صلاح ابو سيف يعلق مجتمعا كاملاً «بين السماء والارض»

لا تبخل علينا بالمشاركة
  • 12
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    12
    Shares

ظل فيلم “بين السماء والأرض” عقدة مخرجه لسنوات، صلاح أبو سيف لم يصدق عند عرض الفيلم، أن يضيع جهده الكبير، وأن يفشل الفيلم فشلا مدويا، أصابه الإحباط الشديد، ولكن العرض التليفزيونى، بعد سنوات طويلة، أعاد للفيلم اعتباره، ليس فقط باعتباره من أفضل الأفلام الكوميدية المصرية، ولكن أيضا باعتباره عملا جسورا وطليعيا مقارنة بأفلام تلك الفترة، كوميديا سوداء فى حدودها الرفيعة، 15 شخصية بين الموت والحياة، ومع ذلك، نضحك ونتأمل، بل ولا يعدم الفيلم بعدا سياسيا واضحا: مجتمع تحت الميكروسكوب، معلّق فى الفراغ، قواه القديمة ما زالت تتصارع مع قواه الجديدة الصاعدة، طبقات مختلفة تختبر تعايشها الجديد، فى ظروف استثنائية.

الى حد كبير، تتغلب الفردية والإنانية، يبدو المجتمع وكأن أفكارا وقيما جديدة تجذبه الى أعلى، بينما تصارع القيم والأفكار القديمة لكى تشدّه الى أسفل، السيناريو وبراعة المخرج تدخلان المتفرج فورا الى قلب الأسانسير، تجعلانه جزءا من لعبة الصعود والهبوط، كاستنج مذهل، وأداء لا ينسى من كل الممثلين، تكثيف رائع للزمن من خلال المونتاج، وتحية عذبة يقدمها صلاح أبو سيف فى مشهد النهاية لفن السينما، ولكن جمهور تلك السنوات، لم يتفاعل مع التجربة، ربما استغرب الحكاية، فكرتها استقاها أبو سيف من حادث تعطل الأسانسير بزوجته وهى حامل، أظن أن المشكلة الأكبر التى واجهها المتفرج أنه لم يقدم بطلا للفيلم، أقصد هنا البطل السوبر الذى يضرب ويحقق الخير فى معظم أفلام الأبيض والأسود، أو البطل الرومانسى الذى يفوز بقلب المحبوبة، ليس هذا فحسب، فقد اكتظ الفيلم،  بديلا عن صورة البطل التقليدية،  بعدد كبير ممن يستحقون لقب البطل الضد: لص خزائن، نشال، زوجة تخون زوجها، ممثلة متعالية، مدير عمارة يلهو مع صديقته، بوابون أقرب الى الأطفال فى سوء تصرفهم ونزقهم، بك يثير السخرية، مجنون هارب من المستشفى، مخرج متشدد متفرنج، رجل عجوز يريد الزواج من شابة صغيرة، امرأة على وشك الوضع، امتلأ الفيلم بنقيض البطل التقليدى على طول الخط،  البطل الحقيقى فى الفيلم هو الأسانسير أو فصل الصيف، أما المنقذون من رجال المطافىء فهم شخصيات لا يعرفها أحد، كان الفيلم، بدون قصد، على عكس الموجة بشكل كامل، لعل جرعة الخطر لم تكن مريحة رغم المواقف الكوميدية الصارخة.

بعد سنوات، كانت ترسخت أكثر فكرة البطل الضد فى الأفلام، وكانت أفلام الكوارث قد حفرت لنفسها مسارات فى السينما العالمية، عاد الجمهور ليكتشف تحفة اسمها  “بين السماء والأرض”، اكتشف أن أفضل وسيلة لكى تواجه الخطر فى الأفلام، هو أن تضحك لتخفف التوتر، بل لعل ذلك يشعرك بالأمان، لأنك فى الواقع داخل قاعة للعرض، ولم تكن يوما فى مثل هذا المأزق.

فيلم “بين السما والأرض”  يحتاج الى دراسة تفصيلية شاملة، ولكنى سأكتفى فقط بتحليل لمشاهد الأسانسير  بسبب أستاذية مخرجه فى عمل تكوينات بارعة من ثقب الإبرة إذا جاز التعبير. من أصعب ما يتعرض له أى مخرج وجود عدد كبير من الشخصيات فى حيز مكانى ضيق، الصعوبة تكمن فى توزيع هؤلاء  الشخصيات فى تكوينات دالة ترتبط بالدراما، فما بالك إذا كانت المشاهد المحورية كلها فى “بين السما والأرض” مرتبطة بحبس أبطال الفيلم فى أسانسير صغير، طيب إزاى قام صلاح ابو سيف بحل هذا المأزق الذى يحيّر أكبر المخرجين؟؟ 

(1) تم عمل ديكور فى الأستديو بالطبع للأسانسير، مع حرية نزع كل جدار عند اللزوم، مما أتاح للكاميرا أن تلتقط تكوينات من جهات المكان الأربع، وبالتالى أصبح هناك مبدئيا أربع زوايا  بنقل الكاميرات وتفريغ الديكور لعمل تكوينات متنوعة  لشخصيات لا تتحرك تقريبا بسبب ضيق المكان، هذه ميزة لا وجود لها فى المسرح  

(2) أضاف أبو سيف لقطات من زاوية منخفضة جدا، وأخرى من زاوية مرتفعة جدا (لقطات الهرج والمرج ومابعد الولادة)، مما أضفى على المكان حيوية كبيرة، وأعطى إحساسا وهميا بفضاء لا وجود له، وكأنه يمنح أبطاله قدرة على التنفس من أجل البقاء  

(3) نجح أبو سيف فى تنويع “أحجام اللقطات” داخل المكان، قدم أحيانا كلوزات لوجه بمفرده، أو لقطة لاثنين أو لثلاثة فقط، ولكن ظلت اللقطات الغالبة لكتلة من الشخصيات معا، وصلت أحيانا الى ثمانية أشخاص فى كادر واحد، وبذلك جمعت التكوينات بين الإحساس بالتكدس والإختناق، وهو أمر أساسى ومطلوب، وبين التركيز على جمل حوار معينة، أو بعض الثنائيات، مثل العلاقة بين محمود المليجى (اللص الكبير) وعبد المنعم مدبولى (الحرامى الصغير)    

(4) لجأ أبو سيف أحيانا الى حركة الممثل المحسوبة الى الأمام وسط زملائه، حدث ذلك عندما احتاج الأمر أن تتحرك شخصية لكى تتصدر التكوين لأهمية ما تقوله أو ما ستتصرفه فى لحظة معينة .

(5) رغم التكدس وتزاحم الوجوه إلا أن المخرج الكبير استعان بممثلين كبار قدموا ما يشبه مهرجانا مفتوحا للتعبيرات  (أرجو مراجعة تعبيرات المشخصاتى الفذ عبد المنعم إبراهيم على وجه الخصوص).

(6) لم يتردد أبو سيف فى أن يمنح بعض “الأشياء” دورا محوريا فى التكوين كالشخوص سواء بسواء، منها مثلا صينية البطاطس فوق رأس السفرجى

(7) أضاف أبو سيف لقطات للأسانسير من البئر الخاص به وكأنه يسقط فى الهاوية، وباستخدام المونتاج للقطع بين الداخل والخارج، ثم متابعة ما يجرى فى المكاتب وعلى السطح، وفى مباراة الكرة، وفى حجرة ماكينة الأسانسير، أصبحت لدينا مساحة بصرية متسعة خرجت من أصغر مكان ربما فى تاريخ الأفلام المصرية 

(8) لكل هذه الأسباب، فقد أعتبرت دوما أن فيلم “بين السما والأرض” هو أفضل وأعظم أفلام صلاح ابو سيف من حيث تكامل كل عناصر الحرفة والصنعة، تكفى حلول المخرج الكبير لتقديم تكوينات لأشخاص كثيرة فى أضيق مساحة ممكنة.

  •  
    12
    Shares
  • 12
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

  1. التنبيهات: سلطانة الشاشات ورائدة الفن والموسيقى التصويرية.. انها بهيجة حافظ! - غاوي سينما