جميل راتب ورحلته من خشبات الكوميدي فرانسيز لحوارات “سليم البهظ”

لا تبخل علينا بالمشاركة
  • 12
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    12
    Shares

بعد رحلة طويلة قضاها متنقلا بين مصر وفرنسا، يسطع نجمه في عالم الفن ويتلألأ على خشبة كلا من مسارح البلدين، رحل عن دنيانا الفنان الكبير جميل راتب، في 19 سبتمبر 2018 عن عمر يناهز الثانية والتسعين عاما بعد ان ترك اعمالا تجعل اسمه بين سجل الخالدين مسطورا.. تعالوا بنا اليوم نتعرف على لمحات من مسيرته الفنية وحياته الشخصية..

في 28 نوفمبر عام 1926 ولد “جميل أبو بكر محمد راتب” وهو اسمه كما أكد مدير اعماله هاني التهامي في فيديو مطول على حسابه على فيسبوك، لأب مصري وأم مصرية صعيدية (وليست فرنسية كما كان يشاع) فهي ترتبط بصلة قرابة بالناشطة المصرية المعروفة في حقوق المرأة هدى شعراوي.. الأب والأم من عائلة ثرية عريقة، وهذا أهل ابنهما جميل للدراسة في المدارس الفرنسية الثقافة ودخول كلية الحقوق الفرنسية لما بلغ من العمر 19 عاما، ثم سافر لباريس لأكمال دراسته هناك وكان معاه منحه لدراسة العلوم السياسية.

في اوائل الأربعينات بدأ عمله بالفن، من خلال فيلم “الفرسان الثلاثة” للمخرج توجو مزراحي انتاج عام 1941 ولكن، كأي ابن ذوات وقتها، رفضت عائلته عمله بالفن وطلبت من توجو مزراحي حذف المشاهد الخاصة به والا ستسبب له مشكلة!.. وطبعا استجاب توجو مزراحي لذلك لأنه كان متخفي من اسرته في بدايه مشواره تحت اسم احمد المشرقي.. ولكن جميل المتألق حصل على جائزة افضل ممثل في المدارس المصرية، ولذلك يؤكد تاريخ السينما على ان بدايته الحقيقية في مصر لا في فرنسا كما كان يشاع..

عندما سافر جميل الى فرنسا لدراسة العلوم السياسية، أبدى اهتمامه بأعمال المسرح الكوميدي الفرنسي، وتعرف بالمخرج والكاتب الفرنسي اندريه جيد، والذي نصحه الى الاتجاه لدراسة المسرح، وهو ما بدأ فيه بالفعل، فغضبت اسرته و انقطعت اموال المنحة التي كانت حوالي 300 جنيه مصري (مبلغ كبير جدا!) فاضطر جميل للعمل في مهن متواضعة “شيال” و”كومبارس” في الأفلام او المسرح ومترجم لبعض العرب المقيمين في باريس ليتمكن من المعيشة والأنفاق على نفسه ودراسته..

عاد الى مصر بداية الخمسينات مع مسرح “الكوميدي الفرنسي” لتقديم بعض العروض في القاهرة، مسرحية “الوريث”، والتي خطف الأنظار بنظراته الحادة وحضوره القوي كما يؤكد تقرير منشور في الصحافة الفرنسية.. بعدها تلقى جميل عرضا بالعمل في فيلم مصري فرنسي مشترك وهو فيلم (انا الشرق) انتاج عام 1956 وبطولة الممثلة الفرنسية كلود جودار مع جورج أبيض، وحسين رياض، وتوفيق الدقن، ثم عاد إلى فرنسا مرة أخرى. بعدها شارك بدور صغير، عام 1962، في الفيلم الأمريكي الشهير “لورانس العرب” مع الفنان عمر الشريف.

ومن جديد، استقر جميل في مصر في منتصف السبعينات، وبدأ الظهور في السينما المصرية منذ ذلك الحين بشكل أكبر. في عام 1975 تم ترشيحه لدور خالد صفوان في فيلم الكرنك والذي اداه بعد ذلك كمال الشناوي، ولكن لغرابة لكنته في ذلك الوقت تم استبعاده.. وكان فيلم «الصعود إلى الهاوية»، الذي قدمه عام 1978، نقطة التحول الرئيسية في مشواره السينمائي، حيث أدى دور «أدمون» ضابط المخابرات الأسرائيلي. وحصل عن دوره في الفيلم على جائزة الدولة التقديرية تسلمها من الرئيس الراحل أنور السادات كأحسن دور ثاني. وكان جميل يساري الميول السياسية، كان عضوا في حزب التجمع المصري، وكان المنتجون يرفضون التعامل معه لذلك السبب، وظل شهور بلا عمل حتى فاز بالجائزة السابقة فانهالت عليه العروض بعد ذلك.

خاض تجربة الإخراج المسرحي في مسرحيات «الأستاذ»، و«زيارة السيدة العجوز» و«شهرزاد». كما رشحه صلاح أبو سيف، عام 1975، في فيلم «الكداب»، ثم أدى نجاحه في الدور إلى تلقيه عدد كبير من العروض التالية، قدم عام 1985 واحدا من أهم أدواره السينمائية، في فيلم «الكيف»، مؤديا دور تاجر المخدرات «سليم البهظ».

في منتصف الثمانينات بدأ مشواره مع الدراما من خلال مسلسل “رحلة المليون” مع محمد صبحي، حيث قدم دور رجل الأعمال لطفي الدمنهوري، ليشارك محمد صبحي بعد ذلك في عديد من الأعمال اهمها عام 1994 سلسلة أجزاء مسلسل «يوميات ونيس»، حيث قدم دور «أبوالفضل جاد الله»، والد «ونيس»، ونجح في دوره نجاحا كبيرا جعله يرتبط بأذهان عدد كبير من الأجيال. وكان من اواخر اعماله مسلسل «شمس» عام 2014 من بطولة ليلى علوي، التي كانت تقول في كل لقاءاتها: «أشارك جميل راتب في بطولة شمس».

وكان جميل يرى أن فاتن حمامة هي «أم كلثوم» التمثيل، وحضر جنازتها رغم مرضه الشديد لحبه الكبير لها. ويرى ايضا ان افضل ممثل في مصر حاليا هو يحيى الفخراني، وأحسن ممثلة هي عبلة كامل. صرح بذلك في اخر حوار له على صفحات جريدة «المصري اليوم»، حيث أبدى جميل راتب رأيه في المخرج الكبير يوسف شاهين، قائلا: «هو نموذج، ونفتخر به مخرجا عالميا مصريا، فاهما للسينما، مخرجا تكنيكيا عظيما جدًا، ولكن تدخله فى سيناريوهات الأعمال التى يخرجها كان سببًا فى ضعفه بالنسبة لى، لأن أفضل أفلامه كانت من تأليف كتاب كبار، وبمجرد أن بدأ مرحلة التعبير بالكتابة ضعف، وبعض أفلامه لم تكن واضحة كفكره، رغم أنها كانت إخراجيًا على أعلى مستوى، ولكنه عانى من نقطة ضعف بعد قراره كتابة أفلامه».

ايضا تحدث راتب في نفس الحوار عن الفنان الراحل أحمد زكي، قائلا: «أحمد زكى ممثل عظيم، وأتذكر أن صلاح جاهين عرض علىّ المشاركة فى فيلم «الكرنك»، ووقعت عقدا بالفعل، والصحافة كتبت ذلك فى حينها، وكذلك عرض على أحمد زكى وقتها المشاركة فى الفيلم، وعندما قرر جاهين استبعادى وأحمد زكى عن الفيلم، لأننا لم نكن أسماء تجارية فى هذا الحين، كان لذلك تأثير كبير على زكى، لدرجة أن البعض أكد أنه فكر فى الانتحار، لكنه بعد ذلك نجح فى اكتساب قاعدة جماهيرية عريضة، وتعرض لظلم شديد وقتها، لكنه ممثل موهوب، وأثبت ذلك فيما بعد خلال مشواره». كما يرى الفنان القدير أن أحمد السقا وكريم عبدالعزيز وخالد النبوى ومنة شلبى ونيللى كريم من أفضل ممثلى الجيل الحالى.. وكان آخر الأفلام المصرية التي شاهدها هي «هروب اضطرارى» لأحمد السقا وأمير كرارة و«الخلية» لأحمد عز، وقال عنها: «هى أفلام مميزة فى صناعتها».

كما يعلن جميل رفضه التام للرقابة، قائلا: «أنا ضد الرقابة فى المطلق، لأن الفن والتعبير يجب أن يتمتع بالحرية، ولكنى أؤيد التصنيف العمرى للأفلام والمسلسلات، لأن بعض الأفلام قد لا تكون رسائلها وأفكارها مناسبة للأطفال فى سن معين، وقد يفهمونها بشكل خطأ، وأطالب بأن يكون الباب مفتوحا أمام كل الأفكار والقضايا، بعيدًا عن التابوهات». وعن الأعمال التي شارك فيها يؤكد انه لم يندم على أي عمل سابق شارك فيه، لكنه يرى أن هناك بعض الأعمال الضعيفة التي اضطر للمشاركة فيها، يقول: «لا يوجد عمل أندم عليه، ولكنى قدمت بعض الأعمال الضعيفة خلال مسيرتى، وقبلت أفلاما فى بعض الأوقات لحاجتى للعمل، وبعد ذلك قدمت أعمالا مهمة، ابتداءً من مشاركتى فى فيلم (الصعود إلى الهاوية) الذى غير نظرة المنتجين والجمهور عن جميل راتب، ومن بعده قدمت أدوارا وشخصيات متنوعة، وكنت أبحث دائما عن الشكل البعيد عن شخصيتى تماماً، وأستمتع بها، وأتذكر مثلا مسلسل (الراية البيضاء) الذى يعتبر من أنجح أعمالى لكن شخصية د. مفيد أبوالغار كانت قريبة منى جدًا، ولم أجد صعوبة فيها».

كذلك يرى أن فيلم «لا عزاء للسيدات» من أهم المحطات في حياته مبررا ذلك بـ «لأننى وقفت فيه أمام فاتن حمامة، ومن إخراج بركات، دورى فيه ليس من أهم الأدوار التى جسدتها، أهمية الفيلم تأتى من فرصة وقوفى أمام السيدة فاتن حمامة». ومن أحب الأدوار إليه «البداية» و«الصعود إلى الهاوية» والفيلم التونسى «شيش خان» وفيلم «الكيف» الذي يقول عنه: «لم أفهم سبب نجاحى فى هذا الدور، وحينما عرضوا على الشخصية ترددت، لأننى لم أتفهم كثيرا من ألفاظ الفيلم».

وعن الأدوار التي كان يتمنى تجسيدها، يقول انه كان يتمنى تجسيد شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، «لكن هذا الدور لا يناسبنى، ولم أكن مقنعًا فى تجسيده»، على حد قوله.

ويوجه في نهاية حياته رسالة إلى الممثلين يقول فيها: «أقول لهم إن الثقافة مهمة للفنان، ويجب أن تهتموا بها، سواء فى إطار عام أو فيما يتعلق بالسينما، وبصراحة معظم فنانى الجيل ينعمون بالثقافة، لأن أفلامهم لها مضمون اجتماعى وإنسانى وأحيانًا سياسى، وبالتأكيد السينما وسيلة يتعرف من خلالها الجمهور على الحالة الثقافية فى بلاده، وبالتالى يجب أن يكون صناعها على قدر من الاطلاع والمعرفة».

والى عموم المصريين يقول: «كل مواطن يجب أن يكون على قدر المسؤولية من أجل مستقبل أفضل لمصر، ومحاربة التطرف والإرهاب».

وعن حياته الشخصيه، تزوج راتب من فتاة فرنسية كانت تعمل بالتمثيل، واعتزلته بعد ذلك، وتفرغت للعمل كمديرة إنتاج، ثم منتجة منفذة، ثم مديرة مسرح «الشانزليزيه»، وهو يزورها بين كل حين وآخر، ولا توجد معلومة موثقة حول انفصالهما. ولكن المؤكد انه لم ينجب وليس له اي ابناء..

جميل راتب تدهورت حالته الصحية بشكل كبير في الفترة الأخيرة، وأصبح غير قادر على المشي بعد معاناته من مشاكل صحية بسبب آلام مبرحة في فقرات الظهر، وهشاشة بالعظام. وقد رفض الاستجابة لتعليمات الأطباء بإجراء جراحة عاجلة بالعمود الفقري، لكنه وافق بعد إلحاح على اتباع العلاج الطبيعي. في الأيام الأخيرة من حياته كشف هانى التهامى، مدير أعمال الفنان جميل راتب، آخر تطورات الحالة الصحية للفنان، قائلا: إن الأمور مستقرة ولكن لابد أن يظل فى المستشفى لرعايته نظرًا لكبر سنه، وأوضح خلال بعض القنوات الفضائية وعبر صفحته الشخصية على فيسبوك، أن الفنان جميل راتب فقد صوته، وأن الأطباء ليس فى يدهم أي شىء لفعله بسبب كبر عمره. الى ان رحل عن دنيانا في صباح يوم الأربعاء الموافق 19 سبتمبر 2018 عن عمر يناهز 92 عاما.

  •  
    12
    Shares
  • 12
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.