أراء عامة

سينما يوسف شاهين أبدا لا تزيف التاريخ، بل تعطيه بعدا إجتماعيا

لا تبخل علينا بالمشاركة
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

في عام 1994 قدم المخرج يوسف شاهين فيلمه (المهاجر) كانتاج مصري فرنسي مشترك، شارك فيه فريق عمل من كلا البلدين، ليشارك الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي ونزل به كفيلم تجاري في مصر اثار لغطا كبيرا بين الرأي العام قبل النقاد، لان قصته تتشابه مع قصة نبي الله يوسف وابيه يعقوب عليهما السلام.

حقيقة الامر ان يوسف شاهين اختار الموضوع غير قاصدا مجرد تجسيد قصة نبي او حتى قصة من التراث الانساني ايا كانت!.. لا، الموضوع ابعد من ذلك بكثير!!.. فالشاب البدوي الذي يحبه ابيه ويغار منه اخوته الذين تركوه في قاع مركب ليتخلصوا منه ويخل لهم وجه أبيهم، في حقيقة الامر كان ذاهبا الى مصر ليتعلم الزراعة ليعود الى قومه ويحميهم من الجفاف والقحط والسعي وراء الكلأ. ليصطدم هناك بكهنة امون وصراعهم مع الثوار من جماعة اتون الشمس وامور اخرى جانبية تشابكت لتخلق شبكة من الأحداث تذهب بعقل المشاهد الى حد كبير..

والمقربين من يوسف شاهين يعلمون تماما انهه عادة مايختار موضوع بعيد ليستشهد به عن موضوع اخر قريب بل ومطروح للرأي العام، كما اختار في فيلم (المصير) عام 1997 والذي تدور احداثه في الأندلس في القرن الثاني عشر الميلادي!.. حيث ذهب النقاد لاصطياد الاخطاء التاريخية للفيلم وتناسوا انه يلفت النظر لخطورة سيطرة الجماعات الدينية والإرهابيه على مقاليد السلطة بدعم النظام السياسي..!

فيلم (المصير) – 1997

نفس الشيء حدث في افلامه القديمة مثلما انفعل مع هزيمة 1967 في ثلاثية أفلام الهزيمة، وهي (الإختيار) 1971 و(العصفور) 1974 و(عودة الإبن الضال) 1976. نرى ان شاهين يقارن بينها وبين فيلم “الأرض” فيقول:

“الأرض عن قصة رجل يختار المقاومة ويرفض الإستسلام، بينما فيلم الاختيار يتناول قصة رجل يقرر الاستسلام ويقبل بالهزيمة، لكنه بمرور الأيام يكشف عن خيانته لذاته بتسليم روحه لانفصام الشخصية”.

أما من حيث المضمون فقد كان فيلم (العصفور) أول محاولة سينمائية عربية جادة للتعامل مع آثار الهزيمة. وقد اعتبره نقاد غربيون تعبيرا عن خيبة أمل شاهين في ثورة عبدالناصر إلا أن المخرج نفى ذلك مؤكدا على أن نقده من داخل الثورة لا من خارجها. ورغم منع عرض الفيلم في مصر بعد ذلك وهجوم الدوائر اليمينية عليه إلا أن الفيلم مازال يحظى بتقدير كبير ومنذ عرضه فى مهرجان سينمائي بلبنان في سبتمبر 1973 وقد اعتبره الناقد على أبوشادي بداية مرحلة جديدة في تطور لغة شاهين السينمائية، خصوصا فيما يتعلق باستخدامه لزوايا تصوير غير مألوفة، وطريقته في تطوير الشخصيات وتوظيفها رمزيا إضافة إلى الإستخدام الفعال للموسيقى.

فيلم (العصفور) – 1974

وفي أواخر السبعينيات مزج شاهين بين الذاتي والتاريخي في (إسكندرية ليه) 1979، وبدأ في تقديم معالجات سياسية وجمالية جديدة لقضية الهوية القومية العربية. فالفيلم الذي مثل أول سيرة ذاتية سينمائية عربية، وتلاه (حدوتة مصرية) 1982 و(إسكندرية كمان وكمان) 1990، شكلت الأفلام الثلاثة ماعرف بثلاثية السيرة الذاتية لشاهين. ففي الفيلم الأول صور الحلم بالثورة، وفي الثاني قرن أزمة الثورة بأزمته الصحية بينما الثالث قدم صورة للصراع من أجل الديموقراطية. وفي ثلاثتهم قدم معالجة لفكرة الاختلاف الديني داخل المجتمع العربي، في محاولة لفهم كيفية تشكل الهوية والإختلاف الثقافي في التاريخ العربي.

فيلم سكوت هانصور – 2001

وختاما نقول، إن فهم يوسف شاهين لصنع الأفلام على أنها ممارسة سياسية وثقافية تعيد تفسير الواقع والتاريخ الإجتماعي من خلال إحساسه بالهوية العربية، والمشروع القومي العربي ذاته باعتباره مشروعا غير منجز أيديولوجيا وسياسيا. فحينما تشاهد فيلم ليوسف شاهين، غالبا حاول ان تنظر فيما وراء الفيلم، لا ان تنظر للاحداث نفسها وتحاول مناقشتها بصورة سطحية، وقد تلعب المشاهدة المتعدده للفيلم دورا في فهم الاحداث فهم متعمق وسليم..

من كواليس فيلم (المهاجر) 1994

يحتل فيلم (المهاجر) المركز 52 في قائمة افضل 100 فيلم مصري في استفتاء النقاد عام 1996 ويضم عدد كبير من النجوم وضيوف الشرف. بلغت ميزانية انتاجه 12 مليون جنيه وهو مبلغ ضخم في منتصف التسعينات، كما تم تصوير اغلب مشاهده في معابد الأقصر ودندرة والمنطقة الاثرية بسقارة، استخدم المخرج منحوتات لامون مشابهة للموجودة بالمعبد ليدمرها في مشهد هجوم ثوار جماعة اتون الشمس!..

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.