شخصيات فنية

محمد بيومي.. الرائد الأول للسينما المصرية

لا تبخل علينا بالمشاركة
  • 38
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    38
    Shares

«الملازم أول محمد بيومي، عضو اتحاد المصورين الفنيين المحترفين بالمملكة المصرية، والجندي المجهول لدى وزارة الدفاع الوطني»، هكذا عرف محمد بيومي نفسه في مقدمه كتابه «الجندي المجهول»، والذي قص خلاله مذكراته.

D8B1D8A6D98AD8B3D98AD987-D985D8ADD985D8AF-D8A8D98AD988D985D989-674x480

محمد بيومي الذي عرّفه الكاتب محمد كامل القليوبي بـ«الرائد الأول للسينما المصرية»، كان أول مخرج ومؤلف لأول فيلم روائي قصير بعنوان «برسوم يبحث عن وظيفه»، أدخل «بيومي» بأفلامه فن صناعه السينما إلى مصر، ومن بعده أتى الكثيرون مستخدمين أدواته الأولى في الصناعة واكملوا ما بدأه، لكن بيومي لم يجد من يقدر أعماله أو يحتفي به، بل وجد نكرانًا لكل ما فعله، وسرقت أفكاره من قبل الكثيرون الذين ادعوا أنهم صناع السينما المصرية.

الرئد الأول للسينما المصرية.jpg

اليوم.. «غاوي سينما» يعرض تاريخ محمد بيومي كما جاء في مذكراته، وايضا من كتاب «الرائد الأول للسينما المصرية» لكاتبه المخرج والمنتج  محمد كامل القليوبي.

الطفولة

طفل مدلل ولد في أسرة غنية لكبار تجار مدينة طنطا في الثالث من يناير 1894، لكن بيومي قدس العمل ولم يكترث بأموال أسرته في البداية، عندما أكمل عامه الثاني عشر عمل في تصليح الساعات خلال العطلة الصيفية، بدأ في ممارسة الرسم والتصوير، اشترى بيومى آله تصوير فوتوغرافي وعمل بتصوير زملائه في المدرسة لقاء مبالغ من المال يحصل عليها، كما سجل في مذكراته.

IMG_20160310_020817

أكمل بيومي دراسة المرحلة الإبتدائية في سن السابعة عشر، وهي سن متأخرة كثيرًا لتلك المرحلة، فلقد أخذت موهبة التصوير الفتوغرافي صورة شبه احترافية لبيومي، بالإضافه إلى دخولة في بعض المشاريع الفاشلة.

حياته السياسية

اهتم بيومي بالعمل السياسي وهو في سن مبكر، فقبل حصوله على شهادة الإبتدائية عام 1911، انضم إلى الحزب الوطني بطنطا، وأخذ يقرأ كتابات مصطفى كامل ويحضر ندواته التي تحث على التخلص من الإحتلال البريطاني.

شفت الشريط الأحمر.. طار عقلي واتحير

على سترة بزراير.. لونها دهب أصفر

لابسها شاب جميل.. وعوده حلو طويل

هكذا وصف بيومي المدرسة الحربية ورغبته في الإنضمام إليها، والتحق بيومي بالكلية الحربية علم 1912، لكن الدراسة بالمدرسة الحربية كانت على عكس ما تصور، وسرعان ما انهارت أحلامه في الدراسة التي كان يظن أنها من أجل إعداد جيش وطني، فاذا بها مكرسة لتأكيد الإحساس بالدونية تجاه الاستعمار البريطاني، فقد كتب مذكرات عن حياته في الجيش وأسماها «الشريط الأحمر.. الجيش المصري في عهد الاحتلال البريطاني».

2009104751222153604

أخذ بيومي رتبه ملازم ثاني ثم رحل إلى السودان، وهناك بدأ أول معاركه، حيث رفض التطوع شبه الإجباري في حمله «الدردنيل»، ولم يكتف بذلك، بل حرّض بقيه الضباط على الإضراب ونجح في إقناعهم بالعصيان الجماعي، بعدها قاد «معركه العمامة» حيث طلب الجيش البريطاني من الضباط المصريين ارتداء العمامة بدلاً من الطربوش، بحيث يبدون كالقوات الهندية التي تحارب في صفوف القوات البريطانية، لكن سرعان ما أدرك بيومي رغبه البريطانيين في تصوير قوات الجيش المصري بمظهر المحتل الأجنبي وترسيخ تلك الصورة في نفوس السودانييين، فرفض قرار الجيش البريطاني فتراجعوا عن تنفيذه خوفًا من وقوع عصيان داخل صفوف الجيش.

قام بيومي بالكثير من المواقف ضد الجيش البريطاني حتى أنه حرض الجنود على عدم أداء التحية العسكرية للبريطانيين، وعند هذا الحد انتهت لدى القيادات البريطانية في الجيش المصري أي إمكانيه لبقاء محمد بيومي في الجيش، فأحالوه للاستيداع عام 1918 بعد ثلاثة أعوام من عمله في الجيش.

أوروبا الحلم المجهول

قضى بيومي سنه كاملة بعد خروجه من الجيش في محاوله العمل بورش الأثاث وتصنيع الموبيليا وتفصيل الملابس، إلى أن قامت ثوره 1919، فبدأ بإصدار مجلة «المقص» للتحريض على الثورة مع ملاحظة أنه أصدر هذه الجريدة في هيئة الكتاب حتى لا تقع تحت طائلة قانون المطبوعات.

IMG_20160310_020835

ومع نهاية الثورة تفرغ بيومي للعمل الفني، وأسس هو وصديقه بشارة واكيم فرقة مسرحية باسم «فرقة وادي النيل»، وبدأوا في تقديم عروضهم الخاصة على مسرح رشيد بالأسكندرية في نهاية عام 1919.

«لم تكن لي وجهة خاصة ولا غرض محدود وكانت كل أفكاري وحواسي متجهه إلى شيء غريب، شيء مجهول، أريد أن أعرفه وأن أضيفه إلى ما عرفت»، هكذا سافر بيومي إلى أوروبا بعد فترة من التخبطات.

تجول بيومي في أوروبا كرجل ثري عاطل عن العمل، يتجول ليبحث عن رغباته في الحياة، وتزوج وعاد إلى مصر مع زوجته، وبعد عام في مصر قرر العودة مرة أخرى إلى أوروبا لكن هذه المرة من أجل السينما.

IMG_20160310_020844

قرر بيومي دراسة السينما في ألمانيا وفي نفس الوقت كان يعمل كممثل للأدوار الثانوية في شركة «جلوريا فيلم» بمرتب قدره 15 قرشًا في اليوم، فحسبما يروي في مذكراته، أنه كان يدفع 10 قروش إيجارًا لمسكنه، بعدها ارتقى كممثل للأدوار الثانوية وزاد أجره 10 قروش، لكنه ترك التمثيل واتجهه إلى العمل وراء الكاميرا كمساعد مصور.

آمون فيلم

في ألمانيا تعرف محمد بيومي على المصور الألماني «بارنجر» الذي ساعده في شراء المعدات الأساسية اللازمة لتأسيس استديو سينمائي صغير، ليعود إلى مصر عام 1923 بعد حصوله على عضويه اتحاد السينمائيين المحترفين بالنمسا.

IMG_20160310_021049

في مصر أسس بيومي «آمون فيلم» أول استوديو يقوم مصرى بانشائه، يذكر بيومي «آمون فيلم» في مذكراته فيقول: «صرت أجاهد لكي أجعل من السينما صناعة مصرية صميمة، فضحيت بكل ما أملك للإبقاء على مشروعي وأصبحت تحت رحمة مرتب الاستيداع، ولم يزد في الفشل المتواصل إلا صلابة وإقدامًا».

ومن استوديو «آمون فيلم» يبدأ محمد بيومي في إصدار جريدة «آمون» السينمائية ويخطط لتوزيعها ليس في مصر فقط، إنما في مختلف أنحاء العالم، ويخصص أول أعداد مجلته السينمائية لتصوير عودة الزعيم سعد زغلول، من منفاه في جزيرة سيشل، فيكون هذا الشريط هو أول شريط يقوم بإدارتة وتصويره مصري.

«برسوم يبحث عن وظيفه» هو أول فيلم روائي قصير يقوم بتصويره وإخراجة وكتابة السيناريو له، بالإضافة إلى أعمال الطبع والتحميض والمونتاج، ومن الشائع أن بيومي لم يكمل الفيلم بسبب وفاة ابنه، لكنه تجاوز هذه المحنة وأكمل الفيلم، ثم أخرج بعدها «الباشكاتب» لحساب الممثل الكوميدي آمين عطا الله، وهو فيلم الأول من نوعه، حيث صور نصف شريط الفيلم على خشبه المسرح، والنصف الآخر مصور سينمائيًا، ومن بعده صور فيلم قصير لافتتاح مقبره توت عنخ آمون عام 1924.

Barsoum_Yabhath_Aan_Wazifa_Poster

«بيومي فيلم فابريقه مصرية لصنع شرايط الصور المتحركة»، كان هذا العنوان هو ما حمله استديو «بيومي فيلم»، حيث اسسه بيومي بعد ما نقل مقر جريدة «آمون» إلى طنطا، ثم عاد إلى القاهرة مرة أخرى وأسس الاستديو.

IMG_20160310_020955

مصور وحاوي

بعد عدة محاولات خاضها بيومي قرر الرحيل إلى الأسكندرية ليتخذها مقرًا له، وفي الأسكندرية يقوم بيومي بتأسيس استوديو «بيومي فوتو فيلم» للتصوير الفوتوغرافي والسينمائي، وفي هذا الاستديو قام بيومي بتصوير عدد من الأفلام الوثائقية، من بينها احتفال لجنه الوفد بالأسكندرية باستقبال وتوديع الوفد الرسمي للمفاوضة برئاسة النحاس باشا عام 1930.

b66a8be8-78fe-4f10-9c54-ec09869f75b9

لم يقم بيومي بالتصوير السينمائي والفوتوغرافي فقط بل قام بجانب ذلك بإصلاح آلات ومعدات التصوير، ونجح بيومي نجاحًا كبيرًا ووصلت شهرته لأعلى الآفاق كمصور فوتوغرافي ماهر للغاية خاصة في فن البورترية، لكنه يترك ذلك فجأة وينخرط في مغامرة جديدة لا علاقة لها على الإطلاق بمسار حياته أو عمله، وهي «حاوي بالسيرك».

سافر بيومى إلى أوروبا، والتقى بالحاوي، عبد العزيز البلاش جوهر، الفقير الهندي، واصطحبه معه في جولة بسيركات العالم لتقديم عروضه، ثم طلب من الممثل أحمد بيه الفقي، أن يستضيف الحاوي الهندي ويساعده على تقديم عروضه، ويسارع فهمي بالرد ويرحب بفقرة الفقير الهندي، وأنه من الممكن أن يربح منها الكثير ويتعهد بمساعدته، كما يتلقى بيومي رسالة من الموزع السوري، أديب الشوربجي، يرحب فيها بإنتاج فيلم لحسابه وتقديم عروض الحاوي بـ«اللونا بارك» الذي افتتحة حديثًا بسوريا.

بيومي في اواخر ايامه

يسافر «البلاش» و«بيومي» إلى بولندا ليلتحقان بالعمل في السيرك، فيقدم بيومي عروض قراءة الكف، بينما البلاش أو «الإعجوبة» كما أطلق عليه بيومي «يأكل كل شيء يمكن تصوره، ما عدا الخشب والحديد واللحم الآدمي»، وينجحان نجاحًا مبهرًا لكن أموال بيومي التي اكتسبها من السيرك ضاعت، وطلب من الحكومة المصرية إعادته إلى مصر، فيعود بيومي إلى مصر خالي الوفاض.

الجيش مره أخرى

عام 1937 يصدر الملك فاروق قرارًا بإعادة الضباط الذين أحالهم الإستعمار البريطاني إلى الإستيداع، ويعود بيومي لكن يفاجىء بأن كل شيء في الجيش تغير إلى الأسوء، فعندما يحاول التصدي للفساد الداخلي كعادته يتم نقله إلى الصحراء الغربية، وتكون نهايتة في الجيش على يد القيادات المصرية هذه المرة لا الاستعمار البريطاني، حيث تصدى لحصول مدير مصلحة الحدود على قطعه أرض من أملاك الدولة، لكن لم يبحث في الأمر، مخالفين كل اللوائح والقوانين.

عاد بيومي مرة أخرى للسينما، فسافر إلى طنطا مسقط رأسه وتعاون مع صديق له في إنشاء استديو سينمائي قاموا من خلاله بتصوير عدة إعلانات تجارية، لكن حرب فلسطين اشتعلت فتطوع بيومي في صفوف المقاتلين من رجال الجيش المصري، لمحاربه العدو وتخليص فلسطين لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وتنتهي الحرب بإعلان دولة إسرائيل.

في ظل كفاحه اشترك بيومي كعضو في حركه أنصار السلام، لكن قبض عليه وهو يوزع منشورات، لكن سرعان ما يفرج عنه بعد اكتشاف أن المضبوطات التي عثروا عليها لا تتعدى كونها مسدسات أثرية غير صالحة للاستعمال.

الأيام الأخيرة

«لقد كنا نقول في السودان لولا محمد بيومي للبسنا العمامة» قالها الرئيس محمد نجيب، لبيومي بعد ثورة يوليو، حيث تعددت لقاءاتهم ووعد نجيب بيومي بأن يكرمه ويرجع له حقوقه التي أهدرت، لكن ما لبث أن تنحى نجيب عن الحكم وضاع أمل آخر لبيومي.

2014-635385059559505118-950_main

يبدأ بيومي في التخطيط لمشروع إقامه مصنع للفيلم الخام والكيماويات والعدسات في مصر، ويخاطب وزارة التجارة والصناعة بهذا الشأن، فيتلقى ما يفيد الاهتمام بمشروعه، وبعد التخطيط للمشروع لم يجد من يستجيب لإنشاء هذا المصنع، الذي كانت تكاليف إنشائه تصل إلى 50 ألف جنيه. وتكون رحلته الأخيرة لأوروبا سنة 1956م، فيزور فيينا فى البداية لزيارة مصنع زايس للعدسات ثم يتجه إلى ايزنبرج ليدرس التصوير الملون بمصانع أدوكس ثم يبدأ فى ممارسة التصوير والتحميض الملون.

بعد عودته يبدأ العدوان الثلاثى فيتطوع كالعادة فى كتائب مديرية التحرير ويحمل السلاح فى معركة التحرير. وفى آواخر حياته يتجه إلى البنك ليصرف سندات بقيمة ألف جنيه فيفاجأ أن الأسهم قد تجمدت وأنه لا يستطيع صرف نقوده بسبب التأميم؛ فيصاب بالشلل النصفى فى طريق عودته للمنزل ويتوفى سنة 1963م بالقسم المجانى بمستشفى المواساة بالإسكندرية ويُدفن في هدوء فى مقابر أسرته فى طنطا.

رحم الله محمد بيومي..

  •  
    38
    Shares
  • 38
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

2 Replies to “محمد بيومي.. الرائد الأول للسينما المصرية

Comments are closed.