذى يعتبر من أنجح أعمالى لكن شخصية د. مفيد أبوالغار كانت قريبة منى جدًا، ولم أجد صعوبة فيها».

كذلك يرى أن فيلم «لا عزاء للسيدات» من أهم المحطات في حياته مبررا ذلك بـ «لأننى وقفت فيه أمام فاتن حمامة، ومن إخراج بركات، دورى فيه ليس من أهم الأدوار التى جسدتها، أهمية الفيلم تأتى من فرصة وقوفى أمام السيدة فاتن حمامة». ومن أحب الأدوار إليه «البداية» و«الصعود إلى الهاوية» والفيلم التونسى «شيش خان» وفيلم «الكيف» الذي يقول عنه: «لم أفهم سبب نجاحى فى هذا الدور، وحينما عرضوا على الشخصية ترددت، لأننى لم أتفهم كثيرا من ألفاظ الفيلم».

وعن الأدوار التي كان يتمنى تجسيدها، يقول انه كان يتمنى تجسيد شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، «لكن هذا الدور لا يناسبنى، ولم أكن مقنعًا فى تجسيده»، على حد قوله.

ويوجه في نهاية حياته رسالة إلى الممثلين يقول فيها: «أقول لهم إن الثقافة مهمة للفنان، ويجب أن تهتموا بها، سواء فى إطار عام أو فيما يتعلق بالسينما، وبصراحة معظم فنانى الجيل ينعمون بالثقافة، لأن أفلامهم لها مضمون اجتماعى وإنسانى وأحيانًا سياسى، وبالتأكيد السينما وسيلة يتعرف من خلالها الجمهور على الحالة الثقافية فى بلاده، وبالتالى يجب أن يكون صناعها على قدر من الاطلاع والمعرفة».

والى عموم المصريين يقول: «كل مواطن يجب أن يكون على قدر المسؤولية من أجل مستقبل أفضل لمصر، ومحاربة التطرف والإرهاب».

وعن حياته الشخصيه، تزوج راتب من فتاة فرنسية كانت تعمل بالتمثيل، واعتزلته بعد ذلك، وتفرغت للعمل كمديرة إنتاج، ثم منتجة منفذة، ثم مديرة مسرح «الشانزليزيه»، وهو يزورها بين كل حين وآخر، ولا توجد معلومة موثقة حول انفصالهما. ولكن المؤكد انه لم ينجب وليس له اي ابناء..

جميل راتب تدهورت حالته الصحية بشكل كبير في الفترة الأخيرة، وأصبح غير قادر على المشي بعد معاناته من مشاكل صحية بسبب آلام مبرحة في فقرات الظهر، وهشاشة بالعظام. وقد رفض الاستجابة لتعليمات الأطباء بإجراء جراحة عاجلة بالعمود الفقري، لكنه وافق بعد إلحاح على اتباع العلاج الطبيعي. في الأيام الأخيرة من حياته كشف هانى التهامى، مدير أعمال الفنان جميل راتب، آخر تطورات الحالة الصحية للفنان، قائلا: إن الأمور مستقرة ولكن لابد أن يظل فى المستشفى لرعايته نظرًا لكبر سنه، وأوضح خلال بعض القنوات الفضائية وعبر صفحته الشخصية على فيسبوك، أن الفنان جميل راتب فقد صوته، وأن الأطباء ليس فى يدهم أي شىء لفعله بسبب كبر عمره. الى ان رحل عن دنيانا في صباح يوم الأربعاء الموافق 19 سبتمبر 2018 عن عمر يناهز 92 عاما.