أبو الفنون الفن السابع

مسرحيات الريحاني “معينا” لا ينضب.. تنهل منه السينما المصرية

لا تبخل علينا بالمشاركة
  • 16
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    16
    Shares

بعد أن احترف التمثيل بالمسرح بفترة غير طويلة، قدم نجيب الريحاني شخصية “كشكش بيه” القروي الساذج، العمدة الأتي من الريف، يرتدي جبه وعمة وقفطان، لا تفارق الأبتسامة وجهه، تمتلئ جيوبه بالمال بعد أن باع محصول ارضه، يبحث عن المتع والملذات في ملاهي القاهرة. فتحيط به الفتيات ويقع فريسة للانتهازيين الذين يأخذون ماله ويتركونه مفلسا لا يملك ثمن تذكرة العودة!.. وتنتهي الرواية بأن يعزم الا يعود للموبقات مرة اخرى، ولكنه يعود في مغامرة جديدة، يقدمها الريحاني في مسرحية جديدة. نجحت الشخصية وحقق منها الريحاني مجدا كبيراً في مجال المسرح، لدرجة أنه ظل حبيسا لأدوار ومغامرات “كشكش بيه” لفترة طويلة، امتدت لقرابة عشرين عاماً حتى أواسط الثلاثينات!.. كلما اراد ان يخرج منها ويقدم شخصية أو رواية جديدة يقابله الجمهور بالعودة الى “كشكش بيه”!.. فيعود صاغرا مرة اخرى الى مغامرة جديدة..

ويروي الريحاني في مذكراته أنه حين سافر الى بلاد الشام مطلع العشرينات، اراد تقديم شخصية كشكش بيه على مسارح بيروت ودمشق وحلب، ولكنه فوجئ بعدد من “الكشاكش التقليد” (على حد قوله) يقدمها كثير من فناني سوريا ولبنان على مسارح بيروت ودمشق وحلب وحمص.. الخ، أشهرهم أمين عطا الله وغيره، يقدمون شخصيات تحمل نفس الأسم ولكن يرتدون ملابس شامية، ويتحدثون باللهجة الشامية وتدور الأحداث في أجواء بيروتية أو دمشقية.. الخ!.. فلم يقبل الجمهور على الشخصية التي يقدمها الريحاني، بل واتهموه بأنه يقلد أمين عطا الله!.. وهذا وإن دل على شيء فيدل على مدى النجاح الذي حققته الشخصية داخل وخارج مصر.

أفلام قدمها الريحاني

في مطلع الثلاثينات، اتجه الريحاني الى السينما، والتي اثبتت نجاح مع محمد عبد الوهاب ويوسف بك وهبي وفاطمة رشدي وعزيزة أمير وغيرهم، وأستغلالا لنجاح مسرحيات “كشكش بيه”، قدم الشخصية ذاتها في عدد من الافلام لم يكتب لها النجاح لضعف مستواها، ولعدم استطاعة الريحاني في هذا الوقت التفرقة بين الأداء على المسرح وأمام الجمهور، يرتجل أغلب المشهد إذا وجد استجابة من الجمهور أو يقطعه وينتقل للمشهد التالي اذا وجد عدم التفاته من الحاضرين، والأداء أمام الكاميرا طبقا لمشاهد مكتوبة لا يسمح بالإرتجال، ولا يوجد جمهور يستشف منه روح وحرارة الأداء..! وهذا الفشل دفع الريحاني الى التركيز في المسرح وعدم العودة للسينما مرة اخرى!.. ولكن في عام 1936 كان الفنان احمد سالم رئيسا لستوديو مصر، وكان طموحا يرغب في استغلال نجاح الريحاني في السينما ويتابع فشله في عدد من الأفلام، طلب مقابلة الريحاني وأقنعه بالعودة للسينما وعرفه بالمخرج الشاب نيازي مصطفى، وبين له الفروق بين المسرح والسينما. اقتنع الريحاني وقدم لهم نص لمسرحية سبق وقدمها على المسرح في نفس العام بعنوان (قسمتى)، فصاغها نيازي مصطفى في صورة سيناريو بعنوان (سلامة في خير) وراجع حوارها بديع خيري، وترك الريحاني المخرج يصور المشاهد بأسلوبه وعلى طريقته، وانصاع لكافة تعليماته دون اعتراض فخرج الفيلم بشكل احترافي غير الأفلام التي كانت قبله!.. اشاد النقاد بهذا الفيلم، نظرا لمهارة اقتباس القصة للشاشة، وارتفاع مستوى الأخراج وايضا اجادة الممثلين لدورهم بشكل كبير، بما فيهم الريحاني طبعا والذي اظهر تفوق أداؤه الكوميدي الواقعي، فتمسك الريحاني بنيازي مصطفى وقدم معه بعد ذلك عديد من الأفلام.

في السنة التالية 1940 قدم الريحاني على المسرح رواية بعنوان “لو كنت حليوة” المقتبسه عن المسرحية الفرنسية Bichon ثم قدمها في السينما عام 1947 مع المخرج ولي الدين سامح بعنوان “ابو حلموس”. تعرض فيها لمشكلة الفساد المنتشر في عديد من المؤسسات والهيئات في مصر وحتى في دوائر الأملاك الخاصة. ويشاركه البطولة لعباس فارس وحسن فايق وماري منيب وزوزو شكيب.

بعد الريحاني

وبعد وفاة الريحاني، حمل عدد من الفنانين على عاتقهم استمرار عمل فرقة الريحاني والمحافظة على عقدها الا ينفرط!.. أما في مجال السينما، كما قدم كلا من اسماعيل ياسين وسراج منير وحسن فايق وفريد شوقي عدد من مسرحيات الريحاني القديمة في صورة افلام سينمائية مقتبسه عن النص الذي كتبه بديع خيري والريحاني ولكن بمعالجة تتفق وروح العصر.. مثلا:

– قدم اسماعيل ياسين عام 1953 فيلم (الدنيا لما تضحك) عن مسرحية بذات الأسم، سبق وان قدمها الريحاني للمسرح عام 1934 بالاشتراك مع استفان روستي وشكري سرحان ونجاح سلام، اخراج محمد عبد الجواد.

– قدم سراج منير في نفس العام فيلم بعنوان (حكم قراقوش) عن مسرحية بذات الأسم للريحاني، سبق وقدمها للمسرح عام 1936.. الفيلم بطولة زكي رستم ونور الهدى وسراج منير وميمي شكيب، ومن اخراج فطين عبد الوهاب. أنتج الفيلم الفنان سراج منير وكان سخيا كلفه فوق 40 الف جنيه، في حين لم تبلغ ايراداته 10 الاف جنيه مما اثر على موقفه المالي وأصابه باكتئاب حاد..

– في عام 1954 قدم الفنان حسن فايق فيلم (حسن ومرقص وكوهين) عن مسرحية للريحاني بنفس الأسم، قدمها لأول مرة على المسرح عام 1943 القصة تعتبر أصليه من تأليف الريحاني وبديع خيري، وليست مقتبسه عن أي نصوص اجنبيه، لاقت على المسرح نجاح كبير برغم بعض المشاكل مع الجهات الدينية بسبب احداثها، الا ان الريحاني استطاع التغلب عليها وخروجها للنور، القصة تحكي عن ثلاثة شركاء من الديان الثلاثة في مخزن للأدوية، يقومون بعملية نصب يقع ضحيتها عامل بسيط. الأخراج لفؤاد الجزايرلي والبطولة تقاسمها حسن فايق وعبد الفتاح القصري واستفان روستي ومحمد كمال المصري ونجوى سالم..

– في عام 1965 قدم الفنان فريد شوقي فيلم (المدير الفني) وهي ذات القصة التي سبق وقدمها الريحاني بعنوان (الجنية المصري) عام 1931 مقتبسه عن مسرحية توباز للكاتب الفرنسي مارسيل بانيول واللي بتحكي عن تأثير المال على الفرد والجماعات، حيث تفسد الضمائر وتذهب الأخلاق وتنتهك المبادئ. شن الريحاني بها هجوما على مظاهر الفساد في المجتمع الحديث، الا ان المسرحية لم يكتب لها النجاح وقتها لخلوها من الأستعراض وكوميديا الفارس التي كانت منتشرة بين الجمهور في ذلك الوقت، ولكن حينما اعيد تقديمها في الستينات في اكثر من صورة لاقت نجاحا كبيرا لأرتفاع الوعي الفني بين الجمهور أنذاك.. الفيلم بطولة فريد شوقي وحسن فايق وعبد المنعم ابراهيم وليلى طاهر وشريفة ماهر والأخراج لفطين عبد الوهاب.

– في العام التالي 1966، قدم الفنان فريد شوقي ايضا فيلم (30 يوم في السجن) عن مسرحية للريحاني قدمها بذات الأسم عام 1940، النص مقتبس عن المسرحية الفرنسية (عشرون يوما في الظل)، والتي تحكي عن احد الأعيان الذي يقع في ورطه تؤدي الى الحكم عليه بالسجن، فيتفق مع احد البسطاء ان يقضى العقوبة بدلا منه!.. تختلف المعالجة السينمائية بعض الشيء عن القصة الأصلية، ولكن في المجمل، تحتوي على نفس الشخصيات والروح التي قدمها الريحاني وبديع خيري. البطولة لمديحة كامل وابو بكر عزت ونوال ابو الفتوح وحسن حامد وثلاثي اضواء المسرح، والأخراج لفطين عبد الوهاب.

– وفي مطلع السبعينات، قدم الفنان فريد شوقي روايتين للسينما مقتبسين من رواية (الدلوعة) والتي قدمها الريحاني للمسرح عام 1938.. الفيلمان هما (دلع البنات) للمخرج حسن الصيفي، مع نيلي ومحمود المليجي ويوسف بك وهبي عام 1969 و(ابو ربيع) للمخرج نادر جلال، مع نجلاء فتحي وصلاح منصور. قدم فريد شوقي في كل منهما معالجة سينمائية مختلفة تحمل روح القصة القديمة، مع احتفاظة بتقديم شخصية الريحاني ولكن باسماء مختلفة عن الشخصيه القديمة.

اعمال مسرحية

وفي مجال المسرح، قدم عادل خيري عدد من مسرحيات الريحاني بنصوصها القديمة وشخصياتها الكلاسيكية. ما فعله خيري حافظ على تلك المسرحيات من الأندثار، ومنحها ميزة التسجيل بالتليفزيون المصري مما يتيح عرضها لأجيال وأجيال. قدم عادل خيري مسرحيات مثل (الا خمسة) 1963، (لو كنت حليوة) 1962، (الشايب لما يتدلع) 1962، (خليني اتبحبح يوم) 1961، (كان غيرك أشطر) 1961، (استنى بختك) 1961، (حسن ومرقص وكوهين) 1960، (ياما كان في نفسي) 1960.. قدم خيري شخصيات الريحاني القديمة بالاشتراك مع فرقة الريحاني في هذا الوقت، ميمي شكيب وماري منيب وعدلي كاسب ونجوى سالم وغيرهم..

كما اعاد الفنان فؤاد المهندس تقديم عدد من المسرحيات مثل (انا وهو وهي) عام 1964 والمقتبسة عن مسرحية قديمة للريحاني بعنوان (قسمتي)، قدمها الريحاني عام 1936، ايضا قدم مسرحية (انا وهي وسموه) عام 1966 والمقتبسه عن مسرحية (الدنيا بتلف) والتي قدمها الريحاني اواخر الثلاثينات.. ايضا قدم مسرحية (السكرتير الفني) عام 1968 والمقتبسه عن مسرحية (الجنية المصري) للريحاني، حافظ فيها على نفس الشخصيات و أغلب النص القديم، تقبل الجمهور هذه الرواية وقت عرضها من فؤاد المهندس بصورة أكبر من الجمهور وقت الريحاني، وقدم فؤاد المهندس شخصية ياقوت افندي المدرس بنفس الشكل التقليدي الذي قدمه الريحاني. المسرحية بطولة شويكار ونظيم شعراوي ومديحة حمدي وعبد الوارث عسر، اخرجها عبد المنعم مدبولي والذي قدم دور الناظر. في اواخر الثمانينات قدم الفنان فريد شوقي مسرحية (الدنيا لما تضحك) بنفس النص والشخصيات القديمة التي كتبها بديع خيري والريحاني عام 1934 مع تصرف بسيط يواكب روح العصر، شاركه البطولة حسين الشربيني وفاروق فلوكس ووداد حمدي، اخرجها للمسرح المخرج الكبير سمير العصفوري.

وفي مطلع الألفينات قدم الفنان (محمد صبحي) مسرحية (لعبة الست) المقتبسه عن فيلم للريحاني يحمل نفس الأسم، قدمه الريحاني عام 1946 قصة اصلية للسينما، حافظ محمد صبحي على نفس الروح القديمة لمسرحية الريحاني، بل وكان أداؤه مقاربا لأداء الريحاني بصورة كبيرة. شاركه البطولة الفنانة سيمون وشعبان حسين وامل ابراهيم، اخرجها للمسرح محمد صبحي، ومازالت الأنباء تتردد عن قيامه بالتحضير لمسرحية مقتبسه عن فيلم (غزل البنات)، يعاود بها نشاطه المسرحي بعد انقطاع لسنوات طوال.

والى اليوم لا يزال تراث مسرحيات الريحاني معينا لا ينضب، تنهل منه السينما المصرية بصورة تجعله أشبه بمسرح شكسبير.. الاقتباس عنه لا ينتهى ولا يتأثر بعوامل الزمان والمكان..

  •  
    16
    Shares
  • 16
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.