أبو الفنون الدراما الفن السابع شخصيات فنية

سيمون.. نسمة الصيف التي مرت وتركت اثراً للبهجة

لا تبخل علينا بالمشاركة
  • 45
  •  
  •  
  •  
  • 7
  •  
  •  
  •  
    52
    Shares

كان عقد الثمانينيات بداية ثورة موسيقية جديدة نقلت الأغنية العربية من إطارها التركي الذي يعتمد في الأساس على الألات الشرقية مطعمة ببعض الجمل اللحنية والألات الغربية، إلى إطارها الحديث حيث تصبح الأغنية في حد ذاتها مسرحا لما يلائمها من أدوات دون التقيد بشكل أو إطار معين، وكذلك وصول التكنولوجيا الحديثة إلى ستوديوهات التسجيل بقيادة حميد الشاعري ومجموعة متميزة من الشعراء والملحنين.

لكن بقيت الأغنية في هذا العصر تنتظر تلك الفتاة الصغيرة القادمة من حي شبرا التي تجاوزت العشرين من عمرها لتهبها “الشقاوة” الحقيقية التي كانت تفتقدها، ويبحث عنها هذا الجيل.

وبوجه مثلث وملامح اختلطت فيها الحضارة الفرعونية بالإغريقية، وأصول صعيدية وصوت يحمل بين طياته شقاوة شابة حملت في عينيها حبا شديدا للحياة، وعلى خشبة مسرح مهرجان الصداقة المصرية اليونانية وباللغة اليونانية قدمت أولى أغنياتها باللغة اليونانية، لتخوض بعد ذلك سيمون فيليب كامل الشهيرة بـ”سيمون” رحلتها الفنية القصيرة، التي بدأت بألبوم “تاني تاني” التي كانت بعض ألحانه لأغاني فرقة “modern talking” الألمانية، ذلك الألبوم الذي ردد من أجله شباب الثمانينيات أغنية “تاكسي” من كلمات محمد ناصر والحان حميد الشاعري، وهم يتعرفون للمرة الأولى على صوت ظنوه في البداية ضعيفا يدغدغ فقط بشقاوته منطقة ما في صدورهم لم يتعرفوا عليها بعد، بدا الالبوم مفعما بالبهجة، لكن ميله للأغنية الغربية فقط جعل البعض يحجم عن الاندماج مع “شقاوته”.

قليلون هؤلاء الذين مثلوا أمام فاتن حمامة ولاحظتهم الكاميرا، أو غنوا أمام محمد منير وأدرك الميكروفون صوتهم، لكن سيمون جمعت الحسنيين في فيلم واحد من إخراج خيري بشارة، حين قدمت دور “لمياء” ابنة فاتن حمامة، التي عملت كممرضة وعشقت زوج أختها “عرابي” قبل أن تنتحر حرقا بالنار.

كان موعدها الأول مع الكاميرا مختلف، تخلت عن شقاوتها للمرة الأولى وظهرت كممثلة حقيقية ذات موهبة واضحة، وكأنثى جميلة تثير أحلام الشباب.

كان فيلم “يوم مر ويوم حلو” شهادة ميلاد لفنانة تجاوزت مرحلة الانطلاق وباتت قدماها أكثر ثباتا.

تقدم “سيمون” ألبوم “ألو ألو” مستمرة في طريقها الذي بدأ يتضح، وتبقى أغنية “مظبوطة” علامة ذلك الالبوم، وهي الأغنية التي رددتها شابات نهاية الثمانينيات، واستغلها شباب تلك الفترة لمعاكستهن، ربما لأن كانت الأغنية تتناول “المعاكسة” قبل ظهور التحرش، لكنها كانت تعبر عن حالة من الحرية التي تطمح فيها الفتاة المصرية في هذا التوقيت، حققت الأغنية نجاحا ملحوظا خاصة بعد اختيارها للتصوير من أغاني الألبوم، بما فيها من نموذج واضح للزي والمكياج وقصات شعر مرحلة الثمانينيات، لكن “سيمون” كانت على موعد أخر في طريق أخر مع الفن، خاصة مع النجاح المتوسط الذي حققه البوم “أحب أقولك” الذي تلى هذا الألبوم، رغم بداية استخدام بعض أنواع المقسوم الشرقي في ألحان أغانيها، ثم ألبوم “باتكلم جد” صاحب اشهر دويتو أدته في تاريخها الفني أمام الفنان حميد الشاعري، والتي حققت نجاحا كبيرا.

يبقى عام 92، عاما مميزا في مشوار النجمة التي أتمت عامها الـ26 بتقديم فيلمي “الهجامة” أمام ليلى علوي، “حالة اشتباه” أمام فاروق الفيشاوي و”أيس كريم في جليم” امام عمرو دياب.

العمل في فيلم من تأليف أسامة أنور عكاشة وأخر من إخراج خيري بشارة في عام واحد شهادة تخرج نهائية للفنانة الشابة من مدرسة التمثيل، من خلال دورين مختلفين نهائيا، لعبتهما بحرفية وموهبة تنال مرحلتها الأخيرة من الصقل على يد صناع الفيلمين، حقق “الهجامة” نجاحا معقولا، لكن بقي “آيس كريم في جليم” علامة في تاريخ شباب بدايات التسعينيات، وكذلك عشاق عمرو دياب، خاصة عندما غنى لها “الهضبة” “حتمرد ع الوضع الحالي”، كانت سيمون نظاما يتمرد عليه دياب في أغنية سيستخدمها المصريون بعدها بـ20 عاما ساخرين من نظام يثورون ضده، لكن سيمون بدأت عادة جديدة منذ هذا الفيلم حيث تركت علامتها ورحلت، وكأنها أحد تلك الطيور المهاجرة التي قررت ألا تستقر في مكان واحد للأبد.
تركت سيمون السينما عام 92، ثم تركت الغناء أو إصدار الالبومات الغنائية عام 96 عقب إصدار أنجح البوماتها “في حاجة كده”، تاركة علامتها الواضحة المميزة بالشقاوة في عالم الغناء.

وعلى رأس أغاني هذا الالبوم أغنيتها الأشهر “مش نظرة” ، وكذلك أغنية “في حاجة كده”، ربما لا نعرف لماذا توقفت سيمون عن الغناء، لكنها اختارات توقيتا ممتازا يستعد فيه جيل الثمانينات لفتح الطريق أمام جيل جديد يستخدم تكنولوجيا أكثر تطورا بأدوات جديدة في دوران سريع لدائرة النجومية يليق بموسيقى تلك المرحلة، كانت قادرة على البقاء خاصة وأنها لم تتجاوز الـ30 بعد، لكنها ككل الموهوبين الاذكياء يغادرون في القمة.

ولأن المسرح ابو الفنون، والطائر المهاجر قد ترك بصمته على الغناء والسينما، صار لزاما على سيمون أن تقتحم المسرح أمام فنان مسرحي كبير مثل محمد صبحي، وكأن قدرها وإختيارها لا يرضى سوى بالعمالقة، ومن خلال أربعة مسرحيات هي “كارمن” و”لعبة الست” و”سكة السلامة” في نهاية التسعينيات وبداية عام 2000.

كانت سيمون تتألق على خشبة المسرح في كل عرض، تقدم طاقات استعراضية وتمثيلية درامية وكوميدية، وكأن بركانا انفجر، انصاعت لها خشبة المسرح وخلدت اسمها ضمن نجمات قليلات سطعن على المسرح بقوة يذكر منهن تاريخه سميحة ايوب وسهير البابلي.

تركت علامة من خلال تجربة قصيرة للغاية ككل تجاربها وكأن الطير المهاجر دائما ما ينتظر موعدا للرحيل، غادرت الخشبة المقدسة وهي في قمة نضجها ونجاحها، كما اعتادت دائما.

تبقى “سيمون” بعيدا عن أي مقارنة يمكن عقدها على المستوى الفني، طائر غرد دائم خارج السرب، ترك بصمته في كل مجال ثم توقف وهو في السماء، فعجز معجبوه عن التوقف عن التطلع إليه على أمل أن يعاود التحليق مرة أخرى، أو لأنه صار باقيا في قلوبهم للابد في هذا المكان في الصدور الذي دغدغته في البومها الأول ولم يعرفوه حينها.

  •  
    52
    Shares
  • 45
  •  
  •  
  •  
  • 7
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.