فن صناعة الأفيش.. شاهدا على تاريخ السينما المصرية

في عام 2015 صدر كتاب «فن الأفيش في السينما المصرية» للكاتب سامح فتحي. الكتاب حفل بمئات من نماذج حافلة شاهدة على فن صناعة الأفيش في السينما المصرية، ما يمكّن من اعتباره سجلاً حافلاً ووثائقياً لها. في الكتاب تتبع سامح فتحي رحلة الأفيش، كما توصل الى العديد من النتائج منها تأثر الأفيش المصري بالأجنبي، وهو ما يعكس سيطرة الغرب على كثير من مناحي الحياة المصرية، حيث أن الفنان المصري يضيف لمسات لتمصير الأفيش، وتكاد هذه الظاهرة تركز على الاقتباس من السينما الأميركية لما لها من تأثير عالمي، فأفيش فيلم «عريس مراتي» الذي أنتج العام 1959 م، مثلاً أخذ من ملصق الفيلم الأجنبي «الطبقة الأرستقراطية» الذي أنتج العام 1956 م، الذي قام ببطولته فرانك سيناترا مع جريس كيلي وبنج كروسبي.

ويرى سامح فتحي أن الفضل في صناعة الأفيش وفنه يعود إلى الأجانب من الجنسية اليونانية الذين لهم الفضل في وصول فن الأفيش إلى مستويات عالية، إضافة الى أن هؤلاء حملوا تلك الصناعة من بلادهم، وكانت لهم علاقة قوية بفني التصوير الفوتوغرافي والرسم. ومن هذا المنطلق بدأ هؤلاء الذين كانوا في البداية يتمركزون في الإسكندرية بمواكبة ذلك الفن الجديد، وهو فن السينما الذي جاء إلى مصر بعد انطلاقة مباشرة في باريس في كانون الأول (ديسمبر) 1895 فكان أول عرض سينمائي في مدينة القاهرة في 28 كانون الثاني (يناير) 1896. ويسجل للإسكندرية أيضاً صدور أول مطبوعة مهتمة بالفن السابع الوليد آنذاك عام 1924، حين نشر الناقد والمؤرخ السينمائي السيد حسن جمعه مجلة «معرض السينما». ثم شهدت المدينة أيضاً نشرة أخرى بعنوان «مينا فيلم» قبل أن تطلق في القاهرة مجلة «نشرة أولمبيا السينماتوغرافية» عام 1926.

بداية اسكندرانية

وكما شهدت الإسكندرية البداية الأولى لفن السينما، كذلك شهدت بداية فن الإعلان عن السلعة السينمائية باستخدام اللوحة الورقية التي يرسم عليها بعض من مشاهد وأبطال ومواقف مختلفة من الفيلم، الأمر الذي يكون له أثره في جذب الجمهور لدار العرض. وقد أطلق على تلك اللوحة اسم ملصق الفيلم أو الأفيش باللغة الفرنسية والبوستر باللغة الإنكليزية. وقد كانت بداية الأفيش في الإسكندرية على يد هؤلاء اليونانيين الذين كانوا يعيشون بها ويتسمون بمهارات كبيرة في فن الرسم، الأمر الذي مكنهم من الإجادة في فن الأفيش، وامتلاك كل مقوماته. وكان من أشهر هؤلاء اليونانيين، «الخواجة نيكولا» الذي أسس أول ورشة إعلان في مصر كلها، وعلى يديه تخرجت أجيال من الرسامين والخطاطين، وتأسس فن الأفيش «اليدوي». أما مواطنه الخواجة ديمتري، فكانت مساحة ملصقاته الأولى صغيرة (90x 60سم) أي «فرخ» ورق أو «واحد فوليو» بلغة اليونانيين الذين برزوا في هذا الفن. وكان من مميزات هذا الأفيش الأولى أنه سهل اللصق على أي مساحة جدارية في العاصمة أو الأقاليم.

ومع افتتاح أستوديو مصر في العام 1935، كأحد مشاريع شركة مصر للتمثيل والسينما التي أسسها طلعت حرب عام 1925، انتقل الثقل السينمائي إلى القاهرة ولم يطل بعدها المقام بالملصق السينمائي قبل أن ينتقل فنانوه إلى القاهرة بفعل مغريات شركات الإنتاج الموجودة فيها، ليؤسسوا ورشاً عدة ورثها عنهم المصريون لاحقاً بعدما تشربوا سر الصنعة. وكان من أشهر الورش في هذا المجال، ورش إعلان ضخمة مثل ورشة إعلان الثغر (وصاحبها خميس الثغر السكندري أصلاً) وورشة محمد مفتاح، وورشة عبده محمد، وورشة علي جابر، وورشة المصري لصاحبها وحيد شعير، و «مطابع السينما العربية» للفنان جسور، وهي مؤسسة أهلية عملت عشرات الأعوام على تنفيذ ملصقات لمئات الأفلام.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ويؤكد سامح فتحي أن بداية صناعة الملصق المصري بأيد مصرية كانت على يد جيل الرواد المصريين الذي عمل مع اليونانيين متمثلاً في الفنانين راغب وعبدالرحمن. راغب الذي عمل في مجال التمثيل وظهر كشخصية ثانوية مع أنور وجدي في فيلم «العزيمة» رسم العديد من الملصقات من مثل ملصقات أفلام «يحيا الحب» و «شاطئ الغرام» و «قطار الليل» و «سلوا قلبي». وقد تخرج في مدرسته الكثير من رسامي الأفيشات لعل أشهرهم الفنان جسور. كما أن الفنان عبدالرحمن من رواد رسم الأفيش المصري مع راغب، وقد قام برسم العديد من ملصقات الأفلام مثل أفيشات أفلام: «الجريمة والعقاب» و «النمرود» و «قلبي يهواك» و «الهاربة» و «ثمن الحرية « و «غصن الزيتون» و «الأشقياء الثلاثة».

وقد كان الخواجة ديمتري اليوناني الأصل منفذاً لأفيشات عبدالرحمن بعد أن كان متخصصاً في تنفيذ أفيشات مواطنه فاسيليو الذي يعد من أفضل رسامي الأفيش اليونانيين، وظهر مع جسور الذي جعل من الفنان أحمد فؤاد منفذاً أساسياً له، في أواخر الأربعينات، ثم ظهر بعدهما عبدالعزيز ومرسيل اليوناني الأصل، وكان هؤلاء الأربعة هم أهم رسامي الأفيشات المصرية في فترة الخمسينات والستينات. وقد قام مرسيل برسم الكثير من أفيشات السينما المصرية من مثل أفيشات أفلام «لقاء في الغروب» و«حب وحرمان» و«النظارة السوداء» و قصر الشوق» و«بلا عودة» و«أميرة العرب» و«أنا وأمي».

أجيال متلاحقة

ثم تلى هذا الجيل جيل الفنان أنور علي الذي ظهر أواخر الخمسينات ورسم أكبر كم من الأفيشات بداية من السبعينات إلى التسعينات. ثم ظهر الفنان مرتضى أوائل السبعينات، وكان تلميذاً لعبد العزيز الذي اتخذ من الفنان وهيب فهمي منفذاً أساسياً له. وبداية وهيب فهمي في فن الأفيش مع جسور الذي علم وهيب فهمي فن تنفيذ الأفيش على الزنك، وهيب فهمي نفذ في بداياته أفيشين لجسور هما «الغجرية» و «النغم الحزين»، ثم عمل في تنفيذ كل أعمال عبدالعزيز. ومن أوائل الستينات ظهر الفنان خليل الذي رسم أفيشات أفلام عديدة، مثل أفيشات أفلام «المراهقات» و «الحقيقة العارية» و «هجرة الرسول» و «المصيدة» و«العمر أيام» و «بنات في الجامعة» و «حكايتي مع الزمان» و «آه يا ليل يا زمن» و «سقطت في بحر العسل» و«أسياد وعبيد».

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ثم ظهر من أواخر السبعينات الفنان أنيس والفنان سامي، وفي أوائل الثمانينات ظهر الفنان آزم (سيد آزم)، وهو من تلاميذ عبدالعزيز، وله بعض الأفيشات الشهيرة مثل أفيشات أفلام «البيه البواب» و«التوت والنبوت». كذلك انضم إلى هؤلاء في مرحلة لاحقة بعض الأسماء المعروفة في الفن التشكيلي، وإن كان بمساهمات أقل كمية، مثل ناجي شاكر الفنان التشكيلي الذي صمم الكثير من الأفيشات من مثل أفيشات أفلام: «جنة الشياطين» و«الأراجوز» و«المصير» و«العاصفة».

تم نشر المقال الأصلي بقلم: خالد عزب في جريدة الحياة – النسخة السعودية (بتصرف بسيط).

الأفيش وتاريخ تطور صناعته في السينما المصرية

الأفيش.. كان وما زال العلاقة الأولى بين المشاهد والعمل السينمائي، فمن خلاله يستطيع أن يتعرف إلى جميع أجواء العمل، وأبطاله، ويمكنه أن يستوحي طبيعته، رومانسية، اجتماعية، حركية، شبابية، قديمة، أم حديثة، وغيرها من التفاصيل التي يتفنن مبدعو الأفيشات في تضمينها تصاميمهم للعمل. ولذلك فهو إحدى المقومات الأساسية التي تُحدد نجاح أو فشل أفلام السينما.

كما يمكن من خلال أولويات ظهور النجوم، وأحجامهم على الأفيش، وترتيب أسمائهم أن تتعرف إلى ترتيب البطولة، وأهمية الأدوار، إلى غير ذلك من المعايير التي تتحكم في مسيرة العمل، يلخصها الأفيش في نظرة واحدة.. تعالوا في هذه التدوينة نتعرف إلى هذه الصناعة، وكيف انتقلت من إبداعات الريشة إلى ثورة الجرافيك..

منذ بداية السينما صنعت الأفيشات من الشوارع معرضا تشكيليًا مفتوحًا متجددًا كل فترة سواء عربيًا أم عالميًا، بعد أن تحوَّل إلى سلعة تجارية وظيفتها جذب أكبر عدد من الناس لمشاهدة الفيلم، بشرط أن يجمع هذا المنتج بين التجارة والفن، وظلت أفيشات السينما عبر السنوات بمثابة الكيان المدلل لعشق الناس للفن السابع خاصة سواء كان سينما أم مسرحًا أم تليفزيونًا.

ومع مرور الزمن أصبح الأفيش صناعة مهمة تبحث عن التجديد بتطور صناعة التصوير والألوان وصولاً إلى استخدام تقنيات متنوعة مثل الجرافيك والكمبيوتر، ورغم هذا التطور والسهولة في تنفيذ الأفيش ما زالت أفيشات أفلام الزمن الجميل محتفظة بقيمتها وجمالها، وأصبحت تُعامل مثل اللوحات الفنية النادرة، ويعرض معظمها في معارض للمقتنيات الأثرية مثل أفيشات أفلام أنور وجدي وجورج أبيض وغيرهما.

الريشة والألوان

عبر تطور التاريخ احتل واجهات الأفيشات نجوم بعينهم كانت صورهم وأسماؤهم المكتوبة بشكل منفرد سببًا في جذب الناس، بمعنى أنه يكفي ظهور النجم وحده على الأفيش اسمًا وصورة كي يؤدي غرضه، خاصة في مجال الغناء والكوميديا مثل «عبدالوهاب، فريد الأطرش، عبدالحليم حافظ، أنور وجدي، إسماعيل يس، أمين الهنيدي، وعادل إمام» وغيرهم، ولم تتغير هذه الصورة حتى بداية الثمانينيات.

وكان رسم الأفيش في تلك الفترة يعتمد على الورقة والقلم والريشة والألوان، حيث يقوم الرسام برسم أبطال الفيلم، وكتابة أسمائهم بصورة فنية تختلف باختلاف نوع الفيلم وتوجهه، وتخضع لعدة معايير أخرى، ويتم طبعه سواء بالأبيض والأسود أم الألوان، ولا يكتب لأي أفيش الاستمرار أكثر من أسبوع؛ نظرًا لرداءة خامة الورق وقتها، وتأثرها بالعوامل الجوية سواء حرارة أم برودة أم أمطارًا، والتي كانت تتسبب في تلفها بصفة مستمرة، فيضطر المنتج لتغيير الأفيش، ولصق آخر بصورة دورية خلال فترة عرض الفيلم.

ثورة تكنولوجية

مع التطور الهائل في صناعة الورق والتقدم الرائع في التكنولوجيا، بدأت صناعة الأفيش تتطور وتأخذ شكلاً مختلفًا في الجوهر والمضمون أيضًا بمساعدة الآلات والتكنولوجيا والإضاءة المتميزة، ولعل معظمها قام على أفكار الشباب المتخصصين في هذا المجال.. ويعد محمد مفتاح واحدًا من أقدم من ساهموا في صناعة الأفيشات في مصر، حيث بدأ التصميم في منتصف الأربعينيات، وصمم بواسطة الآلات البدائية والأوراق الضعيفة العديد من الأفيشات لأهم الأفلام في السينما بواسطة الريشة والأحبار، منها أفلام «لحن الوفاء، علي بيك مظهر، الخرساء، وغراميات امرأة» وغيرها.

حيث كان يقوم دائمًا برسم العشاق بطريقة توحي بما يدور في جو الفيلم، إذ يقوم باختيار بعض اللقطات الحسَّاسة من ألبوم صور الفيلم، وقراءة سريعة لما يدور في داخله، وبعدها يقوم بتصميم الأفيش، وتكبيره، واختيار معداته اللازمة. كما يعتبر مرتضى محمد من أقدم الخبرات في هذا المجال أيضا، خاصة أنه عاصر حقبتين مختلفتين تمامًا، أبدع في الأولى بإمكانات ضعيفة، ووصل إلى الاحتراف في المرحلة الثانية مع التقدم العلمي والتكنولوجي، حيث قدَّم خبراته للجيل الحالي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

صانعي الأفيش يتحدثون

وعن رحلته مع عالم الأفيشات، يقول مرتضى: «إن الأفيش الناجح هو اللافت للنظر لدرجة أنه يقنع المشاهد بالتفكير في دخول الفيلم، وإذا لم يصل المشاهد لهذا الانطباع يكون الأفيش فاشلاً، ويرى أن البعض لا يهمه سوى وجه النجم ولا تهمه فكرة الأفيش، كما أن هناك بعض المخرجين يصرون على إظهار فلان وإخفاء آخر، أو إظهار بعض المؤثرات الأخرى مثل المخرج الراحل يوسف شاهين الذي كان يطلب منه أن تكون الفكرة مجنونة، كذلك رأفت الميهي، وروجيه إسكندر، عكس خالد يوسف الذي يعتمد دائمًا على اسمه واسم الفيلم، ويطلب منه أن تكون فكرة الأفيش بسيطة، ويترك له حرية التصميم والتنفيذ».

ويعد مرتضى المنفذ الوحيد لأفيشات أفلام عادل إمام، حيث حصل على جائزة قيمة عندما قام بتصميم أفيشي فيلمي «رسالة إلى الوالي، واللعب مع الكبار».. مشيرًا إلى قيامه بالاستعانة بالصور الفوتوغرافية لبعض النجوم في تصميم الأفيشات مثل أفلام «مذكرات تلميذة، غصن الزيتون، صراع الجبابرة، خلخال حبيبي، يا حبيبي، عودي يا أمي، وعنبر الموت». ويضيف أنه في السنوات الأخيرة تمت الاستفادة من الصور الفوتوغرافية عن طريق «الفوتوشوب»، ولكن لم تُوقَّع مثل الأفيشات القديمة باسم صانعها مثل ملصقات أفلام «عايز حقي، اللي بالى بالك، ميدو مشاكل، زكي شان، وعوكل».

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

أما سارة عبدالمنعم أحد أشهر مصممي الأفيشات، فترى أن أفيشات الأفلام القديمة متشابهة إلى حد ما، وهذا ما يُلاحظ في أفلام إسماعيل ياسين في الجيش، الأسطول، الطيران، البوليس الحربي وغيرها، وأيضًا الأفلام القديمة التي قام ببطولتها الفنان القدير عادل إمام، كما انتقلت ظاهرة الاقتباس من القصص إلى الأفيشات، لكن لم تحدث بالصورة نفسها، بل أدخل المصممون عليها بعض التغيير، كذلك اقتبس عدد منهم أفيشات الأفلام الأجنبية وهذا ما حدث مع فيلم «بئر الحرمان» لكمال الشيخ 1969.

حيث اقتبس الأفيش الخاص بالفيلم الأميركي البريطاني «Far From the Madding Crowd» الذي تم إنتاجه العام 1967، وكل ما فعله المصمم أنه قام بتصوير وجه كبير لسعاد حسني وقد تدلى شعرها بطول الأفيش، وعلى الجانب الأيمن كل من محمود المليجي، نور الشريف، ومريم فخر الدين تعانق ابنها، والأفيش كان عبارة عن صورة طبق الأصل من أفيش الفيلم البريطاني الأميركي، حيث قام المصمم بوضع ملامح وجه سعاد حسني مكان بطلة الفيلم جولي كريستي، ورسوم الأبطال المصريين مكان أبطال الفيلم الأجنبي.

ولم يكن فيلم «بئر الحرمان» الذي تم اقتباس أفيشه فقط – على حد قول المصممة سارة عبدالمنعم – حيث تم اقتباس أفيش فيلم «حواء والقرد» للمخرج نيازي مصطفي من فيلم «مليون سنة قبل الميلاد» الذي تم إنتاجه في أميركا، وظهرت فيه سعاد حسني أيضا مرتدية ملابس امرأة بدائية، وتقف بالطريقة نفسها التي تقف بها بطلة الفيلم الأميركي، وهناك تشابه كبير بين أفيشي فيلمي «أرض الأحلام» لكمال الشيخ، و«الرداء» العام 1953، وهناك تشابه آخر بين أفيش فيلم «نهر الحب» العام 1955، والفيلم الأمريكي «ذهب مع الريح»، و«الهروب» لحسن الصيفي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ولعل أبرز الأفيشات التي لفتت الانتباه أخيرًا أفيش فيلم «أمير الظلام» لرامي إمام العام 2002 المأخوذ من الجزء الثالث من فيلم «الأب الروحي» لفرانسيس فورد، حيث قام النجم الكبير عادل إمام بتهديد المصمم برفع دعوى ضده بعد أن شاهد تعليقات على الإنترنت تؤكد اقتباس الأفيش، في حين أكد المصمم أنه تلاقٍ في الأفكار فقط، ولم يكن يظن أن الأفيش موجود بالفعل.

رقابة اجتماعية

وتذكر سارة أن أفيشات زمان الجريئة خاصة كانت تستوقف الناس قبل أن تستوقف الرقابة، حيث كانوا يقومون بقذفها بالحجارة أو الطين؛ لتغطية أجزاء بعينها من أجساد فنانات برزت على الأفيش، بمعنى أن الرقابة الاجتماعية كانت أكثر تشددًا من رقابة وزارة الثقافة، وظلت هذه الظاهرة فترة طويلة حتى ظهرت ظاهرة جديدة وهى رشق الأفيشات بالطينة، ومن الأفيشات التي تمت تغطيتها كاملة بالطين أفيش فيلم «شهر عسل بدون إزعاج» لأحمد فؤاد العام 1968 بعد أن ظهرت فيه الراحلة ناهد شريف وهى تعري ظهرها، بينما ظهر زوجها حسن يوسف وهو يهم بتقبيلها.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

ومن الأفيشات الحديثة التي تعرَّضت للهجوم من الأهالي، وقاموا بتغطيتها بالطين أيضًا أفيش فيلم «النوم في العسل» لشريف عرفة العام 1997، حيث ظهرت فيه دلال عبدالعزيز وعادل إمام وشيرين سيف النصر وقد اختفوا وراء ملاءة طويلة، بينما ظهرت أجزاء من سيقان دلال وشيرين، وقد أثيرت حول هذا الأفيش الكثير من الاعتراضات في فترة تصاعدت فيها حدة العمليات الإرهابية، وقضايا الحسبة ضد الأفيشات ما أجبر السينمائيين على تغيير أفيشاتهم في الفترة الأخيرة.

حلول نجيب محفوظ لمواجهة ارتفاع الأسعار في روايات السبعينات

اقتربت روايات نجيب محفوظ من الموظفين، ونقلت معاناتهم اليومية مع أزماتهم الاقتصادية التي واجهوها بما تحمله من تفاصيل ارتفاع الأسعار وعدم قدرتهم على مجابهتها نتيجة قلة دخولهم.

ولأن مرتبات الحكومة لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية، بحث الموظفون داخل روايات «أديب نوبل» عن بدائل للمساعدة على الاستمرار في الحياة والتوافق مع الغلاء المستمر. الناقد الأدبي مصطفى بيومي استعرض هذه البدائل في كتابه «الوظيفة والموظفون في علم نجيب محفوظ».

1- الزواج من موظفة

عندما يصبح عمل المرأة متاحاً ومقبولاً، بعد أن كان مداناً ومستهجناً، فإن التطلع إلى الزواج من موظفة يمثل مطلباً جوهرياً لمواجهة الحياة. في رواية «المرايا» قرب نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، يقول عباس فوزي ساخراً: «كما قد توجد منحرفة بين ستات البيوت، فقد توجد مستقيمة بين الموظفات».

صدرت رواية «المرايا» عام 1971 ورسم محفوظ خلالها صورة لعدد من الشخصيات الواقعية والممثلة لكل طوائف المجتمع وفلسفة كل منها لتحقيق أهدافها.

وخلال المرحلة التاريخية نفسها، تضع خديجة أحمد عبد الجواد في رواية «السكرية» قانوناً صارماً متعنتاً: «الموظفة لا يمكن أن تكون زوجة صالحة».

وتمثل «السكرية» التي صدرت عام 1957الجزء الأخير من ثلاثية  محفوظ، مع «بين القصرين» و«قصر الشوق».

عبد المنعم ابراهيم ميرامار

تتراجع هذه القيم والأحكام التقليدية المتزمتة، وبعد عقدين لا أكثر في مطلع الستينيات، يقول سرحان البحيري في «ميرامار»: «إذا لم تكن العروس موظفة على الأقل، فكيف أفتح بيتاً جديداً يستحق هذا الاسم في زماننا المتوحش العسير».

صدرت الرواية عام 1967، وتدور أحداثها داخل بنسيون بالإسكندرية، وتحولت إلى فيلم سينمائي بنفس الإسم من بطولة شادية ويوسف شعبان وإخراج كمال الشيخ.

2- العمل الحر

فضلاً عن ضرورة الزواج من موظفة، يفكر «سرحان» أيضاً في العمل الحر والمشاريع التجارية، فيقول للإقطاعي القديم طلبة مرزوق: «من العبث أن يعتمد شاب مثلي على مرتب وظيفته»، فيتساءل طلبة «وما حيلته في ذلك؟»، يخفض «سرحان» صوته كأنما يبوح بسر، ويقول، «مشروع تجاري. هذا ما أفكر فيه».

شادية ميرامار

ورغم أن اللوائح التي تحكم الموظفين تحول دون عملهم بالتجارة، لكن الأمر لا يمثل مشكلة عند «سرحان»، فهو يضيف «على المشروع أن يبقى سراً من الأسرار». لا يملك «سرحان» ما ينفذ به المشروع التجاري الذي يحقق له التوازن الاقتصادي، ويكن البديل المتاح هو الشروع في الاختلاس.

3- الهجرة

إذا لم يكن العمل التجاري متاحاً أو ممكناً، فإن حلم الهجرة إلى الخارج، حيث العمل الأفضل في المردود المادي يراود كثيراً من الموظفين. جذور هذا النمط من التفكير تظهر عند إسماعيل لطيف في أوائل الأربعينيات، في «السكرية»، فهو يقرر السفر للعمل في العراق: «مرتب ضخم لا أتخيل أن أناله يوماً هنا، ثم إن العراق بلد عربي لا يختلف عن مصر كثيراً».

أحداث رواية «الكرنك» تدور حول الاستبداد السياسي في الفترة من هزيمة 1967 حتى حرب أكتوبر 1973، وتحولت عام 1975 إلى فيلم بطولة نور الشريف وسعاد حسني

وقرب نهاية الستينيات يعلق زين العابدين عبدالله في رواية «الكرنك» على حماس وطني يظهره واحد من الشباب المترددين على المقهى، فيقول بخبرته كموظف منحرف: «سيجد نفسه بعد عامين أو ثلاثة موظفاً بمبلغ زهيد، فيختار بين أمرين لا ثالث لهما، الانحراف أو الهجرة».

أحداث رواية «الكرنك» تدور حول الاستبداد السياسي في الفترة من هزيمة 1967 حتى حرب أكتوبر 1973، وتحولت عام 1975 إلى فيلم بطولة نور الشريف وسعاد حسني وإخراج على بدرخان.

أما علي عبدالستار في قصة «الحب فوق هضبة الهرم»، فواحد من جيل السبعينيات التعيس، يراوده حلم الهجرة والعمل في بلد عربي، كأداة للخروج من الأزمة المالية الطاحنة، لكنه لا يملك المهارات والمؤهلات المطلوبة «لست من أصحاب المهن المطلوبة ولا من أهل الحرف».

صدرت «الحب فوق هضبة الهرم» ضمن المجموعة القصصية عام 1979، وتحولت لفيلم سينمائي بنفس الاسم عام 1986 من إخراج عاطف الطيب وبطولة أحمد زكي وآثار الحكيم.

الأزمة نفسها يواجهها خريج كلية الحقوق عبدالفتاح إبراهيم الدراجي في قصة «من فضلك وإحسانك»، فلا أمل له العمل في بلد عربي: «تمثل له الخارج في صورة منارة تشع نوراً من بعيد».

رغم الانتظار الطويل، ووعود الأب الذي يعرف كثيراً من أصحاب النفوذ، فإن حلم السفر لا يتحقق، وتستمر معاناة كاتب النيابة الشاب، المسكون باليأس والإحباط. القصة صدرت ضمن مجموعة «رأيت فيما يرى النائم» وتحولت إلى فيلم سينمائي من إخراج ناجي أنجلو وبطولة هشام سليم وفايزة كمال وصلاح نظمي.

4- الرشوة

ويظهر الانحراف والفساد والرشوة، كأحد الحلول التي يلجأ إليها الموظفون في روايات أديب نوبل للتغلب لمواجهة أزماتهم الاقتصادية. في «المرايا» يتقدم المترجم عبد الرحمن شعبان باقتراح لانتشال الموظف المطحون فتحي أنيس من أزمته المزمنة: «أسعفوه بوظيفة يمكن أن تدر عليه رشوة». ما يشير إلى أن الأمر أقرب إلى العلنية، والوظائف لتي تتيح الحصول على الرشاوى معروفة، ويحتكرها أصحاب الوساطات.

أغنية الدنيا ربيع

وفي نفس الرواية كان طنطاوي إسماعيل موظفاً مخلصاً أميناً يعمل مفتشاً بالحسابات، وأثارت أمانته موجة من الرعب في قلوب الكتبة والمراجعين الذين كانوا يعتمدون على الرشاوى في مواجهة احتياجاتهم الحياتية «كانوا يعملون من خلال نظام محكم تعاوني يقوم أساسه على الرشوة والهدية، فانفجر الرجل في أوساطهم كالقنبلة فاتكاً بمصادر رزقهم الحقيقية».

انتقاماً من هذه الأمانة الاستثنائية تُدبر مؤامرة متقنة تفضي بالرجل إلى الفصل من الوظيفة، وعندما تتبين الحقيقة بعد سنوات، يُعاد «طنطاوي» إلى الخدمة في إدارة غير مالية، تجنباً لأي أذى قد يلحق به أو بالآخرين.

ولكن ما الذي يملكه العاجزون عن الهجرة والبعيدون عن الوظائف التي تسنح معها فرصة الرشوة؟ لا مهرب لهم إلا الاستسلام اليائس، أو التفنن في البحث عن بدائل غير تقليدية.

5- الإقراض

في «المرايا» يبتكر الساعي صقر المنوفي أسلوباً جديداً، فهو يبيع ما يرثه عن أمه من حلى ونحاس، ويتجمع لديه مبلغ من المال «راح يستثمره في إقراض الموظفين بربح فاحش، وهو نشاط غريب بالنسبة لرجل مسلم من أهل البلد الفقراء وما أكثرهم، ولكنه أقبل عليه وتمادى فيه حتى النهاية، وعرف بذلك في أوساط الموظفين الفقراء وما أكثرهم، فأقبلوا عليه بنهم، وأصبح بذلك مركزاً لحركة مصرفية سرية ونمت نقوده وتراكمت».

المثير للدهشة أن «صقر» يتمسك بوظيفته المتواضعة، حيث يقوم على خدمة موظفين يعتبر سيداً لهم من الناحية الاقتصادية.

تم نشر التدوينة الاصلية بقلم: محمد أحمد في موقع (شبابيك) – بتصرف بسيط

ألقاب الفنانين.. صراع مرير للحصول عليها، ونقاد: لا يستحقونها!!

كثيرة هي الألقاب التي تسبق أو تلحق بأسماء نجوم التمثيل والغناء، ورغم أنها ظاهرة ليست بالجديدة إلا أنها باتت مؤخرا مسارا للجدل، بعدما أصبح نجوم لم يتعد مشوارهم الفني سوى سنوات قليلة يحملون ألقابا لا يعرف أحد من منحها لهم وكيف وعلى أي أساس.

فقد كانت ألقاب الفنانين قديما تُمنح لهم بعد تاريخ طويل من العطاء الفني، وتُطلق حسب الإمكانيات الصوتية له، أو وفقا لطبيعة الأدوار التي يقدمها الممثلين، ودون سعي منهم في الحصول على هذا اللقب، فكان اللقب منحة من الجمهور والنقاد؛ لذلك ظلت هذه الألقاب لصيقة بكبار النجوم سواء من ظل منهم على قيد الحياة أو من رحل عن عالمنا.

أهم ألقاب المشاهير

ومن أشهر الألقاب في الوسط الفني ”سيدة الغناء العربي”، ”كوكب الشرق”، و”الست” وكلها ألقاب كانت من نصيب أم كلثوم التي تربعت على عرش الغناء في العالم العربي لامتلاكها حنجرة ذهبية، ”سيدة الشاشة العربية” وهو لقب حظت به الفنانة فاتن حمامة، بينما لُقبت الفنانة مديحة يسري بـ ”سمراء الشاشة”.

ونال لقب ”العندليب الأسمر” المطرب عبد الحليم حافظ، ”الدلوعة” لُقبت به شادية نظرا لطبيعة أدوارها، ”سيدة المسرح العربي” هو لقب استأثرت به الفنانة سميحة أيوب بسبب إسهاماتها وعطاءها للمسرح العربي.

وكان للفنان فريد شوقي أكثر من لقب فهو ”وحش الشاشة” و”ملك الترسو”، كما كان للفنان محمد عبد الوهاب أيضا أكثر من لقب فهو ”مطرب الملوك” وهو اللقب الذي بات غير مقبول بعد قيام الثورة المصرية في 23 يوليو، كما لُقب بـ ”موسيقار الأجيال” بعدما تغنت بموسيقاه عدة أجيال منذ العشرينيات وحتى مطلع تسعينيات القرن الماضي.

أما الآن فهناك ”مطرب الجيل” تامر حسني، ”كريستالة الشاشة” رزان مغربي، ”السندريلا” دوللي شاهين، ”مطربة المراهقين” ساندي، ”شمس الأغنية اللبنانية” نجوى كرم، ”القيصر” كاظم الساهر، ”الهضبة” عمرو دياب، ”الملك” محمد منير، وغيرها من الألقاب منها من يستحقها أصحابها ومنها ما أطلقه البعض على نفسه، ظنا أنها تجلب له الشعبية والنجومية.

ترويج ودعاية

قالت الناقدة ماجدة خير الله في حوار لموقع (مصراوي): ”طول عمر النجوم والفنانين هم من يطلقون على أنفسهم الألقاب”، مستدله على رأيها هذا بلقب ”نجمة الجماهير” الذي منحته لنفسها الفنانة نادية الجندي، وكذلك الفنانة نبيلة عبيد والتي اتخذت لنفسها لقب ”نجمة مصر الأولى”، وفقا لقول ماجدة.

وحول السبب الذي يدفع الفنانين إلى إطلاق الألقاب على أنفسهم ترى ماجدة أن هذا يرجع إلى رغبة النجوم في إرضاء الذات، بالإضافة إلى أنه نوع من أنواع الترويج لأعمالهم الفنية، موضحة أن شركات الإنتاج شاركت في اختيار الألقاب لعدد من الفنانين بشكل يساهم في الدعاية للمصنف الفني.

ألقاب وهمية

”لم يعد هناك نجوما حتى يمنحهم الجمهور والنقاد ألقابا”، هكذا بدأ الناقد نادر عدلي حديثه لوقع (مصراوي)، مؤكدا أن منح النجم لقب ما لابد أن يتم بناء على ما حققه من تميز، وتفرد، ومثابرة وتاريخ فني طويل قدم خلاله أعمال فنية يستحق معها أن يمنحه الجمهور والنقاد لقب يصبح لصيقا باسمه طوال حياته الفنية وحتى بعد رحيله، موضحا أن الآن لم يعد هناك نجوم ولا تميز.

وأضاف عدلي ”الفنانة فاتن حمامة مازالت محتفظة إلى الآن بلقب ”سيدة الشاشة العربية” لأنها حصلت عليه بعد تاريخ طويل، أما ألقاب اليوم فهي واهية ووهمية ولن تستمر”.

وأشار عدلي إلى أن نجوم اليوم ارتبطت اسماءهم بما يقدمونه من حملات إعلانية وبرامج، وأطلق عدلي وفقا لهذا على أحمد السقا ”شيبسي”، منى زكي ”رغاوي”، شيرين عبد الوهاب ”the voice”.

لا يستحقونها

أكد الملحن منير الوسيمي أن كل فنان يبحث عن التميز من خلال إلصاق اسمه بلقب فني متميز، واصفا هذا بالشئ الجيد إذا جاء عبر الجمهور أو النقاد، وتابع الوسيمي أن الجمهور قديما كان يُقدر الفنان بإطلاق الألقاب عليه، فمثلا الفنان شكوكو أحبه الجمهور وصنع له تمثال وهو تكريم من الشعب لم يحصل عليه أي فنان آخر، تقديرا للأعمال الفنية التي قدمها، مضيفا أن رغم هذا النجاح الذي حققه لم يطلق شكوكو على نفسه ملك المونولوج، لكن الجمهور هو من نصبه ملكا للمونولوج.

ويرى الوسيمي أن في الموسيقى هناك أشخاص ما أنزل الله بهم من سلطان يطلقون على أنفسهم لقب ”موسيقار” وهم لا يعرفون ”الألف من كوز الذرة”، بحسب تعبيره، مؤكدا أن هؤلاء الأشخاص يتمتعون بنقص في شخصيتهم ويحاولون تعويض هذا النقص بتلقيب أنفسهم بألقاب لا يستحقونها، لافتا إلى أن بعض الجمهور أصبح واعيا الآن لكن هناك أيضا آخرون ينخدعون بهذه الألقاب.

وعن أكثر الألقاب التي مُنحت لأشخاص يستحقونها يقول لقب ”موسيقار الأجيال” هو لقب استحقه الموسيقار محمد عبد الوهاب، وكذلك لقب ”فنان الشعب” الذي منحه الجمهور للفنان سيد درويش، وبليغ حمدي صاحب لقب ”ملك الموسيقى” فكلها ألقاب استحقها هؤلاء.

تم نشر الموضوع الأصلي بقلم: منى الموجي بموقع (مصراوي) – بتصرف بسيط.

أشرف مروان الذي حير الجميع.. هل كان “ملاكا” أم “شيطانا”؟

تابعنا جميعا فيلم “الملاك The “Angel الذي يحمل وجهة النظر الأسرائيلية لقصة حياة أشرف مروان، زوج ابنة الرئيس السابق جمال عبد الناصر، واحد المستشارين الذين حملوا ثقة الرئيس السادات طوال فترة حكمه.. كما نعلم من عديد من الروايات التي لا يختلف عليها المؤرخين والمحللين والمتابعين للشأن المصري فترة حرب الأستنزاف وحتى معاهدة السلام في 1979 والتي بعدها توارى مروان عن الأحداث وعاش في الظل متنقلا بين لندن والقاهرة.

أشرف مروان زوج ابنة الرئيس الراحل عبد الناصر

ولا نريد ان ننزلق في فخ طالما انتقدنا غيرنا من وقعوا فيه، الا وهو تقييم الفيلم واحداثه من وجهة النظر التاريخية!.. مثلما حدث مع عديد من الأفلام التي بُنيت على احداث تاريخية. فالعمل الدرامي لابد وأن يتحرر من قيود الأحداث الحقيقية في كثير من تفاصيله وحبكاته الفرعية. ويكون التقييم نابع من عناصر سينمائية بحته.. قوة ومنطقية الحبكة، عناصر الصورة، الكادرات، اداء الممثلين، الأخراج.. الخ، ولنترك الأحداث التاريخية الحقيقة التي هي مثار خلاف ليست فقط بين دولتين يتبادلان سلاما باردا وعداءا ليس مستتراً، ولكنها مثار خلاف بين كثير من المصريين ايضا..

فرغم محاولات المخرج إريل فرومين تقديم صورة جيدة، وكادرات وتفاصيل معبرة عن الأحداث واماكنها المختلفة، في لندن، والقاهرة ومطار روما الدولي وهيثرو، حتى في ليمان طرة.. كل هذا مطلع السبعينات، ولكن فعلا كل هذا كان بشكل ضعيف للغاية، رغم الإمكانيات العالية المتاحة!.. أقول هذا من وجهة نظر متابع مصري أو عربي يتابع احداث تدور في مصر، بين شخصيات مصرية منهم الرئيسين السابقين جمال عبد الناصر وأنور السادات، والذين استعان بممثلين لا يشبهوهم من قريب ولا من بعيد.. اللهم الا في البايب فقط!.. ناهيك عن لهجة الحوار الفقيرة التي تصيب المتابع العربي “بالفصلان”!!..

مالذي اجبر صناع العمل على صياغة الحوار باللغة العربية (اللهجة المصرية) رغم عدم اجادة الممثلين لها من قريب او من بعيد؟.. واقع الأمر ان الفيلم ليس للأستهلاك المحلي شأنه شان كثير من افلامنا المصرية التي ناقشت قصص جاسوسية بنيت على قصص حقيقية أو مختلقة!.. الفيلم تم توزيعه وعرضه عبر شبكة Netflix العالمية للترفيه، والتي تقدم دوبلاج لمادة العرض بلغات متعددة. وهذا يجعل انتشار غير طبيعي للقضية التي يناقشها الفيلم بين الرأي العام العالمي. فحين تعرض الأفلام المصرية باللغة العربية في المنطقة العربية فقط، دون ادنى محاولة لمخاطبة المشاهد الأجنبي بأية وسيلة (ترجمة نصية مثلا أو دوبلاج) يكون رد الفعل الدولي عموما: وهل شاهد الأسرائيليون هذا؟.. ربما لو شاهدوه لكان لهم رأيا أخر!!.. في رأيي أن المخرج خرج من هذا الفخ بعرض الفيلم بلغة عربية حتى ولو كانت متدنيه او غير صحيحة، فالمشاهد الأجنبي لن يشعر بها!.. ولكنه سيقتنع بأن الفيلم متاحا للمشاهد العربي ان اراد مشاهدته، وان لم يتم الرد على هذا لاحقا يعتبر صحيحا وهي في الواقع قوة للفيلم أمام مشاهديه.

الممثلون ايضا لا يشبهون الشخصيات الحقيقية، كما هو معهود في الأفلام التاريخية التي تم تقديمها في مصر وايضا في السينما العالمية. كلنا شاهدنا فيلم السادات Sadat انتاج هوليود عام 1983 حيث اجتهد مخرج الفيلم في تقديم ممثلين تشبه الشخصيات الحقيقية بنسبة كبيرة، وهي أدعى لأصطياد المشاهد لمتابعة الأحداث للنهاية، يكمل الصورة عناصر الديكور التي تشبه الأماكن الحقيقية التي كانت مسرحا للأحداث الحقيقية.. رغم تأكيدنا على اننا لا نقدم فيلما وثائقيا، ولكن المكياج الـLook-like والديكورات التي تحمل كثير من التفاصيل الحقيقية تشكل ركنا قويا في قوة الأحداث والحبكة واقتناع المشاهد بها..

الممثل وليد زعيتر لا يشبه عبد الناصر بأي حال من الأحوال ولم يعرف المشاهد بأنه يجسد شخصية الرئيس السابق الا من خلال العنوان المكتوب.. ولا الممثل ساسون جاباي (اسرائيلي يقدم دور انور السادات!!) ولا حتى مروان كِنزاري الذي قدم شخصية مروان كان يشبهه، وان اقتنع المشاهد بذلك من خلال اجتهاده في تقديم انفعالات جيده وايضا تتابع المَشَاهد حتى النهاية.. والطامة الكبرى التي كانت في تقديم شخصية العقيد القذافي (شابا في بداية السبعينات) من خلال الممثل الأسرائيلي تساهي هاليفي، والذي اسرف في تشخيص بعض التفاصيل الغريبة التي اشتهر بها العقيد الراحل، حديثا وليس في السبعينات، مثل الحراس الشخصيين النساء وشرب لبن الناقة (أو الماعز) وأضاف من عندياته نساء تطوف في القصر في خلفية الصورة على هيئة الجواري في قصور العباسيين أو ألف ليلة وليلة!.. أعود وأكرر ان هذا ليس موجها للمشاهد العربي الذي قد ينتابه حالة من الضحك لدى متابعة تلك الأحداث، ولكن موجه للمتابع الأجنبي الذي لا يعرف عن تلك الأحداث الا القشور، أو لا يعرف شيئا عن الأطلاق.. وينتظر الرد من الأعلام العربي، والا ستكون كل الأحداث كما قدمها المخرج في مشاهد الفيلم.

لا وسيلة للرد على مثل هذه الأفلام الا بعمل فني قوي، لا يوجه للرأي العام العربي فحسب، ولكن للمشاهد العالمي من خلال شبكة واسعة الأنتشار مثل Netflix تقدم محتواها بدوبلاج بلغات عديدة وتحظى بمتابعات عديدة في كل انحاء العالم. الفرصة متاحة لأن الفيلم سينمائيا ليس قوي ويمكن منافسته بسهولة ولكن ليس على النطاق العربي فقط.. وحتى يتم مثل هذا الأنتاج الضخم والمنتظر، يتم تقديم بعض الأفلام القوية مثل (ولاد العم) مثلا للمخرج شريف عرفة انتاج عام 2009 يتم عرضها على نطاق واسع وبدوبلاج عبري، بغض النظر عن متابعة الشعب الأسرائيلي لذلك من عدمه، فالأعلام العربي يتفوق على الأسرائيلي بمراحل في السينما والدراما، ولكن ذلك الأخير دائما يكسب المعركة على الساحة الدولية بتلك التفاصيل الصغيرة التي تبعد عن التقنية كثيرا..

لمن لم يشاهد الفيلم، لا أزكيه سينمائيا واراه فيلما مملا للغاية، الدافع الوحيد الذي يرغم المشاهد العربي على استمرار المتابعة هي الوقوف على رؤية النظرة الأخرى لحقبة هامة من تاريخنا المعاصر.. “اما نشوف ف الأخر عايزين يقولوا ايه”!!