تترات الأفلام

تترات الأفلام.. فيلم قصير قبل فيلم طويل

قراءة سريعة في مقالة للمخرجة الرائعة هالة القوصي، مخرجة فيلم (زهرة الصبار) انتاج عام 2017، لموضوع هام جدا ألا وهو تترات الأفلام وما تحمله من رسالة، فبعضها اكبر من مجرد اسماء تنشر قبل بدء عرض الفيلم ولكنها في الحقيقة فيلم قصير يحمل رسالة للمشاهد ليجذبه لمشاهدة الفيلم الأصلي.. المقال يعرض رأي المخرجة وتأريخها الجميل لموضوع نادرا ماتجد من يتحدث عنه..

المخرجة هالة القوصي

وجدتني مؤخرا أشاهد الكثير من الأفلام المصرية. اهتمامي مهني بالدرجة الأولى. أعود به نقصا ما فأنا لم أشاهد الكثير من الأفلام وأنا صغيرة فقد كانت ساعات مشاهدة التليفزيون مقننة. فمعظم الأفلام التي أشاهدها الآن أشاهدها بعين غير متأثرة بذكريات الطفولة. أشاهدها بعين مهنية ناقدة. ألتفت لأشياء لا يتوقف عندها المتفرج العادي. أشاهد الأفلام في مجموعات منظمة كمحاولة لتقييم ما أراه: أفلام من حقبة معينة، أفلام لمخرج واحد، لكاتب سيناريو واحد، لمصور واحد، أفلام تتعامل مع نفس الموضوع إلخ…

وأطالع مقدمات الأفلام (التترات) بشغف مهني. من مسئول عن ماذا؟ وبحكم انتباهي للتترات انتبهت للتترات في حد ذاتها وليس فقط لمحتواها، وقررت أن أبحث عن صانعيها. من هؤلاء؟ ماهي خلفياتهم؟ ما هو تاريخهم المهني؟ ولماذا لا نعرف عنهم الكثير؟ بحث بسيط على الإنترنت وموقع السينما أدركت منه أن المعلومات المتوفرة عنهم قليلة للغاية، وغير دقيقة. لا يليق ما هو متداول عنهم مع حجم إسهاماتهم في مجال صناعة الفيلم. فقررت أن أبحث بشكل منظم وأعرض مقدمة متواضعة عن فن صناعة التترات في مصر لعل هذه المحاولة تكون بداية اهتمام جدي بهؤلاء الفنانين.

البدايات: الصانع مجهول

في أوائل أيام السينما المصرية لا يظهر اسم المسؤول عن تصميم المقدمة ضمن قائمة العاملين في الفيلم. والأرجح أنها كانت مسؤولية مشتركة ونتاجا للتعاون بين المخرج والمونتير والخطاط. ومن أبرز الأمثلة في تلك الفترة، مقدمة فيلم “ليلى” (1927) والتي تظهر فيها بوضوح اختيارات فنية تُبرز المقدمة أكثر من مجرد تعريف بأسماء صناع الفيلم، بل كجزء من العمل ككل: إطار مرآة من الخشب المشغول المذهب من طراز الروكوكو تتوالى عليه الأسماء بداية من الشركة المنتجة (شركة الأفلام المصرية) وحتى المخرج (توجو مزراحي)، بخط يحاكي في رقته وثناياه الإطار الخشبي. يمتزج آخر المقدمة بأول لقطة في الفيلم(dissolve)  لقطة مقربة ليد تحمل بطاقة دعوة. حامل البطاقة يرتدي قفطانا مشغولا (شبيه بالتفافات الخط المستخدم في المقدمة) في مشهد داخلي لمنزل فخم، ديكوراته توحي بأن المرآة في المقدمة على أحد جدرانه.

تشترك مقدمات تلك الفترة المبكرة في بضع الخصائص منها ظهور أسماء الممثلين مصحوبة بالأدوار التي يلعبونها في الفيلم، محاكية برامج المسارح. حتى أن مقدمة فيلم “الوردة البيضاء” (1932) تستعرض صورا فوتوغرافية للممثلين على خلفيات بموتيفات آرت ديكو ونجوم، كما تظهر الأسماء باللغتين، العربية والفرنسية.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

مقدمة فيلم “وداد”

وفي فيلم “وداد” (1935) تتقدم اللغة الفرنسية على اللغة العربية (مقدمة كاملة بالفرنسية تتبعها المقدمة العربية) ربما لأن “وداد” كان أول فيلم مصري يعرض في الخارج. وتظهر بوادر تحريك بدائي لشعار شركة الانتاج: تتحرك أشعة ضوء حول تمثالي ممنون، شعار شركة مصر للتمثيل والسينما. على مستوى الخطوط، تستخدم أنوع حرف- فونتات الآرت ديكو المميزة لتلك الفترة في الكتابات الفرنسية بينما تظهر الخطوط العربية مبتكرة ومنمقة ورشيقة، وتستخدم الظلال لتحديدها على الخلفية. في فيلم العزيمة، ١٩٣٩ مثلا الكتابات ثلاثية الأبعاد (ربما منحوتة من الخشب) ترمي ظلالا واضحة على الخلفية. وتظهر أيضا بعض الزخارف البسيطة كالنجوم وأشكال أوراق اللعب (الكوتشينة) في فيلم “سي عمر” (1941).

مقدمة فيم سي عمر - نيازي مصطفى

وظهر تنويعات مبتكرة وبسيطة على شكل التأطير الذي استخدم في فيلم “ليلى”. فمثلا في فيلم “المصري أفندي” (1949) تتوالى الأسماء داخل كادر ثابت لسبحة تتحرك عليها ظلال تمحو اسما فيظهر الاسم الذي يليه. وفي فيلم “بلبل أفندي” (1948) تظهر الأسماء بالتوالي علي كروت مزدانة بالزهور. يتحرك الكارت عكس عقارب الساعة حتى يظهر من تحته كارت آخر وهكذا حتى نهاية المقدمة. وربما تكون أكثر المقدمات ابتكارا في تلك الفترة مقدمة فيلم “سفير جهنم” (1945). يستهل الفيلم بمشهد قصير بين أم وابنتها. تسأل البنت أمها عن الكتاب بين يديها فتجيبها الأم: دي رواية سفير جهنم ليوسف وهبي. تقترب الكاميرا فيمتلئ الكادر بيد الأم التي تقلب صفحات الكتاب وعليها أسماء صناع الفيلم.

لا يظهر اسم الخطاط إلا في مقدمات قليلة من تلك الفترة المبكرة في تاريخ السينما فمثلا في فيلم “العريس الخامس” (1942) يذيل الخطاط عنوان الفيلم بإمضائه.

مرحلة الخطاط

تبرز في فترة الخمسينات أسماء الخطاطين كإمضاء يذيل به الخطاط كتاباته إما على أول عنوان أو آخر عنوان في المقدمة. ومن أبرز الخطاطين في تلك الفترة: النخيلي والخضري وألبير. وتظهر ابتكارات خطية ولمسات متميزة للخطاط فمثلا في فيلم “ليلة الدخلة” (1950) (إمضاء النخيلي)، عنوان الفيلم مجسم تعلوه شموع مضيئة. ويشيع استخدام الموتيفات الزخرفية كالنجوم والنوتات الموسيقية والقلوب كما يستخدم أكثر من خط في مقدمة واحدة.

وتتطور تقنيات تحريك شعارات شركات الإنتاج كما ينتشر استخدام رسومات كاريكاتورية بسيطة مستلهمة من مضمون الفيلم وبعض “الكولاج” وخدع الظلال وإن كان يبقى غير واضحٍ من المسئول عنها فلا يظهر إلا إمضاء الخطاط كما في أفلام: “حماتي قنبلة ذرية” (1951) (إمضاء الخضري) و”إسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة” (1945) (إمضاء الخضري) و”لوكاندة المفآجأت” (1959) (إمضاء ألبير) و”اسماعيل ياسين في السجن” (1960) (الإمضاء غير واضح) و”حلاق السيدات” (1960) (الإمضاء غير واضح).

العصر الذهبي

تشهد الفترة من منتصف الستينيات حتى بداية السبعينات تطورا ملحوظا في شكل المقدمات والتقنيات المستخدمة فيها. نحن هنا في أحيانٍ كثيرة بصدد مقدمات كاملة متكاملة تتعدى وظيفة تقديم الفيلم إلى ما هو أكثر من ذلك. المقدمة عبارة عن فيلم متحرك قصير ومبتكر، يغلب عليه روح الدعابة الخفيفة ويمزج تقنيا بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي وتقنيةstop animation والكولاج. ومعظم هذه المقدمات (وليس كلها) لأفلام ذات طابع كوميدي. المقدمة تهيئ المتفرج للانفصال عن الواقع والانغماس في عالم الفيلم المرح الخفيف. ويبدأ أول ظهور لاسم صانع المقدمة ضمن أسماء صناع الفيلم.

ستوديو مهيب

أول أسماء صانعي المقدمات التي برزت في تلك الفترة هو اسم مهيب أو ستوديو مهيب. تخرج علي مهيب (١٩٣٥-٢٠١٠) من كلية الفنون الجميلة عام ١٩٥٥. وفيما بين عامي ١٩٥٨ و١٩٥٩ قام بالتعاون مع أخيه حسام مهيب (١٩٣٠-١٩٩٦) بتجارب فيلمية بالرسوم المتحركة واختيرا في عام ١٩٦١ ليرأسا قسم الرسوم المتحركة في التليفزيون المصري.

ومن أهم المقدمات التي أنتجها ستوديو مهيب: “الثلاثة يحبونها” (1965)، “تفاحة آدم” (1966)، “السمان والخريف” (1967)، “المخربون” (1967)، “الناس اللي جوه” (1969)، “كيف تتخلص من زوجتك” (1969)، و”أخطر رجل في العالم” (1973).

وقد ظهر في انتاج ستوديو مهيب قدر كبير من التنوع في الشكل لخدمة موضوع الفيلم. فمثلا في فيلم “الثلاثة يحبونها”، استخدمت في المقدمة تقنيات تحريك بسيطة: خطوط ودوائر ومثلثات بيضاء على خلفية سوداء، تظهر وتتحرك وتختفي وتندمج مع الخطوط المكتوبة. وفي فيلم “السمان والخريف” ينتقل مهيب بين الصورة والنيجاتيف للتعبير عن الازدواجية في شخصية ريري (نادية لطفي) وتتكاثر صور محمود مرسي وتتحرك في اتجاهات مختلفة، مغرقة في الظلال ثم تندمج في صورة واحدة. وينقسم الكادر طوليا بين البطلين، يلتقيان عبر الحاجز ويتباعدان. المقدمة ترسم ببراعة صورة نفسية للعلاقة بين شخصيتي الفيلم الرئيسيتين. أما في فيلم “أخطر رجل في العالم” فنحن بصدد فيلم رسوم متحركة قصير ومرح. تتحرك يد حاملة مسدس في أنحاء الكادر وتنطلق الأسماء كطلقات الرصاص.

وقد تتلمذ على يد الأخوين مهيب الكثير من الأسماء التي لمعت بعد ذلك في مجال الرسوم المتحركة ومقدمات الأفلام ومنها على سبيل الذكر وليس الحصر محمد حسيب الذي عمل وحده وبالتعاون مع زوجته نوال السيد تحت اسم نوال وحسيب، ورضا جبران ونصحي إسكندر.

دلاور

برز اسم دلاور في نهاية الستينات ومطلع السبعينات وكان غزير الإنتاج. عمل دلاور منفردا وبالتعاون مع آخرين. تحت اسم دلاور أنتج عدة مقدمات أبرزها مقدمة فيلم “ثلاث نساء” ١٩٦٨، خياط السيدات ١٩٦٩، أكاذيب حواء، ١٩٦٩، الحب سنة ٧٠، ١٩٦٩، أشياء لا تشترى، ١٩٧٠، الظريف والشهم والطماع، ١٩٧١. وتحت اسم دلاور حسني أنتج مقدمة فيلم أرض النفاق، ١٩٦٨، فتاة الاستعراض ١٩٦٩ وبالتعاون مع زكريا عجلان أنتج فيلم شنطة حمزة ١٩٦٧ ومطاردة غرامية ١٩٦٨ وبالتعاون مع إبراهيم سيد أحمد أنتج مقدمة فيلم عائلات محترمة ١٩٦٩ وبالتعاون مع سمير أنيس أنتج مقدمة فيلم رضا بوند، ١٩٧٠ومن خلال قسم الرسوم المتحركة لستوديو مصر، أنتج مقدمة فيلم لصوص لكن ظرفاء، ١٩٦٨. تتميز مقدمات دلاور على مستوى الشكل بأسلوب متميز أنيق يمزج مزيجا متناغم الإيقاع بين الصور الفوتوغرافية والرسوم المتحركة والحروف المتحركة.  وليس من الصعب بعد مشاهدة بعض من مقدماته التعرف على أسلوبه في مقدمات أخرى.

ويظهر أسلوب دلاور بوضوح في مقدمة فيلم “لصوص لكن ظرفاء”. على رسم لبناية من عدة طوابق، تتبع الكاميرا لصا يتسلق مواسير المياه وتنفتح الشبابيك في الطوابق المختلفة ويظهر من خلالها صور الممثلين ومشاهد من الفيلم وأسماء العاملين فيه. في النهاية يسقط اللص علي الأرض ويتحول إلى آخر اسم: اسم المخرج.

وأجمل مقدمات دلاور حسني في رأيي هي مقدمة فيلم “أرض النفاق” التي يوظف فيها حسني الكلمة المكتوبة بشكل مبتكر وبارع ومتماشي مع موضوع الفيلم. تأتي أسماء صناع الفيلم متأخرة نسبيا (بعد عشر دقائق من بداية الفيلم) بشكل طبيعي مدموج في ثنايا القصة. البطل يدخل بيتا أبيضا مهجورا ويبدو وكأنه في معمل عالم كيميائي. يتجول في أنحاء المكان وتخرج الأسماء تتبع حركته من أدراج المعمل وأنابيب الاختبار الزجاجية. يرسم دلاور حسني فؤاد المهندس صغيرا ويخرج المهندس من الأدراج المختلفة ويكتب الأسماء ويمحوها. وعلى الرغم من غزارة إنتاجه وتميز أسلوبه إلا أنه ليست هناك معلومات متوفرة عن سيرة دلاور حسني الذاتية.

الشُحري

أهم أفلام سيد الشحري والذي كان أحيانا يعمل تحت اسم الشحري أو اسم سيد الشحري: كيف تسرق مليونير، ١٩٦٨، الست الناظرة، ١٩٦٨، ابن الحتة، ١٩٦٨، مراتي مجنونة مجنونة مجنونة، ١٩٦٨، نشال رغم أنفه ١٩٦٩، الأضواء، ١٩٧٠، فرقة المرح ١٩٧٠، في الصيف لازم نحب، ١٩٧٤

ربما مقدمات الشحري هي أبسط المقدمات على مستوى الشكل بين معاصريه وأكثرها تقليدية. وهي في معظمها تعتمد كلية على الكلمة المكتوبة وتحريكها وربما لهذا السبب كان الشحري يكتفي بامضائه على أول عناوين الفيلم ولا يظهر اسمه منفردا لاحقا كمصمم للمقدمة. في فيلم “الست الناظرة” يستلهم الشحري من لقطة البداية التي يظهر فيها ميدان منير في ظلام الليل كدائرة مجردة من الأضواء على خلفية سوداء ويحرك الأسماء في شكل دائري متقاطع مع الدائرة في الصورة.

حسيب ونوال

محمد حسيب ونوال محمد زوجان عملا معا كثنائي في مجال تصميم المقدمات كما عملا منفردين كلٍ تحت اسمه الخاص. تتلمذ محمد حسيب علي يد الأخوين مهيب. وهذا كل المتوفر عنه من معلومات. أما نوال فقد تخرجت من كلية التربية الفنية عام ١٩٦١ ثم من كلية الفنون الجميلة عام ١٩٦٤ والتحقت بقسم الرسوم المتحركة في ستوديو مصر. في عام ١٩٦٥ تزوجت من محمد حسيب وعملا معا كثنائي ومنفردين.

من أبرز المقدمات التي أنتجاها سويا: القضية ٦٨، ١٩٦٨، أصعب جواز، ١٩٧٠، الاختيار ١٩٧٠، غروب وشروق ١٩٧٠، ابنتي العزيزة ١٩٧١، السلم الخلفي ١٩٧٣، الزواج السعيد، ١٩٧٤ وغابة من السيقان ١٩٧٤. أما محمد حسيب فقد أنتج مقدمات منفردا تحت اسم حسيب ومن أهمها: الحفيد، ١٩٧٤ وفيفا زلاطا، ١٩٧٦.

أما نوال محمد فقد عملت منفردة تحت اسم نوال وكان لها شكلها الخاص الذي تميزت به وخصوصا بعد شيوع الأفلام الملونة. من أهم مقدمات أفلام نوال الأبيض وأسود مقدمة فيلم العيب، ١٩٦٧ استخدمت فيها بحنكة متمرسة أكثر من تقنية: تقسيم الكادر طوليا وعرضيا بين صور ثابتة وصور متحركة، ورسوم متحركة بالأبيض والأسود (سيلويت لأجساد متكررة ترقص بخفة عبر الكادر) وأوراق اللعب (كوتشينة) كأطر لصور الممثلين تتحرك بتقنيةstop motion.  المقدمة بها كثير من الحيوية والإحساس بالخفة اللاهية المتناسبة مع موضوع الفيلم. ومن مقدمات نوال بالألوان: “الكيف” ١٩٨٦، “صراع الأحفاد”، ١٩٨٩ و”سواق الهانم” ١٩٩٤.

استمرت نوال في العمل حتى اعتزلت عام ٢٠٠٣ بعد حصولها على جائزة عن مقدمة فيلم “فيلم ثقافي”. في المقدمات بالألوان التي أنتجتها نوال منفردة أو بالتعاون مع حسيب وربما أبرزها مقدمة فيلم “الاختيار”١٩٧٠ يظهر تأثرهما الواضح بالحركات الفنية التشكيلية المتزامنة كالبوب أرت والتعبيرية التجريدية. في مقدمة “الاختيار” ألوان مشبعة تتساقط على سطح الفيلم في زخات وفيرة أشبه بحركات الفنان الأمريكي جاكسون بولوك وتظهر صورة البطل عزت العلايلي ديو تون (بلونين أسود وأصفر، أسود وبنفسجي، أسود وأزرق)، صورة ونيجاتيف، بشكل يشبه مجموعة لوحات المشاهير وكولاج أندي ورهول. كادرات المقدمة أقرب ما تكون لتتابع من اللوحات الفنية، داخل سياق الفيلم (فأحد الأبطال رسام) كما أنها على شكلها المجرد تنجح في رسم حالة نفسية متخبطة شبيهة بحالة البطل. وفي مقدمة فيلم غابة من السيقان، تظهر موتيفات مرسومة شبيهة بموتيفات كولاجات الفنان الفرنسي هنري ماتيس.

عبد العليم زكي وفريدة خميس

تخرج عبد العليم زكي في كلية الفنون الجميلة قسم ديكور والتحق بمعهد السينما قسم إخراج ثم حصل على ديبلومة في الرسوم المتحركة ثم نال شهادة الدكتوراه عام ١٩٨٦ عن رسالة بعنوان فلسفة فن الرسوم المتحركة ويقوم حاليا بالتدريس في معهد السينما. عمل عبد العليم زكي منفردا لكنه عمل بشكل أوسع مع زوجته فريدة خميس وأنتجا مقدمات عديدة أبرزها: “الزوجة الثانية”، ١٩٦٧، “شاطيء المرح”، ١٩٦٧، “عالم مضحك جدا” ١٩٦٨، “شهر عسل بدون إزعاج” ١٩٦٨، “حلوة وشقية” ١٩٦٨، “صباح الخير يا زوجتي العزيزة” ١٩٦٩. وفي تقديري أن مقدمة فيلم “الزوجة الثانية” أهم أعمالهما بتمثيلها الحساس للريف المصري ومزجها بين الصورة السينمائية والكاريكاتير والصورة المتحركة والكلمة المكتوبة.

ما بعد العصر الذهبي

تبعت فترة الازدهار والتجريب فترة من الثبات من منتصف السبعينات إلى الثمانينات لم تلمع فيها ربما غير مقدمات نوال. ومن الأسماء الأخرى الجديرة بالذكر في تلك الفترة: رضا جبران ونصحي إسكندر وأنتجا معا مقدمة أول أفلام محمد خان “ضربة شمس” (1978). وتعاون رضا منفردا مع محمد خان فأنتج له مقدمة فيلم “الثأر” (1980) و”موعد على العشاء” (1981).  وفي لقاء مع الدكتور عبد العليم زكي أرجع التراجع في انتاج الرسوم المتحركة لمقدمات الأفلام والإعلانات بتقليص الميزانيات والمدد المتاحة للإنتاج.

المقال الأصلي للمخرجة هالة القوصي في موقع عين على السينما (بتصرف بسيط)

مسرحيات الريحاني “معينا” لا ينضب.. تنهل منه السينما المصرية

بعد أن احترف التمثيل بالمسرح بفترة غير طويلة، قدم نجيب الريحاني شخصية “كشكش بيه” القروي الساذج، العمدة الأتي من الريف، يرتدي جبه وعمة وقفطان، لا تفارق الأبتسامة وجهه، تمتلئ جيوبه بالمال بعد أن باع محصول ارضه، يبحث عن المتع والملذات في ملاهي القاهرة. فتحيط به الفتيات ويقع فريسة للانتهازيين الذين يأخذون ماله ويتركونه مفلسا لا يملك ثمن تذكرة العودة!.. وتنتهي الرواية بأن يعزم الا يعود للموبقات مرة اخرى، ولكنه يعود في مغامرة جديدة، يقدمها الريحاني في مسرحية جديدة. نجحت الشخصية وحقق منها الريحاني مجدا كبيراً في مجال المسرح، لدرجة أنه ظل حبيسا لأدوار ومغامرات “كشكش بيه” لفترة طويلة، امتدت لقرابة عشرين عاماً حتى أواسط الثلاثينات!.. كلما اراد ان يخرج منها ويقدم شخصية أو رواية جديدة يقابله الجمهور بالعودة الى “كشكش بيه”!.. فيعود صاغرا مرة اخرى الى مغامرة جديدة..

ويروي الريحاني في مذكراته أنه حين سافر الى بلاد الشام مطلع العشرينات، اراد تقديم شخصية كشكش بيه على مسارح بيروت ودمشق وحلب، ولكنه فوجئ بعدد من “الكشاكش التقليد” (على حد قوله) يقدمها كثير من فناني سوريا ولبنان على مسارح بيروت ودمشق وحلب وحمص.. الخ، أشهرهم أمين عطا الله وغيره، يقدمون شخصيات تحمل نفس الأسم ولكن يرتدون ملابس شامية، ويتحدثون باللهجة الشامية وتدور الأحداث في أجواء بيروتية أو دمشقية.. الخ!.. فلم يقبل الجمهور على الشخصية التي يقدمها الريحاني، بل واتهموه بأنه يقلد أمين عطا الله!.. وهذا وإن دل على شيء فيدل على مدى النجاح الذي حققته الشخصية داخل وخارج مصر.

أفلام قدمها الريحاني

في مطلع الثلاثينات، اتجه الريحاني الى السينما، والتي اثبتت نجاح مع محمد عبد الوهاب ويوسف بك وهبي وفاطمة رشدي وعزيزة أمير وغيرهم، وأستغلالا لنجاح مسرحيات “كشكش بيه”، قدم الشخصية ذاتها في عدد من الافلام لم يكتب لها النجاح لضعف مستواها، ولعدم استطاعة الريحاني في هذا الوقت التفرقة بين الأداء على المسرح وأمام الجمهور، يرتجل أغلب المشهد إذا وجد استجابة من الجمهور أو يقطعه وينتقل للمشهد التالي اذا وجد عدم التفاته من الحاضرين، والأداء أمام الكاميرا طبقا لمشاهد مكتوبة لا يسمح بالإرتجال، ولا يوجد جمهور يستشف منه روح وحرارة الأداء..! وهذا الفشل دفع الريحاني الى التركيز في المسرح وعدم العودة للسينما مرة اخرى!.. ولكن في عام 1936 كان الفنان احمد سالم رئيسا لستوديو مصر، وكان طموحا يرغب في استغلال نجاح الريحاني في السينما ويتابع فشله في عدد من الأفلام، طلب مقابلة الريحاني وأقنعه بالعودة للسينما وعرفه بالمخرج الشاب نيازي مصطفى، وبين له الفروق بين المسرح والسينما. اقتنع الريحاني وقدم لهم نص لمسرحية سبق وقدمها على المسرح في نفس العام بعنوان (قسمتى)، فصاغها نيازي مصطفى في صورة سيناريو بعنوان (سلامة في خير) وراجع حوارها بديع خيري، وترك الريحاني المخرج يصور المشاهد بأسلوبه وعلى طريقته، وانصاع لكافة تعليماته دون اعتراض فخرج الفيلم بشكل احترافي غير الأفلام التي كانت قبله!.. اشاد النقاد بهذا الفيلم، نظرا لمهارة اقتباس القصة للشاشة، وارتفاع مستوى الأخراج وايضا اجادة الممثلين لدورهم بشكل كبير، بما فيهم الريحاني طبعا والذي اظهر تفوق أداؤه الكوميدي الواقعي، فتمسك الريحاني بنيازي مصطفى وقدم معه بعد ذلك عديد من الأفلام.

في السنة التالية 1940 قدم الريحاني على المسرح رواية بعنوان “لو كنت حليوة” المقتبسه عن المسرحية الفرنسية Bichon ثم قدمها في السينما عام 1947 مع المخرج ولي الدين سامح بعنوان “ابو حلموس”. تعرض فيها لمشكلة الفساد المنتشر في عديد من المؤسسات والهيئات في مصر وحتى في دوائر الأملاك الخاصة. ويشاركه البطولة لعباس فارس وحسن فايق وماري منيب وزوزو شكيب.

بعد الريحاني

وبعد وفاة الريحاني، حمل عدد من الفنانين على عاتقهم استمرار عمل فرقة الريحاني والمحافظة على عقدها الا ينفرط!.. أما في مجال السينما، كما قدم كلا من اسماعيل ياسين وسراج منير وحسن فايق وفريد شوقي عدد من مسرحيات الريحاني القديمة في صورة افلام سينمائية مقتبسه عن النص الذي كتبه بديع خيري والريحاني ولكن بمعالجة تتفق وروح العصر.. مثلا:

– قدم اسماعيل ياسين عام 1953 فيلم (الدنيا لما تضحك) عن مسرحية بذات الأسم، سبق وان قدمها الريحاني للمسرح عام 1934 بالاشتراك مع استفان روستي وشكري سرحان ونجاح سلام، اخراج محمد عبد الجواد.

– قدم سراج منير في نفس العام فيلم بعنوان (حكم قراقوش) عن مسرحية بذات الأسم للريحاني، سبق وقدمها للمسرح عام 1936.. الفيلم بطولة زكي رستم ونور الهدى وسراج منير وميمي شكيب، ومن اخراج فطين عبد الوهاب. أنتج الفيلم الفنان سراج منير وكان سخيا كلفه فوق 40 الف جنيه، في حين لم تبلغ ايراداته 10 الاف جنيه مما اثر على موقفه المالي وأصابه باكتئاب حاد..

– في عام 1954 قدم الفنان حسن فايق فيلم (حسن ومرقص وكوهين) عن مسرحية للريحاني بنفس الأسم، قدمها لأول مرة على المسرح عام 1943 القصة تعتبر أصليه من تأليف الريحاني وبديع خيري، وليست مقتبسه عن أي نصوص اجنبيه، لاقت على المسرح نجاح كبير برغم بعض المشاكل مع الجهات الدينية بسبب احداثها، الا ان الريحاني استطاع التغلب عليها وخروجها للنور، القصة تحكي عن ثلاثة شركاء من الديان الثلاثة في مخزن للأدوية، يقومون بعملية نصب يقع ضحيتها عامل بسيط. الأخراج لفؤاد الجزايرلي والبطولة تقاسمها حسن فايق وعبد الفتاح القصري واستفان روستي ومحمد كمال المصري ونجوى سالم..

– في عام 1965 قدم الفنان فريد شوقي فيلم (المدير الفني) وهي ذات القصة التي سبق وقدمها الريحاني بعنوان (الجنية المصري) عام 1931 مقتبسه عن مسرحية توباز للكاتب الفرنسي مارسيل بانيول واللي بتحكي عن تأثير المال على الفرد والجماعات، حيث تفسد الضمائر وتذهب الأخلاق وتنتهك المبادئ. شن الريحاني بها هجوما على مظاهر الفساد في المجتمع الحديث، الا ان المسرحية لم يكتب لها النجاح وقتها لخلوها من الأستعراض وكوميديا الفارس التي كانت منتشرة بين الجمهور في ذلك الوقت، ولكن حينما اعيد تقديمها في الستينات في اكثر من صورة لاقت نجاحا كبيرا لأرتفاع الوعي الفني بين الجمهور أنذاك.. الفيلم بطولة فريد شوقي وحسن فايق وعبد المنعم ابراهيم وليلى طاهر وشريفة ماهر والأخراج لفطين عبد الوهاب.

– في العام التالي 1966، قدم الفنان فريد شوقي ايضا فيلم (30 يوم في السجن) عن مسرحية للريحاني قدمها بذات الأسم عام 1940، النص مقتبس عن المسرحية الفرنسية (عشرون يوما في الظل)، والتي تحكي عن احد الأعيان الذي يقع في ورطه تؤدي الى الحكم عليه بالسجن، فيتفق مع احد البسطاء ان يقضى العقوبة بدلا منه!.. تختلف المعالجة السينمائية بعض الشيء عن القصة الأصلية، ولكن في المجمل، تحتوي على نفس الشخصيات والروح التي قدمها الريحاني وبديع خيري. البطولة لمديحة كامل وابو بكر عزت ونوال ابو الفتوح وحسن حامد وثلاثي اضواء المسرح، والأخراج لفطين عبد الوهاب.

– وفي مطلع السبعينات، قدم الفنان فريد شوقي روايتين للسينما مقتبسين من رواية (الدلوعة) والتي قدمها الريحاني للمسرح عام 1938.. الفيلمان هما (دلع البنات) للمخرج حسن الصيفي، مع نيلي ومحمود المليجي ويوسف بك وهبي عام 1969 و(ابو ربيع) للمخرج نادر جلال، مع نجلاء فتحي وصلاح منصور. قدم فريد شوقي في كل منهما معالجة سينمائية مختلفة تحمل روح القصة القديمة، مع احتفاظة بتقديم شخصية الريحاني ولكن باسماء مختلفة عن الشخصيه القديمة.

اعمال مسرحية

وفي مجال المسرح، قدم عادل خيري عدد من مسرحيات الريحاني بنصوصها القديمة وشخصياتها الكلاسيكية. ما فعله خيري حافظ على تلك المسرحيات من الأندثار، ومنحها ميزة التسجيل بالتليفزيون المصري مما يتيح عرضها لأجيال وأجيال. قدم عادل خيري مسرحيات مثل (الا خمسة) 1963، (لو كنت حليوة) 1962، (الشايب لما يتدلع) 1962، (خليني اتبحبح يوم) 1961، (كان غيرك أشطر) 1961، (استنى بختك) 1961، (حسن ومرقص وكوهين) 1960، (ياما كان في نفسي) 1960.. قدم خيري شخصيات الريحاني القديمة بالاشتراك مع فرقة الريحاني في هذا الوقت، ميمي شكيب وماري منيب وعدلي كاسب ونجوى سالم وغيرهم..

كما اعاد الفنان فؤاد المهندس تقديم عدد من المسرحيات مثل (انا وهو وهي) عام 1964 والمقتبسة عن مسرحية قديمة للريحاني بعنوان (قسمتي)، قدمها الريحاني عام 1936، ايضا قدم مسرحية (انا وهي وسموه) عام 1966 والمقتبسه عن مسرحية (الدنيا بتلف) والتي قدمها الريحاني اواخر الثلاثينات.. ايضا قدم مسرحية (السكرتير الفني) عام 1968 والمقتبسه عن مسرحية (الجنية المصري) للريحاني، حافظ فيها على نفس الشخصيات و أغلب النص القديم، تقبل الجمهور هذه الرواية وقت عرضها من فؤاد المهندس بصورة أكبر من الجمهور وقت الريحاني، وقدم فؤاد المهندس شخصية ياقوت افندي المدرس بنفس الشكل التقليدي الذي قدمه الريحاني. المسرحية بطولة شويكار ونظيم شعراوي ومديحة حمدي وعبد الوارث عسر، اخرجها عبد المنعم مدبولي والذي قدم دور الناظر. في اواخر الثمانينات قدم الفنان فريد شوقي مسرحية (الدنيا لما تضحك) بنفس النص والشخصيات القديمة التي كتبها بديع خيري والريحاني عام 1934 مع تصرف بسيط يواكب روح العصر، شاركه البطولة حسين الشربيني وفاروق فلوكس ووداد حمدي، اخرجها للمسرح المخرج الكبير سمير العصفوري.

وفي مطلع الألفينات قدم الفنان (محمد صبحي) مسرحية (لعبة الست) المقتبسه عن فيلم للريحاني يحمل نفس الأسم، قدمه الريحاني عام 1946 قصة اصلية للسينما، حافظ محمد صبحي على نفس الروح القديمة لمسرحية الريحاني، بل وكان أداؤه مقاربا لأداء الريحاني بصورة كبيرة. شاركه البطولة الفنانة سيمون وشعبان حسين وامل ابراهيم، اخرجها للمسرح محمد صبحي، ومازالت الأنباء تتردد عن قيامه بالتحضير لمسرحية مقتبسه عن فيلم (غزل البنات)، يعاود بها نشاطه المسرحي بعد انقطاع لسنوات طوال.

والى اليوم لا يزال تراث مسرحيات الريحاني معينا لا ينضب، تنهل منه السينما المصرية بصورة تجعله أشبه بمسرح شكسبير.. الاقتباس عنه لا ينتهى ولا يتأثر بعوامل الزمان والمكان..

سيدة الشاشة العربية

أفلام لـ “سيدة الشاشة العربية” لا نعلم عنها شيئا!!

تمثل “سيدة الشاشة العربية” فاتن حمامة نموذجا فريدا فى تاريخ السينما العربية، ليس فقط لأنها ظلت طوال حياتها نجمة متربعة على عرشها الذى لم يهتز، ولكن لأنها من الفنانين المحدودين الذين عرفتهم مصر والتى تربت وكبرت، نضجت وهرمت فى أحضان السينما. شاهدناها فى جميع مراحلها العمرية وشاهدناها فى كل نوعيات الأدوار. ومنذ كانت فى التاسعة من عمرها وحتى وصلت للاثنين وستين عاما. وما بين عام 1940 بفيلم «يوم سعيد» إخراج «محمد كريم» وحتى عام 1993 بفيلم «أرض الأحلام» إخراج «داود عبد السيد» قدمت «فاتن حمامة» 102 فيلم.

الحديث عنها يمكن ألا ينتهى وما كتب عنها من الممكن أن يصنع مجلدات. الجمهور يحفظ أفلامها، ويعتقد أنه يعرف كل شيء عنها.. ولكن حتى فاتن حمامة لم تنجُ من مصير «تراث السينما الضائع»، ومن المدهش أن نعرف أن هناك بعض الأفلام لفاتن حمامة لم يشاهدها الكثير من جمهورها، بل ربما حتى لا يعرف بوجودها المتخصصون والمؤرخون.. ولأنها أفلام «سرية»!.. وفى أفضل الأحوال سمعوا عنها، ولكن لم يشاهدوها لأنها لا تعرض الآن وبعضها لم يعرض من الأصل.

أشارت عدد من التقارير الفنية القديمة إلى اثنين من أفلام «فاتن حمامة» الضائعة وهما «أبو زيد الهلالي» و«حكاية وراء كل باب»، ومع هذه الأفلام توجد أفلام أخرى بعضها لا أحد يعلم مصيرها والأخرى أفلام عالمية شاركت فى بطولتها.

الأفلام الأولي

من المعروف أن فاتن حمامة بدأت التمثيل وهى طفلة فى فيلم «يوم سعيد»، ثم اختفت عن الأضواء لأربع سنوات لتعود إلى السينما وهى فى عمر المراهقة – 13 عاما – مع فيلم «رصاصة فى القلب» إخراج «محمد كريم»، ومنذ هذا العام وحتى عام 1979 كان غياب فاتن حمامة عن السينما محدودًا، ولم تختف تماما سوى فى الأعوام 1960، 67، 68، 70، 76 و78، بينما باقى السنوات كانت تقدم أفلاما بحد أدنى فيلما واحدا فى العام، وحد أقصى 13 فيلمًا فى عام 1952.

الأفلام التى تعرض باستمرار لفاتن حمامة هى التى عملت بها منذ عام 1955، وما سبق هذا العام يوجد العديد من الأفلام التى لم تعرض سواء على القنوات المفتوحة أو المشفرة، السبب مجهول ولا يخرج عن احتمالين إما أن تكون هذه الأفلام تلفت وضاعت مثل الكثير من إنتاجات السينما المصرية أو متواجدة عند أحد ملاك هذه الأفلام، ولكن فى حاجة إلى ترميم كى تكون صالحة للعرض. ومن هذه الأفلام «أول الشهر» إخراج «عبدالفتاح حسن» 1945، «الهانم» لـ«بركات» و«القناع الأحمر» لـ«يوسف وهبي» 1946، «ملائكة فى جهنم» لـ«حسن الإمام»، «نور من السماء» لـ«حسن حلمي» و«الملاك الأبيض» لـ«إبراهيم عمارة» 1947، «كانت ملاكا» لـ«عباس كامل» و«حياة حائرة» لـ«أحمد سالم» عام 1948، «الحلقة المفقودة» لـ«إبراهيم لاما» و«نحو المجد» لـ«حسين صدقي» 1949، «ابن الحلال» لـ«سيف الدين شوكت» 1951، «من عرق جبيني» لـ«فرنيشتو»، و«بعد الوداع» لـ«أحمد ضياء الدين» 1954.

«القاهرة».. العالمية!

فيلم «القاهرة – Cairo»، من الأفلام النادرة التى أنتجتها أشهر استوديوهات هوليوود «مترو جولدن ماير» فى مصر. من إخراج «وولف ريلا». وقامت ببطولته «فاتن حمامة» أمام مجموعة من أهم نجوم هوليوود منهم «جورج ساندرز» بطل الفيلم الشهير «كل شيء عن إيف» والذى نال عنه الأوسكار أفضل ممثل مساعد، و«ريتشارد جونسون» واحد من أشهر نجوم التليفزيون والذى قدم شخصية كاسيوس فى الفيلم الشهير «يوليوس قيصر» عام 1970 وشارك فى البطولة من مصر «أحمد مظهر»، «كمال الشناوي»، «صلاح منصور»، و«شويكار».

فيلم «القاهرة» مأخوذ عن رواية من تأليف «وليام ريلى بورنت» وكتب لها السيناريو «خوان سكوت». الفيلم يدور حول أمريكى يقرر بعد الإفراج عنه من المعتقل الألمانى أن يقوم بتفيذ خطته لسرقة جوهرة من مقبرة توت عنخ آمون بالمتحف المصري. ويحاول الاستعانة ببعض الأشخاص. وإن كانت السرقة تبدو سهلة فإن الهروب بالجوهرة كان هو الجزء الصعب. بعد أن أصابته لعنة الفراعنة. كاتب الرواية «ويليام ريلى بورنت» روائى وكاتب سيناريو من أشهر الأفلام التى كتبها «وجه الندبة» نسخة عام 1932، «هاى سييرا» و«الهروب العظيم»، أما فيلم «القاهرة» فهو مأخوذ من روايته «الغابة الأسفلتية» التى  قدمت فى السينما أول مرة عام 1950 فى فيلم من إخراج «جون هيستون»، رشح لأربع جوائز أوسكار منها أفضل سيناريو. وقامت بالتمثيل به كوجه جديد «مارلين مونرو»، وقد تم اقتباس نفس الرواية فى فيلمين آخرين هما«bandleaders» عام 1958 و«cool breeze» عام 1972. أما فيلم «القاهرة» فقد كان عرضه الأول فى يناير عام 1963 فى إنجلترا ثم عرض بعد ذلك فى المكسيك، وألمانيا الغربية، وفنلندا، وهولندا، والدانمارك، والولايات المتحدة الأمريكية ولم يعرض فى مصر. الفيلم ناطق بالإنجليزية.. هذا الفيلم كان المحاولة الأولى من فاتن حمامة لدخول السينما العالمية. يعرض الفيلم أحيانا على قناة الأفلام الكلاسيكية «TCM».

ظل الخيانة

فى نفس العام 1963 والذى يبدو أنه العام الذى كان من الممكن أن تنتقل فيه فاتن حمامة للعالمية بالفعل وتبدأ خطوات جادة نحو هذا الطريق، شاركت أيضا فى فيلم عالمى بعنوان «ظل الخيانة» أو «صراع الملعونين»، كما أطلقت عليه الصحافة المصرية. الفيلم إنتاج إنجليزى – يوغسلافى مشترك. من تأليف وإخراج الفرنسى «جورج بريكستون» وبطولة فاتن حمامة، والإنجليزيين «جون بنتلي» و«أنيتا ويست». قصة الفيلم تدور فى أجواء غموض وبوليسية وتبدأ الأحداث عندما يصل «ستيف» إلى مدينة تريستى الإيطالية وهناك يتمكن من إنقاذ «تينا» من إطلاق الرصاص عليها فى الملهى الذى تمتلكه، فتقرر «تينا» أن تستعين به كحارس خاص، وفى نفس الوقت تطلعه على سر والدها الراحل الذى أعطاها إياه قبل وفاته وهو قائمة بأسماء أشخاص يكتشف «ستيف» أن الأب كان يبتزهم لأنهم عملاء وخونة. وخريطة لمكان فى الصومال دفن به كنز من الأموال ودليل إدانة هؤلاء الأشخاص، بمحاولة الوصول لهؤلاء الأشخاص نجد أنهم رحلوا إلى أفريقيا ومعهم «نادية – فاتن حمامة» التى اختطفوها لتحل محل والدها الذى قتل والذى يعتقد أنه كان يحمل وثائق إدانة هؤلاء الأشخاص. هذا الفيلم يمثل أول إنتاج مشترك بين إنجلترا ويوغسلافيا.

وفى دعاية الفيلم وصفت «فاتن حمامة» بأنها أهم نجمات العالم العربى وأنها زوجة «عمر الشريف» الذى حقق نجاحا باهرا فى فيلم «لورانس العرب». أما عن كواليس الفيلم فقد نشرت قصته فى مجلة الكواكب فى أبريل عام 1963 بقلم الكاتب «عبدالنور خليل» وأعاد حكاية القصة الصحفى «محمد دياب» فى عدد خاص من الكواكب صدر عقب وفاة فاتن حمامة فى 2015 . الحكاية أن «فاتن» كانت تقيم فى إسبانيا فى ذلك الوقت مع زوجها «عمر الشريف» الذى كان يصور فيلم «سقوط الإمبراطورية الرومانية»، وهناك جاء منتج الفيلم للتعاقد مع فاتن، وبالفعل قبلت التمثيل فى الفيلم على أن يكون أولى خطواتها فى السينما العالمية، وقد صرحت فاتن حمامة بأنها سعيدة بالعمل فى مدينتى «بليد» و«دوبروفنيك» بسبب ما تتميزان به من سحر خاص وجليد يغطيهما فى الشتاء وأزهارهما التى تتفتح فى الربيع، كما أن الشوارع بها حوارى ضيقة تشبه حوارى القاهرة القديمة». وفى حوار لها مع إذاعة الـBBC  قالت إنها حاولت أن تحافظ على شيئين مهمين وهما أداؤها واللغة التى تتحدث بها وهى الإنجليزية لأنها غير لغتها الأصلية، وعلى الرغم من وجود نسخةDVD  يمكن شراؤها عبر الإنترنت لكن لا توجد أى معلومات عن الموعد الذى عرض به الفيلم فى عام إنتاجه.

رمال فاتن وشاهين الذهبية

من الأفلام التى لا يعرفها الكثيرون ومن الممكن أن يكون عددا محدودا فقط من شاهدها، تجربة فيلم «رمال من ذهب» وهى تجربة شديدة الأهمية سواء للبطلة «فاتن حمامة» أو لمخرج الفيلم «يوسف شاهين». الفيلم أنتج عام 1971. أحداثه تدور بين المغرب وإسبانيا. وقد شارك فى بطولته «بول بارخ»، «إيلينا ماريا توخيرو»، «روبين روخو» مع ظهور خاص لكل من «نهاد قلعي» و«دريد لحام» الذى يعد هذا الفيلم هو اللقاء الوحيد له مع فاتن حمامة. الفيلم تدور أحداثه حول إحدى القبائل فى صحراء المغرب والتى تشهد قصة حب «زبيدة – فاتن حمامة» و«طارق – بول بارخ» ولكن والد «زبيدة» يريد تزويجها من ابن عمها «جاسر». يقوم «طارق» بخطف «زبيدة»، وهو ما يدفع شيخ القبيلة – والد جاسر – لإلغاء قرار زواج «زبيدة» و«جاسر» واتخاذ قرار بأن تتزوج «طارق»، ولكن بعد أن يقوم بجمع مهرها. فى نفس هذه الأثناء يشاهد اثنان من الإسبان المتواجدين بالمغرب قوة «طارق» ومهارته فى مصارعة ثور، فيقرران أن يصنعا منه بطلا فى مصارعة الثيران وبالفعل يسافر إلى إسبانيا. حيث تتغير حياة «طارق» ويصبح مشهورا، فينسى «زبيدة» التى تقرر السفر وراءه، وبالفعل تتمكن من مقابلة «طارق»، ولكنها تستاء من التغيير الذى أصابه.

فيلم رمال من ذهب

وفى مبارزة مهمة يصاب «طارق» ليبتعد عنه كل من أحاطوا به من قبل وتقرر «زبيدة» الاعتناء به وترفض العودة لديارهم فى المغرب إلا بعد أن يقوم بآخر مباراة كى يثبت نفسه كبطل. بالفعل يتمكن «طارق» من تحقيق البطولة، ولكن تسقط «زبيدة» قتيلة بيدى «جاسر» الذى لحقهما هو الآخر للقضاء على «زبيدة» المتمردة والخارجة على قوانين القبيلة. الممثلون فى الفيلم يتحدثون باللهجة المصرية عن طريق (دوبلاج) لأصوات الممثلين الأجانب قام بأدائه «سناء جميل» «عمر الحريري» و«توفيق الدقن»، أما «فاتن حمامة» فتتحدث باللهجة البدوية. شارك فى كتابة قصة وسيناريو وحوار الفيلم كل من «إحسان عبدالقدوس»، «يوسف شاهين» و«خوسيه لويس ميرنو»، وهو كاتب ومخرج إسباني.. هذا الفيلم عبر عنه الناقد الراحل «رفيق الصبان» فى إحدى مقالاته عن «فاتن حمامة» قائلا: «ظروف كثيرة جدا دعت فاتن حمامة إلى ترك مصر لفترة مؤقتة للحياة فى لندن.. وفى خلال هذه الفترة مثلت فيلماً مع يوسف شاهين – الأفضل عدم ذكر اسمه – لأن لا يوسف شاهين ولا فاتن حمامة تتحدث عنه وكان يدور فى إسبانيا مع دريد لحام.. الفيلم الجميع ينكره ولا يعرض والجميع تبرأ من هذا الفيلم». يمكن مشاهدة الفيلم فى نسخة رديئة على موقع اليوتيوب.

أفلام قصيرة للتليفزيون

شهدت فترة السبعينيات نشاطا كبيرا لـ«فاتن حمامة» فى التليفزيون، ليس من خلال المسلسلات، ولكن من خلال الأفلام القصيرة التى قام بإنتاجها التليفزيون. فى البداية قدمت ثلاثة أفلام مأخوذة من كتاب «توفيق الحكيم» «مسرح المجتمع»، حيث قدمت عام 1972 فيلمين من إخراج  «بركات» أعدهما للشاشة «أحمد صالح» هما «ساحرة» مع «صلاح ذو الفقار» و«هذا الرجل أريده» مع «أحمد مظهر». الفيلمان عرضا مؤخرا على قناة «ماسبيرو زمان»، وفى عام 1973 قدم المخرج «سعيد مرزوق» المسرحية الثالثة فى فيلم تليفزيونى قصير هو «أغنية الموت» الذى شارك فى بطولته مع «فاتن حمامة» كل من «كريمة مختار»، و«حمدى أحمد» و«عبدالعزيز مخيون». وقد قام بإعداد النص وكتابة الحوار والأغانى الشاعر الراحل «عبدالرحمن الأبنودي» الذى حكى ذكرياته عن هذه التجربة فى مقال نشر فى مجلة «نصف الدنيا – عام 2003» بأنه كتبها فى ثلاثة أيام وكانت «فاتن حمامة» تستعين به فى التدريب على الأداء ويقول الأبنودي: «رحت أؤدى بالصوت والحركة أمامها، وأكسبتنى شجاعة وثقة، بل أطلقت يدى فى أمور الديكور وخلافه، وكنت إذا تخلفت عن البلاتوه تنظر يمينا وشمالا سائلة: «فين الخبير الصعيدي»؟ ولا تصور إلا إذا جاءوا بى – وبعد كل لقطة تنادينى وتسألنى الرأى أمام الجميع». «أغنية الموت» يحكى عن امرأة صعيدية قاسية، قدمتها «فاتن حمامة» ببراعة وبأداء استثنائى لها فى العويل والندب واختلاط جميع أنواع المشاعر بين القسوة والحنين، القناعة والشك. هذه المرأة تطالب ابنها الأزهرى بأن يأخذ بثأر أبيه، ولكن الابن يرفض فتطلب من ابن خالته أن يقوم بقتله حتى يمحو عاره، حيث يكون قتل الابن هنا جزاءً لتخاذله وتكون علامة قتل الابن أغنية يؤديها القاتل لتعرف أن المهمة نفذت.

حكايو وراء كل باب

وفى عام 1979 قدمت «فاتن حمامة» الفيلم التليفزيونى «حكاية وراء كل باب» من إخراج «سعيد مرزوق»، الفيلم كما أشرنا من قبل يضم ثلاث حكايات: «النائبة المحترمة» مع «أحمد مظهر»، «ضيف على العشاء» مع «أحمد رمزي»، و«أريد أن أقتل» مع «أبوبكر عزت» و«صفية العمرى».

اختفاء نادية

من المعروف أن «نادية ذوالفقار» ابنة فاتن حمامة والمخرج عز الدين ذوالفقار حاولت التمثيل، ومن المعروف أيضا أن فاتن حمامة كانت تعارض هذه الفكرة ومع ذلك قدمت «نادية» تجربتين الأولى فى إحدى قصص «حكاية وراء كل باب» والثانية فى فيلم من بطولتها هو «أنا لا عاقلة ولا مجنونة» عام 1976 إخراج «حسام الدين مصطفي».

منى ذو الفقار

وشاركها البطولة «محمود ياسين» و«نيللي» عن قصة لـ«إحسان عبدالقدوس»، سيناريو وحوار «حسين حلمى المهندس». الفيلم يحكى عن معاناة الفتاة «نادية» التى تعذبت من انفصال أبويها. وعندما تزوجت وجدت نفسها فى قبضة حماتها المتسلطة، «نادية» تريد الاستقلال فتطلب الطلاق وتبدأ معاناتها النفسية، فى نفس الوقت يحاول طليقها أن ينقذها من الضياع الذى تستمر فيه إلى أن يتم القبض عليها فى بيت دعارة تديره صديقة لها فيقوم طليقها بالدفاع عنها. ويعودان للحياة معا. هذا الفيلم لم يعرض من قبل على أى قناة تليفزيونية ولا توجد أى نسخ منه على الإنترنت أو الأسطوانات المدمجة!..

نشر الموضوع الأصلي لأول مرة في مجلة “روز اليوسف” بقلم: شيماء سليم (بتصرف بسيط)

فن صناعة الأفيش.. شاهدا على تاريخ السينما المصرية

في عام 2015 صدر كتاب «فن الأفيش في السينما المصرية» للكاتب سامح فتحي. الكتاب حفل بمئات من نماذج حافلة شاهدة على فن صناعة الأفيش في السينما المصرية، ما يمكّن من اعتباره سجلاً حافلاً ووثائقياً لها. في الكتاب تتبع سامح فتحي رحلة الأفيش، كما توصل الى العديد من النتائج منها تأثر الأفيش المصري بالأجنبي، وهو ما يعكس سيطرة الغرب على كثير من مناحي الحياة المصرية، حيث أن الفنان المصري يضيف لمسات لتمصير الأفيش، وتكاد هذه الظاهرة تركز على الاقتباس من السينما الأميركية لما لها من تأثير عالمي، فأفيش فيلم «عريس مراتي» الذي أنتج العام 1959 م، مثلاً أخذ من ملصق الفيلم الأجنبي «الطبقة الأرستقراطية» الذي أنتج العام 1956 م، الذي قام ببطولته فرانك سيناترا مع جريس كيلي وبنج كروسبي.

ويرى سامح فتحي أن الفضل في صناعة الأفيش وفنه يعود إلى الأجانب من الجنسية اليونانية الذين لهم الفضل في وصول فن الأفيش إلى مستويات عالية، إضافة الى أن هؤلاء حملوا تلك الصناعة من بلادهم، وكانت لهم علاقة قوية بفني التصوير الفوتوغرافي والرسم. ومن هذا المنطلق بدأ هؤلاء الذين كانوا في البداية يتمركزون في الإسكندرية بمواكبة ذلك الفن الجديد، وهو فن السينما الذي جاء إلى مصر بعد انطلاقة مباشرة في باريس في كانون الأول (ديسمبر) 1895 فكان أول عرض سينمائي في مدينة القاهرة في 28 كانون الثاني (يناير) 1896. ويسجل للإسكندرية أيضاً صدور أول مطبوعة مهتمة بالفن السابع الوليد آنذاك عام 1924، حين نشر الناقد والمؤرخ السينمائي السيد حسن جمعه مجلة «معرض السينما». ثم شهدت المدينة أيضاً نشرة أخرى بعنوان «مينا فيلم» قبل أن تطلق في القاهرة مجلة «نشرة أولمبيا السينماتوغرافية» عام 1926.

بداية اسكندرانية

وكما شهدت الإسكندرية البداية الأولى لفن السينما، كذلك شهدت بداية فن الإعلان عن السلعة السينمائية باستخدام اللوحة الورقية التي يرسم عليها بعض من مشاهد وأبطال ومواقف مختلفة من الفيلم، الأمر الذي يكون له أثره في جذب الجمهور لدار العرض. وقد أطلق على تلك اللوحة اسم ملصق الفيلم أو الأفيش باللغة الفرنسية والبوستر باللغة الإنكليزية. وقد كانت بداية الأفيش في الإسكندرية على يد هؤلاء اليونانيين الذين كانوا يعيشون بها ويتسمون بمهارات كبيرة في فن الرسم، الأمر الذي مكنهم من الإجادة في فن الأفيش، وامتلاك كل مقوماته. وكان من أشهر هؤلاء اليونانيين، «الخواجة نيكولا» الذي أسس أول ورشة إعلان في مصر كلها، وعلى يديه تخرجت أجيال من الرسامين والخطاطين، وتأسس فن الأفيش «اليدوي». أما مواطنه الخواجة ديمتري، فكانت مساحة ملصقاته الأولى صغيرة (90x 60سم) أي «فرخ» ورق أو «واحد فوليو» بلغة اليونانيين الذين برزوا في هذا الفن. وكان من مميزات هذا الأفيش الأولى أنه سهل اللصق على أي مساحة جدارية في العاصمة أو الأقاليم.

ومع افتتاح أستوديو مصر في العام 1935، كأحد مشاريع شركة مصر للتمثيل والسينما التي أسسها طلعت حرب عام 1925، انتقل الثقل السينمائي إلى القاهرة ولم يطل بعدها المقام بالملصق السينمائي قبل أن ينتقل فنانوه إلى القاهرة بفعل مغريات شركات الإنتاج الموجودة فيها، ليؤسسوا ورشاً عدة ورثها عنهم المصريون لاحقاً بعدما تشربوا سر الصنعة. وكان من أشهر الورش في هذا المجال، ورش إعلان ضخمة مثل ورشة إعلان الثغر (وصاحبها خميس الثغر السكندري أصلاً) وورشة محمد مفتاح، وورشة عبده محمد، وورشة علي جابر، وورشة المصري لصاحبها وحيد شعير، و «مطابع السينما العربية» للفنان جسور، وهي مؤسسة أهلية عملت عشرات الأعوام على تنفيذ ملصقات لمئات الأفلام.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ويؤكد سامح فتحي أن بداية صناعة الملصق المصري بأيد مصرية كانت على يد جيل الرواد المصريين الذي عمل مع اليونانيين متمثلاً في الفنانين راغب وعبدالرحمن. راغب الذي عمل في مجال التمثيل وظهر كشخصية ثانوية مع أنور وجدي في فيلم «العزيمة» رسم العديد من الملصقات من مثل ملصقات أفلام «يحيا الحب» و «شاطئ الغرام» و «قطار الليل» و «سلوا قلبي». وقد تخرج في مدرسته الكثير من رسامي الأفيشات لعل أشهرهم الفنان جسور. كما أن الفنان عبدالرحمن من رواد رسم الأفيش المصري مع راغب، وقد قام برسم العديد من ملصقات الأفلام مثل أفيشات أفلام: «الجريمة والعقاب» و «النمرود» و «قلبي يهواك» و «الهاربة» و «ثمن الحرية « و «غصن الزيتون» و «الأشقياء الثلاثة».

وقد كان الخواجة ديمتري اليوناني الأصل منفذاً لأفيشات عبدالرحمن بعد أن كان متخصصاً في تنفيذ أفيشات مواطنه فاسيليو الذي يعد من أفضل رسامي الأفيش اليونانيين، وظهر مع جسور الذي جعل من الفنان أحمد فؤاد منفذاً أساسياً له، في أواخر الأربعينات، ثم ظهر بعدهما عبدالعزيز ومرسيل اليوناني الأصل، وكان هؤلاء الأربعة هم أهم رسامي الأفيشات المصرية في فترة الخمسينات والستينات. وقد قام مرسيل برسم الكثير من أفيشات السينما المصرية من مثل أفيشات أفلام «لقاء في الغروب» و«حب وحرمان» و«النظارة السوداء» و قصر الشوق» و«بلا عودة» و«أميرة العرب» و«أنا وأمي».

أجيال متلاحقة

ثم تلى هذا الجيل جيل الفنان أنور علي الذي ظهر أواخر الخمسينات ورسم أكبر كم من الأفيشات بداية من السبعينات إلى التسعينات. ثم ظهر الفنان مرتضى أوائل السبعينات، وكان تلميذاً لعبد العزيز الذي اتخذ من الفنان وهيب فهمي منفذاً أساسياً له. وبداية وهيب فهمي في فن الأفيش مع جسور الذي علم وهيب فهمي فن تنفيذ الأفيش على الزنك، وهيب فهمي نفذ في بداياته أفيشين لجسور هما «الغجرية» و «النغم الحزين»، ثم عمل في تنفيذ كل أعمال عبدالعزيز. ومن أوائل الستينات ظهر الفنان خليل الذي رسم أفيشات أفلام عديدة، مثل أفيشات أفلام «المراهقات» و «الحقيقة العارية» و «هجرة الرسول» و «المصيدة» و«العمر أيام» و «بنات في الجامعة» و «حكايتي مع الزمان» و «آه يا ليل يا زمن» و «سقطت في بحر العسل» و«أسياد وعبيد».

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ثم ظهر من أواخر السبعينات الفنان أنيس والفنان سامي، وفي أوائل الثمانينات ظهر الفنان آزم (سيد آزم)، وهو من تلاميذ عبدالعزيز، وله بعض الأفيشات الشهيرة مثل أفيشات أفلام «البيه البواب» و«التوت والنبوت». كذلك انضم إلى هؤلاء في مرحلة لاحقة بعض الأسماء المعروفة في الفن التشكيلي، وإن كان بمساهمات أقل كمية، مثل ناجي شاكر الفنان التشكيلي الذي صمم الكثير من الأفيشات من مثل أفيشات أفلام: «جنة الشياطين» و«الأراجوز» و«المصير» و«العاصفة».

تم نشر المقال الأصلي بقلم: خالد عزب في جريدة الحياة – النسخة السعودية (بتصرف بسيط).

الأفيش وتاريخ تطور صناعته في السينما المصرية

الأفيش.. كان وما زال العلاقة الأولى بين المشاهد والعمل السينمائي، فمن خلاله يستطيع أن يتعرف إلى جميع أجواء العمل، وأبطاله، ويمكنه أن يستوحي طبيعته، رومانسية، اجتماعية، حركية، شبابية، قديمة، أم حديثة، وغيرها من التفاصيل التي يتفنن مبدعو الأفيشات في تضمينها تصاميمهم للعمل. ولذلك فهو إحدى المقومات الأساسية التي تُحدد نجاح أو فشل أفلام السينما.

كما يمكن من خلال أولويات ظهور النجوم، وأحجامهم على الأفيش، وترتيب أسمائهم أن تتعرف إلى ترتيب البطولة، وأهمية الأدوار، إلى غير ذلك من المعايير التي تتحكم في مسيرة العمل، يلخصها الأفيش في نظرة واحدة.. تعالوا في هذه التدوينة نتعرف إلى هذه الصناعة، وكيف انتقلت من إبداعات الريشة إلى ثورة الجرافيك..

منذ بداية السينما صنعت الأفيشات من الشوارع معرضا تشكيليًا مفتوحًا متجددًا كل فترة سواء عربيًا أم عالميًا، بعد أن تحوَّل إلى سلعة تجارية وظيفتها جذب أكبر عدد من الناس لمشاهدة الفيلم، بشرط أن يجمع هذا المنتج بين التجارة والفن، وظلت أفيشات السينما عبر السنوات بمثابة الكيان المدلل لعشق الناس للفن السابع خاصة سواء كان سينما أم مسرحًا أم تليفزيونًا.

ومع مرور الزمن أصبح الأفيش صناعة مهمة تبحث عن التجديد بتطور صناعة التصوير والألوان وصولاً إلى استخدام تقنيات متنوعة مثل الجرافيك والكمبيوتر، ورغم هذا التطور والسهولة في تنفيذ الأفيش ما زالت أفيشات أفلام الزمن الجميل محتفظة بقيمتها وجمالها، وأصبحت تُعامل مثل اللوحات الفنية النادرة، ويعرض معظمها في معارض للمقتنيات الأثرية مثل أفيشات أفلام أنور وجدي وجورج أبيض وغيرهما.

الريشة والألوان

عبر تطور التاريخ احتل واجهات الأفيشات نجوم بعينهم كانت صورهم وأسماؤهم المكتوبة بشكل منفرد سببًا في جذب الناس، بمعنى أنه يكفي ظهور النجم وحده على الأفيش اسمًا وصورة كي يؤدي غرضه، خاصة في مجال الغناء والكوميديا مثل «عبدالوهاب، فريد الأطرش، عبدالحليم حافظ، أنور وجدي، إسماعيل يس، أمين الهنيدي، وعادل إمام» وغيرهم، ولم تتغير هذه الصورة حتى بداية الثمانينيات.

وكان رسم الأفيش في تلك الفترة يعتمد على الورقة والقلم والريشة والألوان، حيث يقوم الرسام برسم أبطال الفيلم، وكتابة أسمائهم بصورة فنية تختلف باختلاف نوع الفيلم وتوجهه، وتخضع لعدة معايير أخرى، ويتم طبعه سواء بالأبيض والأسود أم الألوان، ولا يكتب لأي أفيش الاستمرار أكثر من أسبوع؛ نظرًا لرداءة خامة الورق وقتها، وتأثرها بالعوامل الجوية سواء حرارة أم برودة أم أمطارًا، والتي كانت تتسبب في تلفها بصفة مستمرة، فيضطر المنتج لتغيير الأفيش، ولصق آخر بصورة دورية خلال فترة عرض الفيلم.

ثورة تكنولوجية

مع التطور الهائل في صناعة الورق والتقدم الرائع في التكنولوجيا، بدأت صناعة الأفيش تتطور وتأخذ شكلاً مختلفًا في الجوهر والمضمون أيضًا بمساعدة الآلات والتكنولوجيا والإضاءة المتميزة، ولعل معظمها قام على أفكار الشباب المتخصصين في هذا المجال.. ويعد محمد مفتاح واحدًا من أقدم من ساهموا في صناعة الأفيشات في مصر، حيث بدأ التصميم في منتصف الأربعينيات، وصمم بواسطة الآلات البدائية والأوراق الضعيفة العديد من الأفيشات لأهم الأفلام في السينما بواسطة الريشة والأحبار، منها أفلام «لحن الوفاء، علي بيك مظهر، الخرساء، وغراميات امرأة» وغيرها.

حيث كان يقوم دائمًا برسم العشاق بطريقة توحي بما يدور في جو الفيلم، إذ يقوم باختيار بعض اللقطات الحسَّاسة من ألبوم صور الفيلم، وقراءة سريعة لما يدور في داخله، وبعدها يقوم بتصميم الأفيش، وتكبيره، واختيار معداته اللازمة. كما يعتبر مرتضى محمد من أقدم الخبرات في هذا المجال أيضا، خاصة أنه عاصر حقبتين مختلفتين تمامًا، أبدع في الأولى بإمكانات ضعيفة، ووصل إلى الاحتراف في المرحلة الثانية مع التقدم العلمي والتكنولوجي، حيث قدَّم خبراته للجيل الحالي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

صانعي الأفيش يتحدثون

وعن رحلته مع عالم الأفيشات، يقول مرتضى: «إن الأفيش الناجح هو اللافت للنظر لدرجة أنه يقنع المشاهد بالتفكير في دخول الفيلم، وإذا لم يصل المشاهد لهذا الانطباع يكون الأفيش فاشلاً، ويرى أن البعض لا يهمه سوى وجه النجم ولا تهمه فكرة الأفيش، كما أن هناك بعض المخرجين يصرون على إظهار فلان وإخفاء آخر، أو إظهار بعض المؤثرات الأخرى مثل المخرج الراحل يوسف شاهين الذي كان يطلب منه أن تكون الفكرة مجنونة، كذلك رأفت الميهي، وروجيه إسكندر، عكس خالد يوسف الذي يعتمد دائمًا على اسمه واسم الفيلم، ويطلب منه أن تكون فكرة الأفيش بسيطة، ويترك له حرية التصميم والتنفيذ».

ويعد مرتضى المنفذ الوحيد لأفيشات أفلام عادل إمام، حيث حصل على جائزة قيمة عندما قام بتصميم أفيشي فيلمي «رسالة إلى الوالي، واللعب مع الكبار».. مشيرًا إلى قيامه بالاستعانة بالصور الفوتوغرافية لبعض النجوم في تصميم الأفيشات مثل أفلام «مذكرات تلميذة، غصن الزيتون، صراع الجبابرة، خلخال حبيبي، يا حبيبي، عودي يا أمي، وعنبر الموت». ويضيف أنه في السنوات الأخيرة تمت الاستفادة من الصور الفوتوغرافية عن طريق «الفوتوشوب»، ولكن لم تُوقَّع مثل الأفيشات القديمة باسم صانعها مثل ملصقات أفلام «عايز حقي، اللي بالى بالك، ميدو مشاكل، زكي شان، وعوكل».

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

أما سارة عبدالمنعم أحد أشهر مصممي الأفيشات، فترى أن أفيشات الأفلام القديمة متشابهة إلى حد ما، وهذا ما يُلاحظ في أفلام إسماعيل ياسين في الجيش، الأسطول، الطيران، البوليس الحربي وغيرها، وأيضًا الأفلام القديمة التي قام ببطولتها الفنان القدير عادل إمام، كما انتقلت ظاهرة الاقتباس من القصص إلى الأفيشات، لكن لم تحدث بالصورة نفسها، بل أدخل المصممون عليها بعض التغيير، كذلك اقتبس عدد منهم أفيشات الأفلام الأجنبية وهذا ما حدث مع فيلم «بئر الحرمان» لكمال الشيخ 1969.

حيث اقتبس الأفيش الخاص بالفيلم الأميركي البريطاني «Far From the Madding Crowd» الذي تم إنتاجه العام 1967، وكل ما فعله المصمم أنه قام بتصوير وجه كبير لسعاد حسني وقد تدلى شعرها بطول الأفيش، وعلى الجانب الأيمن كل من محمود المليجي، نور الشريف، ومريم فخر الدين تعانق ابنها، والأفيش كان عبارة عن صورة طبق الأصل من أفيش الفيلم البريطاني الأميركي، حيث قام المصمم بوضع ملامح وجه سعاد حسني مكان بطلة الفيلم جولي كريستي، ورسوم الأبطال المصريين مكان أبطال الفيلم الأجنبي.

ولم يكن فيلم «بئر الحرمان» الذي تم اقتباس أفيشه فقط – على حد قول المصممة سارة عبدالمنعم – حيث تم اقتباس أفيش فيلم «حواء والقرد» للمخرج نيازي مصطفي من فيلم «مليون سنة قبل الميلاد» الذي تم إنتاجه في أميركا، وظهرت فيه سعاد حسني أيضا مرتدية ملابس امرأة بدائية، وتقف بالطريقة نفسها التي تقف بها بطلة الفيلم الأميركي، وهناك تشابه كبير بين أفيشي فيلمي «أرض الأحلام» لكمال الشيخ، و«الرداء» العام 1953، وهناك تشابه آخر بين أفيش فيلم «نهر الحب» العام 1955، والفيلم الأمريكي «ذهب مع الريح»، و«الهروب» لحسن الصيفي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ولعل أبرز الأفيشات التي لفتت الانتباه أخيرًا أفيش فيلم «أمير الظلام» لرامي إمام العام 2002 المأخوذ من الجزء الثالث من فيلم «الأب الروحي» لفرانسيس فورد، حيث قام النجم الكبير عادل إمام بتهديد المصمم برفع دعوى ضده بعد أن شاهد تعليقات على الإنترنت تؤكد اقتباس الأفيش، في حين أكد المصمم أنه تلاقٍ في الأفكار فقط، ولم يكن يظن أن الأفيش موجود بالفعل.

رقابة اجتماعية

وتذكر سارة أن أفيشات زمان الجريئة خاصة كانت تستوقف الناس قبل أن تستوقف الرقابة، حيث كانوا يقومون بقذفها بالحجارة أو الطين؛ لتغطية أجزاء بعينها من أجساد فنانات برزت على الأفيش، بمعنى أن الرقابة الاجتماعية كانت أكثر تشددًا من رقابة وزارة الثقافة، وظلت هذه الظاهرة فترة طويلة حتى ظهرت ظاهرة جديدة وهى رشق الأفيشات بالطينة، ومن الأفيشات التي تمت تغطيتها كاملة بالطين أفيش فيلم «شهر عسل بدون إزعاج» لأحمد فؤاد العام 1968 بعد أن ظهرت فيه الراحلة ناهد شريف وهى تعري ظهرها، بينما ظهر زوجها حسن يوسف وهو يهم بتقبيلها.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ومن الأفيشات الحديثة التي تعرَّضت للهجوم من الأهالي، وقاموا بتغطيتها بالطين أيضًا أفيش فيلم «النوم في العسل» لشريف عرفة العام 1997، حيث ظهرت فيه دلال عبدالعزيز وعادل إمام وشيرين سيف النصر وقد اختفوا وراء ملاءة طويلة، بينما ظهرت أجزاء من سيقان دلال وشيرين، وقد أثيرت حول هذا الأفيش الكثير من الاعتراضات في فترة تصاعدت فيها حدة العمليات الإرهابية، وقضايا الحسبة ضد الأفيشات ما أجبر السينمائيين على تغيير أفيشاتهم في الفترة الأخيرة.