شخصيات فنية

وداد عرفي.. المخرج الذي خرج من ذاكرة التاريخ!

لا تبخل علينا بالمشاركة
  • 13
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    13
    Shares

لم تعرف الحياة السينمائية في مصر شخصا مثير للجدل مثل المخرج التركي وداد عرفي. ربما لأرتباط اسمه بالكثير من الأخبار والأمور المثيرة للقلاقل والمشاكل في الحياة السينمائية المصرية نهاية العشرينات من القرن الماضي، أو لقلة المعلومات التي وصلت عنه اصلا، واختلاف كثير من المؤرخين عليه. في هذه التدوينة نحاول ان نجمع عنه اغلب الأخبار الصحيحة قدر الأمكان ونسقط كثير من الأخبار المزيفة..

وتتفق اغلب المصادر التي تحدثت عن وداد عرفي انه كان ممثل ومخرج تركي الجنسيه، بدأ حياته الفنية في بلاده، ولكن اوضاع الهزيمة من الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وسقوط الدولة العثمانية وغيرها من احداث زخمة حدثت في تركيا منذ بداية العشرينات من القرن الماضي دفعته الى السفر إلى فرنسا حيث قضى فيها عدة سنوات يعمل كومبارس في عديد من الأفلام الفرنسية. تعرف على عديد من المخرجين المصريين في فرنسا والذين كانوا يحصلون على الخبرة في مجال السينما، فتعرف على شيئا من النشاط السينمائي في مصر، ومن ثم جاء إلى القاهرة ليشارك في أنشطة مسرحية وسينمائية. قدم وداد عرفي الى عديد من رواد المسرح ككاتب وممثل ومخرج، عمل مع فاطمة رشدي وبدر لاما ويوسف وهبي وغيرهم من رواد السينما المصرية، شارك في أخراج أفلام هامة مثل (ليلى، تحت سماء مصر، مأساة الحياة)، وفي عام 1933 عاد مطرودا إلى بلاده ليستانف نشاطه هناك. توفى في عام 1969.

ويرتبط اسم وداد عرفي أكثر بالأنباء التي تتكلم عن الأعمال الممنوعة رقابيا، فقد ظهرت الرقابة على المصنفات الفنية في مصر قبل دخول السينما بعدة سنوات، وكانت رقابة على المطبوعات كالجرائد والمجلات، وعروض المسرح وغيرها، وعند ظهور السينما في مصر أضيفت إلى قوانين الرقابة، لتصبح تحت سلطتها. ومن وقتها والرقابة تتدخل بحذف بعض المشاهد أو تعديلها، إلا أن أول فيلم تم منعه بالكامل من العرض في تاريخ السينما المصرية بناء على طلب الرقابة، كان فيلم “مأساة الحياة” الذي أنتج سنة 1929. الفيلم كان من إخراج وتمثيل وداد عرفي، الذي شاركه العمل في الفيلم كل من الراقصة التركية الشهيرة في ذلك الوقت إفرانز هانم، بالإضافة إلى ممثل امريكي اسمه جو ساسون وعبد الغني البدراوي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

تدور أحداث الفيلم الممنوع من العرض، حول قصة فتاة لعوب تعمل راقصة في احدى الملاهي في القاهرة، وتسعى لخداع شقيقين لإيقاعهما في غرامها بهدف ابتزاز أموالهما، كان من نوعية الأفلام الصامتة، والتي كانت مشهورة وقتها بأن يكتب الحوار في كادرات منفصلة على الشاشة، إلا أن الناقد السينمائي حينها، الفنان عبد السلام النابلسي، انتقد الفيلم بشدة، مؤكدًا أن به “عيوبًا فاضحة يندى لها الجبين خجلًا”، وهو ما كان سببا في التفات الرقابة للفيلم، ومنعه من العرض في كل دور السينما!!.. وقالت وزارة الداخلية حينها، إن الفيلم “يزخر بالملاهي ومواد الترف، وهو ما استنزف الجزء المهم فيه، مع أن العظة لم تتناول إلا أمتارا قلائل، ولا تترك أثرا عنيفا في المشاهد يعطيه فكرة سامية عن عاقبة الإثم والاستهتار”، معتبرة أن الفيلم به مشاهد جنسية مخلة.

وفي عام 1926 حدث أكبر صدام بين الحكومة والملك فؤاد الأول ملك مصر وقتها من ناحية وبين صناع السينما من ناحية اخرى، حيث نمى إلى علم الملك ان شركة ‘ماركوس السيماتوغرافية’ الألمانية تنوي إنتاج فيلم الرسول محمد صلوات الله عليه وسلامه، وقد أوفدت الشركة المخرج ‘وداد عرفي’ إلى القاهرة مندوبًا عنها، بصحبة الممثل الأمريكي المعروف جو ساسون للاتفاق مع أحد أبطال السينما المصريين لتجسيد شخصية النبي في الفيلم الالماني، وادعوا ان له اغراضا مسمومة واساءة للاسلام، في الوقت الذي كانوا يعدون الملك فاروق فيه لاعلان ترقيه عرش الخلافة عوضا عن سلاطنة ال عثمان الذين زالت دولتهم!.. وتولي المدنيين وعلى رأسهم مصطفى كمال أتاتورك مقاليد الحكم في تركيا.

وما إن بلغ الملك فؤاد هذا حتى كان حاسمًا في رفضه، بل وتجاوز ثورة الأزهر ووزارة الداخلية المصرية إلى إصدار قرار حاسم برفض حتى مناقشة الأمر(!!) وقتها كان المخرج وداد عرفي قد عرض على يوسف بك وهبي تجسيد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ووعده انه أول سبيله الى للعالمية!!.. هدد الملك فؤاد، يوسف وهبي بسحب الجنسية المصرية منه واخراجه من البلاد، ولكن المؤرخ والناقد السينمائي ‘أحمد رأفت بهجت’ يؤكد أن يوسف وهبي رفض عرض وداد عرفي قبل تهديدات الملك فؤاد، وتم غلق هذا المشروع وللأبد، ولكن ‘وداد عرفي’ لم يرحل الى أوروبا كما جاء ولكن قدم نفسه الى عدد من المنتجين المصريين كصانع سينما له خبرة كبيرة، معلنًا أنه تركي مسلم، في حين أنه أكد لأحد كبار التجار اليهود في مصر واسمه ‘إيلي درعي’، أنه اضطر إلى ادعاء الإسلام ليعمل في السينما، فما كان من التاجر إلا أن ساعده على تولي منصب مدير فني في شركة ‘كوكب مصر’، التي كانت تملكها الفنانة فاطمة رشدي. وبدأ معها مشروع فيلم “مأساة الحياة” التي تحدثنا عنه سابقا، ومن ثم بقي عاملا في مجال السينما في مصر.

بعدها تعرف بالأخوة لاما (بدر لاما وابراهيم لاما) واشترك معهما في اخراج فيلم (قبلة في الصحراء) عام 1927 وطبعا بالأشتراك مع الأمريكي ساسون والذي ساهما في تقديم كلا منهما لصناع الأفلام في مصر بوصفهما مخرج وممثل عالمي!..

بعدها اقنع المنتجة والممثلة ‘عزيزة أمير’ بإنتاج أول فيلم روائي في السينما المصرية باسم ‘نداء الله’، تحمست المنتجة الكبيرة للمشروع، ورصدت ميزانية كبيرة للفيلم. وأبرمت عقدا مع عرفي للعمل نصت بعض بنوده على توفير مسكن وطعام خاص للمخرج طوال فترة التحضير والعمل بالفيلم (!!) في سابقه غير معهودة في تاريخ السينما المصرية. ولكن سرعان ما توقف العمل لأن المشاهد التي صورها عرفي كانت على درجة رديئة من التنفيذ، كما انها تحتوي على عديد من المشاهد الخارجة!.. فقررت عزيزة أمير اعدام ماتم تفيذه بمعرفة وداد عرفي وفسخ العقد معه، فضلت خسارتها عن اتهام الناس لها بالفجور كما يؤكد المؤرخون للسينما، وبعدها قررت المنتجة الكبيرة استكمال الفيلم مع فريق عمل اخر. وأكمل الفيلم بالفعل بعد التعديل وتحول اسمه إلى ‘ليلى’، وأصبح أول فيلم روائي مصري عام 1927 وأخرجه استيقان روستي.

ومع بداية الثلاثينات، بدأت السينما المصرية تتخذ وضعها من حيث الحرفيه والتقنية العالية وقتها، بعد ظهور عديد من المخرجين المهرة ذوي الخبرة مثل محمد كريم وتوجو مزراحي وغيرهم. وجد عرفي انه لا مكان له في مصر، فعاد الى بلاده عام 1932 ليستكمل نشاطه الفني هناك، ومن وقتها انقطعت اخباره، ولا نعرف أفلاما ساهم فيها سواء تركية أو غيره، ولا أي من المؤرخين السينمائيين الأتراك يتحدث عنه او عن اعماله، أي انه بخروجه من مصر، قد خرج من ذاكرة التاريخ.

ولو قارنا بينه وبين المخرج الكبير توجو مزراحي سنجد فرقا كبيرا، فعلى الرغم من ان كلاهما من اليهود العاملين في حقل السينما في مصر، الا أن مزراحي من عائلة ثرية جدا من اليهود من اصل ايطالي وليس مجهول الأصل، مزراحي كان دارسا للسينما في فرنسا مطلع العشرينات وليس مُدّعيا بأيه حال، مزراحي لم يكن اغراض خبيثة ولا أظهر يوما انحيازه لليهود أو تعامل مع غير اليهود بشئ مختلف، فقد أخرج افلاما عديدة وعمل معه كثير من المصريين كأم كلثوم وعلي الكسار والجزايرلي وابنته “الشهير بالمعلم بحبح” ولم يتكلم احدهم على انه فرق بينهم وبين اخرين!.. وبرغم ماقيل عن مزراحي لدعمه الصهيونية، الا ان اغلب المصادر تؤكد عكس هذا وانه خرج من مصر بعد عام 1948 خوفا على حياته وأملاكه ليس أكثر، وتوجه الى ايطاليا وظل بها الى وفاته عام 1986.

  •  
    13
    Shares
  • 13
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.