أراء عامة الفن السابع

المكان والإنسان.. في سينما محمد خان

لا تبخل علينا بالمشاركة
  • 52
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    52
    Shares

لو سألتني عن أفضل افلام فى سينما محمد خان فأكيد سيكون من بينها فيلم “الحريف”، ولو كانت هناك أفلام تشهد على موهبة المشخصاتى لا النجم عادل إمام فسيكون من بينها فيلم “الحريف”، ولو كانت هناك أفلام مميزة تناولت حياة المهمشين فسيكون من بينها نفس الفيلم.

عُرض الفيلم عام 1984، كتب قصته محمد خان وبشير الديك مثل افلام كثيرة انفرد الثنائي بقصتها، فهي أفلام أصلية مكتوبة للسينما، ليست مأخوذة عن رواية أو افلاما أخرى أو مقتبسة عن سينما الغرب. وانفرد الديك بالسيناريو والحوار ليدشن نموذجا ناضجا لما يطلق عليه “فيلم الشخصية”، فى هذه النوعية القليلة فى السينما المصرية تختفى الحبكة التقليدية، وتصبح المشاهد ضربات فرشاة فى لوحة الشخصية المحورية، عندما تكتمل الملامح ينتهى الفيلم، ولكن البطل هنا ليس فارس العامل فى ورشة الأحذية فقط، ولكن يشاركه البطولة الشارع ، تفتتح الفيلم كلمات أمينة جاهين بصوت أحمد زكى:

“فيه ناس بتلعب كوره في الشارع .. وناس بتمشي تغني .. تاخد صوره في الشارع .. في ناس بتشتم بعض .. تضرب بعض .. تقتل بعض في الشارع .. في ناس تنام ع الأرض في الشارع .. وناس تبيع العرض في الشارع .. في الشارع أخطاء كتير صبحت صحيحه .. لكن صحيح هتكون فضيحه .. لو يوم نسينا وبوسنا بعض في الشارع” .

فى أفلام خان يبدو المكان والإنسان وجهان لعملة واحدة، مهنة فارس صنع الأحذية، والحذاء أيضا وسيلته للعب الكرة فى الساحات، انفصل عن زوجته، ولكنه يحتفظ بحبها، أما ابنه فهو نقطة ضعفه، وعنوان بهجته، الكرة لم تصنع له ثروة، لأنه يلعب فى دورى المهمشين غير الرسمى، ولأنه يتعرض للإستغلال من مهمّش آخر (عبد الله فرغلى)، بطلنا ليس شريرا بل “فارس”، الاسم الذى يستخدمه خان كثيرا لتمجيد أبطاله، عندما قلت له : “أنتم نشأتم فى زمن عبد الناصر.. لذلك ظل البحث عن فارس يلازمكم حتى بين الغلابة” ، أعجبه المعنى كثيراً، ضحك ولم يعلّق.

فيلم “الحريف” بورتريه بحجم أحلام الناس العادية، منسوج بتفاصيل إنسانية مؤثرة، واقعية خان ليست خشنة أو صادمة، هو يحافظ على واقعية المشهد، ولكنه يترك بينك وبينه مسافة لكى تتأمله، شريط الصوت كيان حى، تستطيع أن تصف هذا الشريط عنده بأنه فيلم مواز من الصمت والأصوات، كاميرا سعيد شيمى تلتقط أدق التعبيرات، تم التصوير فى ساحة عبد المنعم رياض، الفيلم من إنتاج أفلام الصحبة مبدعى فيلم “سواق الأوتوبيس”، جمعوا قروشهم، واعتمدوا على أنفسهم، عاطف الطيب يتابع الإنتاج، كان الدور أصلا لأحمد زكى، اختلف مع خان، ذهب الدور لعادل إمام، الممثلون الموهوبون الذين يتحولون الى نجوم، تختلط نجوميتهم مع الشخصيات التى يلعبونها، يبدون على الشاشة فى معظم الأحيان بنفس شخصيتهم كنجوم، يقدمون فى كل عمل “الشويتين بتوعهم”، أفلام قليلة جدا توارى فيها النجم عادل إمام، ليفسح الطريق للشخصية المكتوبة التى يلعبها، فى “الحريف” أحد نماذج هذا الاستثناء، مغزى الفيلم هو أن الشوارع ليست أماكن، ولكنها بشر وحواديت، ومعنى رحلة فارس الحريف هو أن فروسية المهمشين من نوع خاص، إنها فى قدرتهم على التحايل لكسب الرزق، وانتزاع لقمة العيش، وإنقاذ الحب والعاطفة رغم كل الظروف، هذه التنويعة هى نغمة محمد خان الأثيرة: القاهرة والناس بنظرة شاعرية ومتعاطفة.

ذكرى شخصية أخيرة: قرأت عن الفيلم قبل أن أشاهده بسنوات، لفت نظرى الهجوم الساحق الذى قاده ناقد شهير (هو الراحل أحمد صالح) متهما خان بسرقة فيلم “روكى” الشهير، مع تغيير أحداثه من الملاكمة الى الكرة، أتذكر أن خان قام بالرد، عندما شاهدت الفيلم، اختلفت مع الناقد الشهير فى رأيه، طبعا خان تأثر بالسينما العالمية، ولكنه لم ينقل فيلم “روكى”، لا يكفى أن يكون البطلان مهمشين ولهما ابن لكى نتحدث عن النقل، الأهم من ذلك أجواء وتفاصيل الفيلم المصرى: “روكى” هو فى كل أجزائه التنويعة الأشهر على فكرة الصعود وتحقيق الحلم الأمريكى بكل خصوصيته، أما “الحريف” فليس فيه صعود وإنما دوران، فارس يظل فى طبقته لايغادرها، بل إنه لن يغادر الشارع (من الساحة الى التاكسى)، والفوز فى مباراة لم يعد وسيلة للصعود وتحقيق الذات أو للإلتحاق بفريق فى الدورى الممتاز، ولكنه أصبح مجرد وسيلة لإدخال السرور على ابنه، “روكى” أحرز هدفا حقيقيا فى مرمى الفشل، أما هدف فارس فهو إعتبارى وشرفى.

  •  
    52
    Shares
  • 52
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شارك بتعليق على المقالة!

ضع بصمتك وقل رأيك!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.