حسن الإمام: مخرج الروائع.. أم مخرج العوالم؟

لا تبخل علينا بالمشاركة
  • 15
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    15
    Shares

“رب ضارة نافعة” .. خسر والده أمواله وثروته، فعمل هو في الفن، ليصبح واحد من أكثر مخرجي السينما المصرية إنتاجا برصيد أفلام بلغ 97 فيلما يحمل اسمه كمخرج من بينهم ما يزيد عن 45 فيلم شارك في تأليفهم إضافة لكونه كان يكتب ويلحن بعض الأغاني التي كانت في أفلامه، حسن الإمام الذي انتصر للبسطاء في أفلامه عاش ومات وهو موصوم بلعنة العوالم.

197963369262091905

ولد حسن في 6 مارس عام 1919 في المنصورة، والده كان يعمل بالتجارة، بينما كان حسن في عالمه الخاص، حيث انصب تركيزه على القراءة وحضور العروض المسرحية التي كان تقام أسبوعيا على مسرح عدن بالمنصورة، إضافة لتركيزه في الدراسة، وإتقانه اللغة الفرنسية والإنجليزية.

102145-1.jpg

لتكون صدمة حسن بعدما توفي والده حزنا على خسارة ثروته وامواله وتجارته ليجد حسن الإمام نفسه مطالبا بالعمل لمساعدة اسرته، فيقرر حسن العمل في الفن، حيث يبدأ في ترجمة المسرحيات الفرنسية والإنجليزية والاسكتشات وبيعها لفرق المسرح في القاهرة، شيئا فشيئا ينضم حسن الإمام إلى فرقة رمسيس مع يوسف وهبي كمترجم في البداية ثم كممثل بعدها ومساعدا ليوسف وهبي.

676eac579cbef3cb78d0898155c87a1f

مع يوسف وهبي انتقل من المسرح للسينما، وهناك التقي بأستاذه نيازي مصطفى، ليعمل بعدها مساعد مخرج في السينما في أفلام مثل ” شارع محمد علي” و”الانسة بوسة” و”حسن وحسن” و”القرش الأبيض” ليقرر حسن الإمام ان يقدم أو تجاربه السينمائية كمخرج عام 1946 بفيلم ” ملائكة في جهنم”

e79c2a82cb30856c439fb53741bc2ca6e9d0c7ab.jpg

منذ فيلمه الأول اتضح اتجاه حسن الإمام للقصص الميلودرامية الاجتماعية، مبتعدا بنفسه في تلك الفترة عن أي محاولة للأسقاط السياسي او الدراما السياسية، توليفة الإمام ببساطة قصة حب وعقدة اجتماعية وشخصية كسيرة مضطهدة، تحاول فقط ان تنول حقها في الحياة، معطيات بسيطة للغاية قد تخلق معالجات سينمائية مكررة فيمكنك ان ترسم خريطة سينمائية لمشاهد أفلام حسن الإمام الميلودرامية من حيث تسلسل الاحداث وانطلاقها ونهايتها ولكن كيف يقدم حسن الامام تلك النمطية.

hqdefault (1)

البداية حسن الإمام متأثر بشدة بأسلوب شبيه بأسلوب الإخراج المسرحي فكاميرا الإمام نادرة الحركة، ميالا للكادرات الثابتة بينما يتحرك الممثلين داخل والكادر، ولكن حينما تتحرك كاميرا الإمام فإن لها طريقتها الخاصة، اقتصاد شديد في حركة الكاميرا فلا تدور أو تهتز ولكن فقط تتحرك كمتابع للبطل يمينا ويسارا بينما أو من اعلى الى أسفل وربما أبرز مثال على ذلك هو افتتاحية فيلم بين القصرين.

_640x_e65f072381dc221844a50c35485d91eb99fcd20405d4eb9dadc6c0d7acea10ad

في الافتتاحية تتابع الكاميرا حركة السيد احمد عبد الجواد كأنما تخشى الاقتراب منه او التفاعل معه كي لا تخرجه من حالته التي هو فيها، ومع استعراض حركة أحمد عبد الجواد يستعرض حسن الإمام الجو والعالم المحيط به بصريا، ليوجز الكثير من المشاهد في مشهد افتتاحية واحد.

كاميرا الأمام أيضا متأثرة بالأسلوب الكلاسيكي الأقرب للمسرح حيث تنتقل بحركة واحدة من غرفة إلى غرفة ومن مكان لأخر كان لا جدران تفصلها، وهذا الأسلوب المسرحي، ربما اخذ عليه الكثير من الملاحظات منها افتقاره الشديد للواقعية وأيضا عدم مجاراة تطور السينما وتطور اللغة البصرية ولكنه لدى الإمام يأخذ بعد اخر وهو اتصال الحالة الموجودة على الشاشة وعدم انقطاعها لدى المشاهد.

2015-635612602374753138-475.jpg

الإمام المقتصد جدا في حركة كاميرته، كان يصب اغلب تركيزه على حركة ممثلية داخل الكادر، كمن يتعامل مع الكادر على انه خشبة مسرح، رغم ان هذا جعل أغلب كادارات حسن الإمام تبدو مسطحة ولم تحتوي على العمق المطلوب، إلا ان الإمام كان يلعب دائما على الجانب الحسي لدى المتلقي فكان في الغالب ما يفضل ألا يرهق عينه بتفاصيل بصرية قد تدفعه للخروج ولو قليلا من حاله المشهد نفسه.

المغامر

جانب اخر اهتم به حسن الإمام في أفلامه أكثر من حركة الكاميرا، وهو إدارة الممثل وتوجيهه، الإمام ببساطة كان نقطة تحول في تاريخ كل من عملوا معه باستثناء عدد من الأسماء من بينهم فاتن حمامة، كانت لدية قدرة وجرأة غريبة على إسناد أدوار معقدة ومختلفة عما قدمه الممثل قبل ذلك، بل ويخرج منه أفضل ما فيه.

ربما أبرز واهم مثال كان مع هند رستم والتي كان للإمام الفضل الأول في تكوين اسطورتها كملكة للإغراء في السينما المصرية، استطاع أيضا ان يخرجها خارج هذا القالب في فيلم الحلوة عزيزة، حينما قدمت شخصية مديرة الكباريه المشوهة قاسية القلب، وقبلها دورها في فيلم الراهبة، وفيلم شفيقة القبطية.

من الأصل اختيار حسن الإمام لهند رستم والإيمان بموهبتها، كان السبب في كونها أصبحت تلك النجمة التي خلدت اسمها في تاريخ السينما، حسن الإمام كان بوابتها الاوسع على عالم الفن رغم انه ليس مكتشفها الأول، إلا انه أول من افرد لها مساحات كبيرة على الشاشة. الأمر نفسه تكرر مع شادية هو أول من لمح ان شادية يمكن ان تخرج بسهولة من إطار ” الفتاة الشقية” لتدخل في إطار الانثى شديدة الغواية بفيلمه “لواحظ” ثم فيلم “التلميذة” وأيضا فيلم زقاق المدق، لتدخل بعدها شادية منعطف مهم في مسيرتها كممثلة من خلال أفلام مثل ” الطريق”.

اما أكبر إنجازات حسن الإمام في رأيي هي يحيى شاهين، الذي كان قد سجن في قالب محكم من الأدوار الجادة النمطية، ليخرجه منها ويضعه في أهم ادواره على الإطلاق وهو دور احمد عبد الجواد في الثلاثية، أن تخرج يحيى شاهين عن جديته وتعطيه دورا شديد التعقيد مثل دور سي السيد، مغامرة لا يقدم عليها إلى مخرج جريء ومغامر، ومن يتلك تلك الجرأة سوى الإمام.

نفس الجرأة التي أخرجت يحيى شاهين أخرجت عبد المنعم إبراهيم ونادية لطفي في ارض الشوق، في دور اثبت فيه عبد المنعم إبراهيم بما لا يدع مجالا للشك انه أحد اهم الطاقات السينمائية التي اهدرتها السينما للأسف، بينما كان قصر الشوق هو إعادة اكتشاف حقيقي لنادية لطفي خارج بوتقة أدوار الفتاة المدللة أو الثرية.

اتهامات معلبة

وبشكل خاص أهتم حسن الإمام بسير الراقصات مثل ” امتثال فوزي” التي قدم سيرة حياتها في فيلم “امتثال” او شفيقة القبطية أو بمبة كشر، إضافة لأن الراقصة وفتاة الليل من النماذج الدرامية الانثوية المحبب والموجودة بكثافة في سينما الإمام، لذلك كان منتقدوه ينعتوه بلقب مخرج العوالم، ولكن لماذا كان يتم انتقاد الإمام من الأساس؟

رغم أن الستينات والسبعينات يمكن ان نطلق عليها عصر النهضة في مجال النقد السينمائي إلا أن نقاد تلك الفترة كان نقد أيديولوجي، فكانت الأفلام التي لا تناقش قضية سياسية أو ليست ذات بعد سياسي كان تعامل معاملة أفلام الدرجة الثانية أيا كان موضوعها، في فترة كانت السياسة دائما تأتي قبل الفن في اراء النقاد، فكانت الأفلام السياسية أو ذات البعد السياسي هي نجوم تلك الفترة كان لبد لمخرج مثل حسن الإمام ان يكون عرضه للاتهامات من تلك النوعية.

خاصة حينما قدم حسن الإمام فيلم “خلي بالك من زوزو” في الفترة بين نكسة 67 وانتصار أكتوبر، كان الاتهام المعلب المباشر والذي تلقاه حسن الإمام، هو محاولة تغييب وعي الشعب عن الاحتلال والهزيمة ومحاولة تحييده عن طريق رد الأرض والشرف، ولكن من قال ان الحياة تتوقف حتى في حالات الهزيمة، إذا كانت تلك القاعدة ربما كان أولا بدول الحرب العالمية الثانية حلفاء ومحور أن تتوقف الحياة فيها تماما خلال فترات الحرب، ولكن الإمام كان يدرك ان الحياة يجب ان تستمر وان تنوع الاذواق عملية سينمائية سليمة 100%.

في رأيي الشخصي حسن الإمام، بانجذابه للجمهور دائما ومحاولاته في الوصول لهم استطاع ان يؤمن له مكانا لديهم بكونه احد المخرجين الذين تواصلوا مع المتلقي من خلال الأفلام واستطاع ان يكون بطلا في أعينه رغم ان الإمام كانت أفلامه في الغالب بعيده عن القضايا السياسية، الإمام المتهم دائما بالمستوى الضعيف، ليس ضعيفا ولكن تنطبق عليه تلك النكتة السخيفة التي كان يطلقها المونولجست محمود عزب ” واحد راح للبقال قاله عندك حلاوة قاله لاء وهو عنده جوه” كذلك حسن الإمام كان بداخله الكثير من السينما ولكنه لحساباته الخاصة وحسابات الجمهور احتفظ بها لنفسه ولم نرى منها سوى شذرات بين الحين والأخر

  •  
    15
    Shares
  • 15
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.