أخبار فنية

“لا تكذبي”!.. أغنية منحت صاحبها الخلود

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

ربما لا نعرف أغنية في الستينات حظت بشهرة أغنية “لا تكذبي” التي كتب كلماتها الراحل كامل الشناوي ولحنها عبد الوهاب وغناها بصوته قبل ان يمنحها لنجاة الصغيرة ويليها عبد الحليم حافظ!.. لتدر على منتجها وملحنها الموسيقار عبد الوهاب ربحا طائلا. وماقد لا نعرفه ايضا ان تلك الأغنية لها قصة تحاكى بها عديد من الكُتّاب عبر عديد من الكتب لينضموا الى طابور المنتفعين من ربح الغنية المادي.

 

يروي الصحفي والكاتب الكبير مصطفى أمين عن الشاعر الغنائي كامل الشناوي انه كان في شخصيته مثل الاطفال!.. يتعلق بأشخاص قد لاتجمعهم بهم علاقة مباشرة، ويذهب في تلك العلاقة الى افاق بعيدة وقد يتخيل اشياء لم تحدث الا في خياله فقط، مع ان ما يجمعهم لا تعدو علاقة من طرف واحد!.. اشهرها علاقته بالفنانة نجاة الصغيرة في بداية حياتها، يروي أمين ان الشناوي هام حباً في نجاة وراح في علاقته معها الى افاق بعيدة في خياله وهي لا تكاد تعلم عنه شيئا!!..

 

ويروي أمين ان كامل رأى نجاة ذات يوم تسير بصحبة أحد الاشخاص في مكان عام (قيل انه كان الاديب الكبير يوسف ادريس) وكانت تتأبط ذراعه، وتابعهما بعينيه الغاضبتين الى ان جلسا في محل للشاي يتبادلان اطراف الحديث. وانهار كامل وهام على وجهه في شوارع وسط البلد الى ان لاقاه أمين في شارع الصحافة بجوار مبنى “اخبار اليوم”، فدعاه لتناول الشاي في احد المقاهي العمومية القريبة وحكى له عما يجيش بداخله من ظنون وانكسار. فضحك أمين وقال له انه هو المخطئ لأنها لا تعلم عنه شيئا فكيف له ان يحاسبها على مشاعرها؟.. فربما لو علمت يكون لها رأيا اخر! واشار عليه ان يمنحها فرصة اخيرة ويكتب قصيدة يتعرى فيها امام ذاته ويعترف لها بحبه في كلمات تعبر عن مكنونه بكل صدق وحرارة وقوة، وان يواجهها بها ولو في التليفون.

 

 

وفعل كامل، وكتب القصيدة واستجمع شجاعته وطلب رقم تليفون نجاة وانتظر على السماعة حتى سمع صوتها على الجانب الاخر، فقال بصوت مشحون ملئ بالشجن معبراً لاقصى درجة:

لا تكذبي.. اني رأيكما معا

ودعي البكاء فقد كرهت الأدمعا

ما أهون الدمع الجسور اذا جرى

من عين كاذبة فأنكر وادعى

اني رأيتكما

اني سمعتكما

عيناك في عينيه.. في شفتيه.. في كفيه.. في قدميه..

ويداك ضارعتان ترتعشان من لهف عليه

تتحديان الصمت بالقبلات تلذعني بسوط من لهيب!..

وفرحت نجاة وقالت: “الله ياكامل بيه، دي اغنيه جميلة اوي، تديهاني؟؟” 🙄 وكان ذلك بمثابة دلو الماء البارد الذي انسكب فوق رأس الشناوي ليفيقه من اوهامه، فابتلع هول الصدمة ووعدها بالقصيدة فور الانتهاء منها، واتصل بأمين يلومه على فكرته التي أنهت علاقة من قبل ان تبدأ، فضحك امين ونصحه مرة اخرى بألا يتمادى في مشاعر كاذبة، وان كان قد خسر واحدة فسيكسب قلوب كثيرة ستشعر بكلمات القصيدة حين تسمعها من نجاة!.. “ماتغلاش عليها الاغنية يا كامل، خلصها واديهالها” !!..

فكتب كامل اخر كلمات القصيدة لينهيها ويعطيها لنجاة، ويسمعها الكثير..

كوني كما تبغين لكن لن تكوني

فأنا صنعتك من هواي، ومن جنوني

ولقد برئت من الهوى ومن الجنون..

وأسندت نجاة تلحينها إلى الموسيقار محمد عبد الوهاب، والذي تعود على تلحين تلك القصائد من الشعر العربي القديم، لم يكن تلحين هذه القصيدة يمثل مشكلة كبيرة له. ويروي الشاعر الكبير محمد حمزة ذات مرة في حوار لاحدى المجلات الفنية، أن بليغ حمدي رغب في تلحين هذه الأغنية عندما سمع مطلعها، إلا أنه تراجع بعد أن تبادر لعلمه أن عبد الوهاب يقوم بذلك. والذي قام بدوره بتلحينها وتسجيل اللحن بصوته على العود، وكان في نيته أن يهدي اللحن للمطرب عبد الحليم حافظ اقتناعا منه بأن القصيدة لا تصلح إلا لصوت رجالي تماشياً مع قصة القصيدة واحاسيسها، إلا أن عبد الوهاب لم يفرج فعليا عن اللحن لعبد الحليم في وقتها.

وقتها كانت نجاة تستعد للوقوف امام الكاميرا لأداء دورها في فيلم الشموع السوداء، فقامت بالتعاون مع المخرج عز الدين ذو الفقار باختلاق موقف مؤثر ضمن احداث الفيلم لتقدم الاغنية بصوتها واقنعت عبد الوهاب بعد ان قام الموسيقار المبدع علي اسماعيل بتوزيع اللحن، وقامت نجاة بغناء القصيدة في المشهد الشهير، وتكلف تصويرها سينمائيا وقتها أمام صالح سليم أربعة آلاف جنيه، وتم عرض الفيلم في بداية شهر مايو من عام 1962، وحضر الموسيقار عبد الوهاب العرض الأول للفيلم لسماع القصيدة، ونالت إعجاب جمهور الحاضرين، وبعد عرض الفيلم بأيام قليلة قامت نجاة بغناء القصيدة بحفل عام بدار سينما قصر النيل تحديدا في يوم 15 مايو 1962 وقد صادف ذلك التاريخ ثاني أيام عيد الأضحى المبارك وقاد الاوركسترا الموزع الموسيقي على إسماعيل، علما بأن نجاة كانت قد أدت القصيدة فعلا قبل عرض الفيلم في حفل خيري خاص بعد موافقة عبد الوهاب.

 

على جانب آخر، فقد استمر عبد الوهاب في إصراره على أن يقوم أحد المطربين بغناء القصيدة واستقر في النهاية على عبد الحليم حافظ مثلما كانت نيته منذ البداية وقام عبد الوهاب بإدخال تعديل بسيط على خاتمة اللحن الذي سيؤديه عبد الحليم وقام عبد الحليم بغناء القصيدة على المسرح في بداية شهر يوليو من عام 1962. وفي تلك الفترة كتبت بعض المجلات الفنية أن عبد الوهاب كان قد اشترط على نجاة أن تغني القصيدة في الفيلم فقط ولا تؤديها في حفل عام، وأنه كان ينتوي مقاضاة نجاة بسبب إجراء بعض البروفات مع الفرقة الماسية لتقديم القصيدة في الحفلات العامة، إلا أن الأرجح هو قيام عبد الوهاب شخصيا بإطلاق تلك الشائعات ليعزز من نجاح الأغنية ويزيد من توزيعها، حيث أنه تم طرح القصيدة بصوت نجاة في الأسواق من خلال شركة صوت الفن المملوكة لعبد الوهاب وكان التسجيل من حفل عام، لأن شركة صوت الفن لا تملك حق إذاعة القصيدة من تسجيل الفيلم نظرا لأن الفيلم ليس من إنتاجها.

أما غناء عبد الوهاب للاغنية يعود إلى ان هيئة الإذاعة البريطانية، والتي شاع تسميتها الآن بالـ BBC عربي، كانت قد استضافت عبدالوهاب وكامل الشناوي في لقاء طويل، وأدار الحوار أحد مذيعيها الكبار، وفي اللقاء طلب من عبدالوهاب ان يغنيها فغناها كاملة بالعود مع مقدمة موسيقية تختلف عن تلك التي غناها فيما بعد في الأسطوانة وكانت إذاعة لندن إذاعت ذلك التسجيل في برنامجها المعروف بـ “من لندن فقط” وكان يتخلل الأغنية كلمات الإعجاب من الحضور في الاستديو، ومنهم كامل الشناوي. بعد ذلك -وبعد ان رأى عبدالوهاب إعجاب مستمعي الاذاعة بذلك التسجيل – قام بغنائها بالعود مرة أخرى في مصر، وأصدرها في أسطوانة من انتاج شركة “صوت الفن”.

ولاحقا صار أداء المطربين الكبار الثلاثة موضعاً للمقارنة بين معجبيهم، وهو موضوع يخضع للتقييم الشخصي لكل معجب على حدة. ونجحت الأغنيه نجاحا كبيرا، وانتشر منها اكثر من نسخة بصوت عبد الحليم ونجاة وعبد الوهاب والشناوي نفسه حين اقنعته شركة “ضيافون” بتسجيل القصيدة بصوته وبمصاحبة موسيقى هادئة في الخلفية فكانت اول قصيدة يلقيها شاعر عربي عبر أسطوانة!.. وكتب كثير من الصحفيين عنها واعتبروها من القصائد “الملهمة” في الشعر العربي الحديث، اخرهم ماكتبه مصطفى امين نفسه عن الاغنية في كتابه “شخصيات لا تنسى” الصادر عن دار المعارف عام 1988.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.